نص من ديوان كارمينا بورانا في إذاعة مترو القاهرة | إسلام نوار

 في الطريق عبر شارع القصر العيني، مرورًا بمجلس الشعب، والمجمع العلمي، إلى ذلك المكان المستدير الشاسع، الذي لا أريد أن أذكر اسمه، 

أو حتى أصفه، أو أحمّله بمعنى ما، معنى يصدَّره أي شخص، يحمل صفة ما، يمكنني أن أجعل ذلك المكان ساحة كبيرة للباعة الجائلين الذين يبيعون أشياء ما لأشخاص غير موجودين، لم يحضروا أبدًا، ولم يكن هناك أي تنازع حول صفاتهم، لأنهم بطبيعة الحال لم يحضروا، ولم يبتاعوا شيئًا.

***

هذه الخرائب التي أمشي فيها لا تشي أن شيئًا حدث، الميادين الكبيرة مسفلتة وملمعة جيدًا، ومليئة بالنصب التذكارية التقليدية، الحوائط مدهونة جيدًا، والأطراف المليئة بالقمامة والنفوس يمكنها أن تُزاح بضغطة زر؛

خرائب طروادة المحدودة المساحة جدًا لا تشي أن هذه المدينة حاصرتها عشرة آلاف سفينة يونانية لعشر سنوات كاملة؛

رائحة حريق مدينة الفسطاط القديمة شرق النيل من مئات السنين الذي استمر شهرين فقط تخرج من خرائبها أكثر نفاذًا من حرائق هذه الخرائب التي أتنقل فيها بالسيارات في الميادين الكبيرة المسفلتة جيدًا المليئة بالنصب التذكارية التقليدية،  

كل حكائين هذه الخرائب ملفقون، وصورها وفيديوهاتها ملفقة تمامًا كهوميروس الذي لم يوجد أبدًا. 



***

في مظاهرة، سقط من على زلاجته _التي يدفعها بائع متجول_ لوحُ ثلج يستخدم في تبريد الماء والعصائر، غريب جدًا أنني بكيت من أجل هذا الثلج كما لم أبك شيئًا من قبل، ومددت ماءه المنصهر ليغرق المدينة كلها، وجعلت كل الأبطال الأسطوريين أصحاب الرحلات يخوضون رحلاتهم فيه؛

السكين الذي يستخدمه بائع متجول آخر أكثر درامية من بندقية القناص الحتمية، السكين المحتمل استخدامه في قتلي من ظهري يتوج باحتمالاته القلق الذهاني سيدًا للمشهد.

***

بين الخرائب ستقول الفتاة اللبنانية التي تحمل مسدسًا فضي اللون: إنني ذاهبة للحفلة، وستعود من "حرب الفنادق" بفستان أبيض وعريس في يدها وموتى من غير جلدتها ، والتأكد أن مسدسها لن يُصوَّب في ظهرها يزيح حبوب مضادات الاكتئاب والقلق من مشهد المجزرة، ويكثر من المواليد؛ 

السكين الذي استخدمه البائع المتجول وسط المظاهرة شبه السلمية _في ذلك المكان المستدير الشاسع الذي لا أريد أن أذكر اسمه_ سينتقل إلى المنقضية مدة سجنه الذي يقضي سنين في المراقبة واضعًا مرة أخرى الشك والحبوب في مشهد قسم الشرطة الذي يطل على النيل، 

المراقبة أن تقضي نصف اليوم مسجونًا في قسم شرطة.             سيُكتب عن الحرب والثورة في الفنادق الفايف ستارز، وسيصبح الموتى كل يوم أكثرًا سوءًا في الكتابة.

***

بول تبيتس  الطيار الذي ألقى القنبلة النووية بيد لم ترتعش ثم طار إلى ذهانه،

بينما أنا طبيب أطفال، 

طبيب تشنجت يداه لدرجة أنه لم يستطع أن يضع حبوب السيولة في فم أبيه عندما كان يموت في المستشفى الحكومي، طبيب ترك أباه الذي يموت، وذهب ليبكي بجوار سور المستشفى صارخا باسم حبيبته، أنا طبيب يتخيل صورة حبيبته كلما مات مريض بين يديه. 

عندما علمت أن حبيبتي رحلت إلى الأبد، تركت طفلا محجوزًا في المستشفى معي، وذهبت أبكي في غرفة الطبيب النباطشي حتى اليوم التالي، وعندما خرجت صباحًا وجدت الطفل قد مات،

لقد قتلت الطفل واسمي ليس بول تبيتس  أو الجندي المجهول،

لقد قتلته ثم طرت إلى ذهاني.

**"

السفاح الذي يتناوب جنوده على الاغتصاب هو في الحقيقة الذي أبدع الصورة الكلاسيكية  للجندي الذي يُودع بقُبلة ويُستقبل بقبلة، والصورة الكلاسيكية لانتصار الثورة بالقبلات علي الأسفلت والسكر والمضاجعة، والصورة الكلاسيكية للطيور التي تغني والورود التي تتفتح عندما يفضا حبيب وحبيبة بكارتهما. 

الأم التي تضرب على صدر ابنها أن إلى الأمام دفاعًا عن أبناء جلدتك  قالت لابنتها: ستحملين بطفل لو تم تقبيلك،

وقالت: إن الاغتصاب في الحرب لا يعدو كونه قبلة أيضا.


***

خلف محطة مترو فيصل مقبرة جماعية حفرت بالمعالق، تبدأ المقبرة بشركة للكهرباء وتنتهي بقسم شرطة، يوجه إليها مخرج رعب أميركي كاميرته مصورًا الموتى المتحركين شديدي الهزال مختلي العقول، والجرعات الكبيرة من المخدرات الرخيصة تطير بهم في الهواء،

عن أي شيء كانوا يدافعون هؤلاء الموتى الممتلئة وجوههم بالندوب إن لم تكن هناك حرب قد حدثت؟

إن لم تكن هناك حرب قد حدثت، فلمَ كل هذا العدد من الأطراف الصناعية رديئة الصنع؟ 

***

الطفل الذي يرضع من صدر أمه المقتولة في مجزرة ما يصرخ لك أن تسب الغريزة، والشاهد على المجزرة سيرويها لك في ثبات عظيم لا يحتاج إلى مضاد للقلق يحمل قنبلة؛

يبدو أن الأم المقتولة قد رُميتْ بالرصاصة منذ ست أو سبع ساعات لأن ببساطة دمها قد أسودَّ، والذباب يطير فوق الجيفة،

الذي سيحكي عن استخدام رشاشات الماء لتفريق معتصمي الميدان _الذي لن أذكر اسمه_ سيظل يبكي مثل ذلك الطفل الذي يقضم صدر أمه المقتولة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة