نمط جديد في الكتابة د. حسن الأمراني ـ المغرب

نمط جديد في الكتابة



د. حسن الأمراني ـ المغرب

في ندوة " تقريب المفاهيم " التي عقدتها رابطة الأدب الإسلامي العالمية في القاهرة  ، صيف 2002 ، أثار الأستاذ الشاعرالكبير عبد المنعم عواد يوسف زوبعة أدبية ،عندما آثر أن يجعل موضوع بحثه كتاب "عشر نجمات لمساء وحيد " للشاعر علي منصور. كان مرد هذه الزوبعة أن الكتاب المدروس يدخل فيما سمى " قصيدة النثر" ، وكان عدد من الحاضرين ليس خصما فحسب لهذه الكتابة ، بل لا يكاد يحتمل أن تكون محل درس وفحص ونقاش ، هذا بالرغم من أن الأستاذ عبد المنعم عواد سيج بحثه بمجموعة من التساؤلات عن شرعية هذه التسمية ، قصيدة النثر ، وعن النمط الأدبي الذي أن يندرج تحته هذا النوع من الكتابة. لم يكن الباحث إذن متحمسا ولا متبنيا ولا مدافعا عن التسمية ، ولكنه كان متحمسا ومدافعا عن المسمى ، عن هذه النصوص الجميلة التي لا يشك في جمالها وجماليتها . ثم إن الباحث وقف عند إسلامية النص ، متحدثا عن التعامل الذكي للشاعر مع النصوص افسلامية للوصول إلى رؤية إسلامية في النص : القرآن الكريم ، والحديث الشريف ، بخاصة . وكان يقرأ بين الحين والحين نماذج من " الديوان " أو " الكتاب الشعري " وحتى قبل أن ينهي الباحث عرضه ، كانت بعض الأصوات المعترضة تلقي بتعليقاتها شبه مجهورة ، مستنكرة الإستعمال السئ للنص المقدس. وعندما فتح باب النقاش ، تناسى عدد من الحاضرين النص المدروس ، الذي استمعوا إلى نماذج منه ، وتعلقوا بالتسمية ن مذكرين بأن هذا النمط من الكتابة سبق إليه عدد من الأدباء الأفذاذ ، ولكن دون أن يجرؤ أحد منهم على أن يسمي ما يكتب شعرا ، رغم أن النوص الأدبية التي كتبوعا هى قطع أكثر شاعرية من عدد وافر مما تلقي به المطابع إلى الناس تحت مسمى " قصيدة النثر " . وقد مثلوا لذلك بما كتب الرافعي مثلا في ( أوراق الورد ) و ( السحاب الأحمر )، وكثرت السهام الموجهة إلى الأستاذ عبد المنعم عواد يوسف ، وهو بروحه الشاعرة يتلقى ذلك في هدوء وابتسامة ، مذكرا أنه إنما أراد أن يطرح شرعية التسمية لنص أدبي جميل .

لم أعقب ، ولم أناقش ، كنت أصغي للنقاش ، كما اصغيت بعناية إلى البحث ، وإلى النصوص المستشهد بها . كنت أحس أننا أمام نمط جديد في الكتابة ، وبعدما رفعت الجلسة شعرب برغبة ملحة في قراءة النصوص قراءة متأنية ، وسألت الأستاذ عبد المنعم عواد عن المكتبة التي يمكن أن احصل منها على ( عشر نجمات ... ) فإذا به بخلقه الدمث المعهود ، وروحه الشاعرة دائما ، يتناول القلم ويخط كلمات إهداء على نسخته التي بين يديه ويقدمها إلى ، فأنا الآن ممتن وشاكر. وخلوت إلى المجموعة .

كنت أستحضر بعض رواد ما سمى قصيدة النثر: محمد الماغوط وأنسي الحاج وشقرا أبي شقرا ، وسواهم .. لست الآن بسبيل بسط رأيي في شرعية التسمية ، فقد فعلت أكثر من مرة ، وفي أكثر من موضع ، وكلما سئلت عن ذلك ، ولكنني لم أشك في أننا ـ مع كبار مبدعي هذا النمط ـ نقف في إعجاب أمام نصوص أدبية جميلة ، وأننا في الوقت ذاته نعجب من كثرة الطفيليين على الكتابة الشعرية ، تحت لافتة " قصيدة النثر" ، ولو جاز لي إصدار حكم لقت : إن تسعة أعشار ما يقدم للقارئ العربي من هذا النمط الكتابي ليس أدبا أصلا ، فضلا عن أن يكون أدبا جميلا ، أو شعرا راقيا .

وقرأت الديوان من جديد على مهل ، وشعرت منذ الصفحات الأولى أنني أمام نمط جديد من الكتابة ، وكان اقتنتاعي بذلك يزداد كلما أوغلت مع الشاعر في رحلته الجميلة . 

هذه الجدة التي أتحدث عنها تتمثل في ثلاثة أمور : الأمر الأول هو تحقق أدبية النص الشعري ، بلغتة المشرقة الفواحة المجنحة. والأمر الثاني هو تحقق الرسالية ، بأداة فنية ، بعيدة عن الصيغ المباشرة والتعابير التقريرية ، مما يجعل الرسالة مضمونة النتائج في الوصول إلى المتلقي . وأما الأمر الثالث فهو التعامل الإيجابي والذكي مع المرجعية الإسلامية ، مما يجعل هذه النصوص منارات في الطريق التي بشر بها الأستاذ محمد قطب : كيف نميز في النص الأدبي الإسلامي ، بين بسط الحقائق الدينية والعقدية بسطا هو أقرب إلى الخطاب الفكري أو الفلسفي ، وبين التغلغل الشفاف بروح الدين وجوهره إلى النفوس ، دونما جلبة ولا ضوضاء . ولولا أن الإفتتاحية لا تحتمل التفصيل لأطلت الوقوف مع الديوان باسطا قضاياه الفنية ورؤيته الفكرية، ولكنني ألم إلمامة عجلى ببعض ذلك.

يصدر الشاعر علي منصور عمله هذا بما يلي :

" أثقل ما يوضع في الميزان حسن الخلق " حديث شريف .

" من يفعل الفاحشة فغن المرفأ يفلت منه " إمنموبي .

وهذا التصدير له دلالة واضحة في عمل أدبي ، فكأن الشاعر يرمي إلى تصحيح المعادلةالقائمة بين الأدب والخلق. فكثير من الناس يريد الفصل بين الأمرين ، بل إن منهم من يرى أنهما في خصومة دائمة ، لأنهما على طرفي نقيض نحتى إن ناقدا غربيا ذهب إلى أن كل ماهو خلقي هو مناقض للأدب بالطبع .

ومعلوم أن كلمة " أدب " في تراثنا ظلت مشتملة على العنصرين معا = الفني والخلقي .

وكأن الشاعر يرفع التحدي ، مبينا أن الأدب الرفيع قادر على أن يتحقق في غير صدام مع حسن الخلق ، بل في توافق تام بين العنصرين ، وكأن الخلق الحسن مما يزيد الشعر حسنا ، وإن كان ـ وحده ـ لا يحقق الشعر الجيد .

ويتضمد الديوان ست قصائد ، أربع منها سبق نشرها في جريدة ( أخبار الأدب ) ، واقف وقفة قصيرة مع القصيدة الأولى التي جعلها الشاعر عنوانا لمجموعته : " عشر نجمات لمساء وحيد " ، وقد جاءت في عشرة مقاطع  ، فكأن كل مقطع يمثل نجمة من النجمات العشر ، مع لفت الإنتباه إلى جمع الشاعر لنجمة على نجمات بدلا من نجوم .

يخاطب الشاعر قارئه بأسلوب جميل قادر على على أن يمس أحاسيسه ، إلا أنه يعتمد على ذكاء الشاعر وثقافته للوقوف على معنى المعنى ، أو المعاني الثواني ، بتعبير عبد القاهر ، فهو في النجمة الثانية يقول :

" للآن ../ لم يأخذك الله بذنبك / أيها الغافل الكبير " ص 11

والقارئ قد يقتنع بالمعنى القريب ، دون استحضار النصوص التي يتوكا عليها الشاعر في صياغة معناه ، فلا يعنيه شيء أكثر من أن الله تعالى حليم عليم . بيد أن القارئ الذي يغريه حب المغامرة، يقف عند التعبير مثلما يقف عند الدلالة ، مثلما يقف عند الدلالة ، فأخذ الله العبد بالذنب تعبير قرآني يتكرر في آيات القرآن الكريم ، مثل قوله تعالى في سورة الحج : "فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير" وفي سورة العنكبوت "فكلا أخذنا بذنبه" وفي آل عمران "فأخذهم الله بذنوبهم" ، وكان بوسع الشاعر مثلا أن يستعمل فعلا آخر مثل " لم يعاقبك الله بذنبك" لولا أنه آثر التعبير القرآني .

وأما المعنى الذي أراد الشاعر إبلاغه فهو " الإمهال " و " الإملاء " ، بالمصطلح القرآني ، وهو حبل يمد للمجرمن ، وهم في غفلة ، ولكن استعمال الشاعر للفظ ( الغافل الكبير ) ، الذي قد يراد به الشاعر نفسه ، إنما هو استعمال يفتح باب الرجاء ، لأن الغافل إذا ذكر تذكر ، وتنبه من غفلته ونجا ، وذلك من رحمة الله تعالى على عباده . وفي النجمة الثالثة ، يستثمر الشاعر بذكاء صفات (عباد الرحمن) كما جاءت في سورة القرآن ، دونما جلبة ، وهو يفتتحها بقوله :

" ممكن جدا / أن نمشي على الأرض هونا / أن نستغرق قليلا / في رعاية النباتات الشريدة / بين البنايات / ......../ ويمكن / ألا نغضب من جاهلين "  ص 12 ـ 13

والمقطع كله يستلهم هذه الروح ، ونحن نستحضر بعضا من تلك الصفات في قوله تعالى "الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما" . فقد استثمر الشاعر أول الآية في بناء أول نجمته الثالثة ، وأخر الآية في بناء آخر النجمة . وحين نقرأ من النجمة الرابعة هذا المقطع :

" هكذا نفسح للسكينة / وأبناء السبيل / ونعرف أن المسألة كلها / حقيقة / ليست سوى لعب ولهو / وأن .. / الباقيات الصالحات خيرعند ربنا أملا / وخير مردا "

يستمر التعبير الفني الجميل ، حين نفسح للسكينة وأبناء السبيل ، وكأن العناية بأبناء السبيل وجه من أوجه الطريق إلى السكينة ن ثم تطل علينا ، من وراء التعابير ، أحاديث نبوية شريفة ، وىيات قرآنية كريمة ، يستعمل كلها في سياق إيجابي فعال ، منها قوله تعالى في سورة الأنعام "وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو " ، والجمع بين قوله تعالى في سورة مريم " والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا " وقوله تعالى في سورة الكهف " والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا" .

وفي النجمة الثامنة يصور الصراع بين النور والظلمة ، أو بين الخطيئة والتوبة ، تصويرا جميلا موفقا ، مشخصا آية من آيات الله تعالى تشخيصا ، فيقول :

" هزمت شيطانا منذ قليل / كان ضاريا / وكنت على وشك الإنزلاق / أمام ضراعة غامرة في عينين ساحرتين / كنت على وشك الإنزلاق / فاحتميت بآية .../ تشبثت في .. (ولم يصروا على مافعلوا وهم يعلمون) / وانتصرت / منذ قليل انتصرت / من يرني الآن سوف يشهق : / هذا الجميل ../ كأنما لم يذق ـ مرة ـ / طعم الكمد "

ويأتي الحديث الشريف ، المتعلق بما يؤول إليه المؤمن في الجنة من نعيم ينسى معه كل ما مر به في الدنيا من كمد ، ومن ذلك الكمد صبره عن الشهوات ، وحاربة الهوى ، وتعلقه بما عند الله ، إذ حفت الجنة بالمكاره.

وعند هذا الحد ، تذكرت عجلة أولئك الذين حكموا على الشاعر ، وهم يستمعون إلى بعض مقاطع يلقيها الأستاذ عبد المنعم عواد ، بأنه استثمر النصوص المقدسة بطريقة مغرضة ، وترحمت على واصل بن عطاء الذي قال : إياه والرأى الفطير .


                                            


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة