الرئيسية » » في النفَق… في العظْمة | وديع سعادة

في النفَق… في العظْمة | وديع سعادة

Written By علي المضوني on الثلاثاء، 15 أكتوبر 2019 | 3:41 م

في النفَق… في العظْمة


قريبًا ينتهي الوقت.
الرياح تقترب من الجدار الهائل. وهناك ستكبو.
عبرتْ سريعًا وانتهى السباق. الرياح أخيرًا سترتاح.
تفتَّق الوقت. لم يعد معلَّقًا إلا بقطبة. أنتظرُ تدلّيه، سقوطه ارتطامًا على الأرض!

تبدأ الحياة في اليوم الأخير.
الأيام كثيرة، لكن الحياة قليلة. تتأجَّل من يوم إلى يوم. وحين لا يبقى غيرُ يوم تتدفق كلها إليه علَّها تحيا فيه… وهكذا تبدأ الحياة، فقط حين انتهائها.
ولذلك، لن تعاش الحياة أبدًا!
لديَّ نهارٌ واحد بعد، ماذا أفعل؟ أبدأ الحياة؟ وبأيّ شيء أبدأها هذه الحياة؟ مع مَن؟ كيف؟ بأيّ فعل و أيّ كلام؟
وإذا صدَفَ أن التقيتُ أحدًا ماذا أقول له؟
الآن أبدأ بك حياتي؟ وإذا قلتُ و استجاب، كيف أعيش حياةً أودّعها؟ كيف أحيا موت الحياة؟!
استيقظتُ باكرًا جدًا. على الراحلين أن يستيقظوا باكرًا جدًا ليملأوا نهاراتهم. عليهم، على الأقل، أن يروا الفجر قبل أن يذهبوا.
في فضاء هذه الغرفة نثارُ بشرٍ عاشوا قبل آلاف السنين، أودّعهم، وأصير مثلهم نثارًا.
أودّع نبضَ الكواكب الذي وصل إليَّ عبْر التيه الفضائي، من مجرَّات بعيدة. الوشوشات الكونيّة، غبارَ النجوم، الهواءَ المولود من ملايين السنين، القاطعَ بصمت فضاءً هائلاً ليصل إليَّ.
أودّع شهقات البراكين، رذاذَ المستنقعات البعيدة. الصورَ الكراسي المرايا الساعات، عيونَ أطفالي، أحذيتَهم المرميّة كيفما كان على البلاط.
أودّع الأمواج التي تخترق جسدي، الذبذبات الآتية من أقدم مكان، من الارتطام العظيم!
هل كان عليَّ أن أرتطم بنفسي كلَّ هذا الوقت، ويرتطمَ كلُّ شيء بي، لكي أصير في النهاية فريسة صامتة؟ ألم يكن في وسعي، من زمان، أن أخفّف عن هذا العالم الضاجّ، صوتًا؟
الكون، يجب أن يرتاح. على الأصوات كلّها أن تصمت.
آه، الهدوء!
لن أستطيع وصف نهار، لن أستطيع وصف شيء. الكلام خيانة.
في النهار الأخير لا يتكلّمون. فقط يصمتون و يغادرون.
تلك السهوب كانت صامتة أيضًا. وكنا، مع تململ ترابها تحت الشمس و الرياح، الصوتَ الوحيد.
غير أننا، بتلك الحركة الرتيبة في هدأة الموت، اقتنصنا أسرارًا من العظام.
كيف كان لنا، نحن البسطاء المرميين في أشداق المتاهات، أن نخترع أماكن تحمينا؟ كيف كان لنا أن نستمرَّ إلى اليوم!
لم نكن من جنس الخلود. لكنَّ عظامَ ماشية وأعوادًا يابسة أنقذتنا.
ليست الحياة من كان يحمينا، بل الموت.
مزجنا ولاداتنا بالعشب. وتحت تلك السنابل النحيلة تفيأت أرضنا.
لم نرتد ملابس وحلى وقلاَّدات. لكنَّ أنفاسنا كانت ثيابنا وزينتنا. كنا عراة. والحطب المنبثق من لهاثنا أدفأنا… كان لهاثًا يابسًا، لذلك كان قابلاً للاشتعال.
وتحت النار كانت لنا احتفالات. نفرد لها، في مسامنا، مقاعدَ للضيوف.
الحياة كانت تحت جلودنا، لا في الخارج. وهكذا عشنا الحياة في مكمنها السرّي، في العتمة، في الرحم قبل أن تولد.
احتفالاتنا كانت تقام في العروق لا في الساحات. بيوتنا في خيال المكان. قوافلنا في الرأس لا على الدروب…
عشنا عدم الولادة: طفولتنا كانت هناك، وشبابنا وشيخوختنا. وتقابلنا مع الحياة مرةً واحدة، أمام باب الموت.

كان أبي في الحرب يبحث في البراري عن عظْمة، ليطحنها بحجر ويسدَّ جوعه. من نسل تلك العظام المطحونة خرج أطفال، كنتُ واحدًا منهم. كنتُ ابن عظْمة مطحونة.
في العظْمة، ينفتح الآن نَفَق، فيه برارٍ وحيوانات، وفيه أبي يمشي من جديد، في البراري.
يمشي، وأنا معه يدًا بيد، نبحث عن عظْمة.
نمشي في قلب عظْمة، ونبحث عن عظْمة. وحين رأيناها أخيرًا، كنا صرنا بعيدَين.
… كنا صرنا عظْمتين، فيهما نَفَق، وناسٌ يبحثون عن عظام.
مشيتُ في نفق العظْمة. وضعني أبي في النقطة التي لا تُرى في التلافيف، في غبرة الفراغ، الأمِّ الأولى لحياة العظام.
أدير رأسي الآن وأنظر: إلى الضائعين في نخاع العظام، إلى الواقفين على أرصفتها، إلى المادّين أيديهم لاستعطاء مخرج، إلى الموتى بكهرباء الروح، إلى الباحثين عن حجر ليطحنوا عظْمتهم ويأكلوها، إلى الداخلين لتوّهم… ولا يعرفون ماذا يفعلون.
أدير رأسي و أنظر: حين رميتُ نخاعَ العظام فتحتُ معبري. كان الفراغ هو الطريق. كان الفراغ هو الحجر.

طفلتي تنام قربي. لن أودّعها. سأذهب إلى الموت كأني خارجٌ لأجلب لها حلوى. سأذهب إلى الموت كأني ذاهب إلى دكَّان.
كنت صغيرًا حين وصلتُ على ذراعي أبي إلى حانوت.
دخل وقال: هذا ابني اعطوه حلوى… ولعبتُ كلَّ ذاك النهار، في قلبِ قطعة سُكَّر.
لكن لماذا أستعيد طفولتي كالداخل إلى الحياة وأنا الخارج منها؟ وما جدوى استدعائها ولا مكان حتى لطَيف؟ كل الشعوب، حتى التي انقرضت، تقيم هنا. أحدّقُ في النافذة، علَّهم يمشون على نظرتي ويخرجون… شرايين الغرفة يجب أن تستريح!
الذين خرجوا، على الجدران كسورُ عيونهم. والذين بقوا، يعلّقون خرافَ أنفاسهم ويأكلون… سأمشي على نظرتي، إلى النافذة، وأختفي.

تلك الأيام، التي ذهبت الآن، لم تكن غيرَ تمرينٍ على دخول الحياة. الحياة ليست سوى تمرينِ دخولٍ إليها. غير أنها تنتهي هناك، ولا ندخل.
لا نعيش إلاَّ التمرُّن على العيش. نحيا، فقط، في قَبْل الولادة. في الشرايين التي لم تتشكّل بعد. في الوجه الذي بلا ملامح. داخل هلامية الأمعاء وظلامها. نعيش على الحدّ، بين التكوُّن والعدم. على الباب. وحين نهمُّ بالخروج نتشظَّى، كجرم، في المتاهة.
لذلك لا أتحدَّث الآن عن حياة. لا أصف ولادةً بل عدمَها. لا أكتب عن ضوء بل عن عتمة. لا أتذكَّر ما كان، بل ما كان يُفترض أن يكون… الافتراض، هذا ربما، على الأرجح، ما نسمّيه حياتنا.
… واليقين الوحيد، على الأرجح، وداعها.
لحظات قليلة، ويكون لي اليقين الأول!
سأقيم احتفال العروق. أستقبل المنبثقين فجأة في التيه، وأرقص معهم.
ثم أعود إلى العظْمة. إلى سرّ أبي. إلى النفق. أرمي الأحشاء. أبتسم… وأمضي.
التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.