عارياً يتغطى بنافذة | محمود خير الله

عارياً يتغطى بنافذة



احصل على النافذة أولاً

وأنا أضمن لك 

أن القمر سيأتي صاغراً معها،

والنجوم،

والشجر سوف يأتي،

وإذا جاءك هؤلاء جميعاً،

مرة،

صدقني،

سيأتي النهرُ معهم

دائماً

من تلقاء نفسه.


أعرفُ رجلاً يخوضُ في الخمسين،

واقفاً كل يوم

ـ  أمام نفسه ـ

عارياً،

لا يتغطى سوى بنافذة.


أنا لا أملك 

ـ من حطام الدنيا ـ

سوى عينين ونافذة،

أرى بهما العالم

الذي يدور في رأسي،

لا بيت لي، 

ولا أصدقاء،

أهلي كلهم هجروني،

لم يبقَ معي ـ دائماً ـ

وإلى النهاية، 

سوى الشرفات،

كانت  تعويضاً كافياً عن العالم،

ـ ذلك الملعون الذي لا أم له ولا نافذة ـ

يمنحُ الحبَ بيدٍ

ويأكل بالأخرى خُبز العاشقين.


نعم،

أنا من هؤلاء الذين 

لم تبق لهم الحياة شرفةً على حالها،

دائماً تتقوس بجسدها إلى الأمام،

تخلع عظامها شيئا فشئيا من الجدران العالية،

شاخصة بغضب إلى الأرض،

لا يستطيع المرء أن يحتمل الحياةَ كنافذة،

أن يظل عُمراً فوق الجميع،

ثم يشيخ شيئا فشيئا 

حتى تلامس رأسه التراب هكذا،

ليس سهلاً،

أن يخلع البناؤن عظامك

ـ قطعة قطعة ـ أمام الناس 

لتصير أرجوحة للصغار.


بعض الشرفات تودّع حياتها التليدةَ في البناية،

وتهوي على الأرض

مرة واحدة،

كأنّها قررت 

فجأة

أن تنتحر.


بعض الشرفات تفعل ذلك،

لأنها تلعن قصص الحب

التي انمحت من جدارها،

تلعن الندوبَ الثقيلة

التي تحفرها الأيدي

على خشب النوافذ.

تلعن الدموع التي هطلت

والشرايين التي تمزّقت 

على سور قلبها.


بعض النوافذ تسقط كالثورات الزائفة،

وتتكوم كالروث

في جانب الميدان.


أنا من هؤلاء الذين يعتقدون 

أن الحبَ نافذة، 

حيث لابد له أن يعيشَ

وأن يتألم،

لدرجة أنني حين كنت صغيراً

كنتُ أعشق النافذة أولاً،

وقد لا يبقى لدي وقت لأعشق 

الفتاة التي أطلت منها

مصادفة،

بعض الفتيات ظهرن مرة واختفين،

في شرفات لا أزال أحبها إلى اليوم.


خسرتُ عشيقاتٍ كثيرات،

لأن نوافذهن كانت أقل جمالاً

من سيقانهن.

تفهمني النوافذ أكثر

حين أحلّ ضيفاً عليها،

تعاملني بأخوَّة وصبر،

تعلمني كيف أفتحها لتكشف البحر لي،

وكيف أغلقها لأبكي.


أنا صديقُ النوافذ المفتوحة

في أواخر المدن،

المضاءةِ بمصباحٍ وحيد،

صديق الحب الذي يترعشُ تحت الضلف،

وصاحب كل الشرفات 

التي تُغلق،

كل يوم 

بلا تلويحةٍ للوداع.


كل الملاءاتِ النديَّة المُعلقة في الشوارع

أخواتي،

وإخوتي

الشبابيك.






القصيدة من ديوان الأيام حين تعبر خائفة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة