الرئيسية » , » آسفون.. آسفون أشد الأسف | كريم عبد السلام

آسفون.. آسفون أشد الأسف | كريم عبد السلام

Written By هشام الصباحي on الجمعة، 2 أغسطس 2019 | 5:41 ص



اللوحة للفنان حسين جمعان

اسكتوا
اسكتوا قليلا
توقفوا عن الضجيج والصراخ والشكوى
عن الأكل والشراب والنواح
عن الكلام والاستعراض والتباهي
نريد أن نعترف
نريد أن نواجه المجرة
والكوكب
والقارة
والبلد
والقرية
وأن نقول ونحن منكّسو الرؤوس
مكسورو النظر والخاطر
نحن آسفون
آسفون أشد الأسف
على وجودنا
على بقائنا
على تنفسنا
على حركتنا العشوائية
على ضعفنا وغفلتنا ونسياننا
آسفون على ما نحن عليه
وما لسنا عليه
على ما ارتكبناه، أو مسجل في الغيب أننا سنرتكبه
وآسفون على ما لن نرتكبه من خطايا.
أنت أيها الفلاح النائم تحت شجرته،
يحلم أن حقله نجا من الجفاف، قبل أن يستيقظ على الكارثة
اسكتْ واحتمل ألمك
واسكتي، أيتها المرأة التي ستقتل ابنتها خنقاً لمجرد شائعة
اسكتْ أيها المعلم الذي كفر بالتاريخ والجغرافيا
وأنت أيها التلميذ الذي يحفظ وينسى
اسكتْ أيضا
نعم ، حانت لحظة المصارحة
حانت لحظة الحقيقة
آسفون يا هواء
آسفون يا شمس
آسفون يا تراب الحديقة
آسفون يا ملوك
يا رؤساء منتخبون وغير منتخبين
يا خفراء وشرطيون ولواءات
يا كائنات أرضية وفضائية
يا موظفي المبنى الذين أحرقوا الوثائق
يا وحوش الغابة وغزلانها وأشجارها المعمرة
يا نمالَ الأرض وبعوضها وفراشاتها
ويا أحجارَ البلد المقدسة حجراً حجراً
آسفون
آسفون أشد الأسف
على وجودنا واستمرارنا حتى لحظة المصارحة.
لديهم كل الحق، من تصفونهم بالطغاة
من تسمونهم الجلادين،
في إنزال أشد العقوبات بنا
في قصفنا وإبادتنا ومحو آثارنا
نحن سيئون
نحن سيئون فعلا
شهود عيان رأونا وأقروا بأننا سيئون
الخبراء الأجانب أكدوا أننا لا نصلح لشيء
حكماء الكوكب هزوا رءوسهم وقالوا: نعم ، ميؤوسٌ منهم
كائنات المجرة اعتبرتنا هلاما أو ترابا
وكذا مخلوقات المجرات المجاورة
لذا، حق علينا أن نتوقف عن المكابرة
وأن نعترف:
بأننا سيئون إلى آخر المدى
وأننا آسفون
شدّ ما نحن آسفون
آسفون و خجلون
آسفون ومحطمون
آسفون ومهانون
آسفون ونادمون
أيتها الكائنات الطيبة في المجرة والكوكب والقارة والبلد والقرية
نعدكم جميعا،
فرداً فرداً
حارساً حارساً
طاغيةً طاغية
جلاداً جلاداً
وحشاً وحشاً
حشرةً حشرة
لن نكرر وجودنا في هذه الحياة
أو في أيّ حياة أخرى
لولا أن قتل النفس حرام،
لولا أن قتل النفس يضيف إلى جبال آثامنا آثاما جديدة
لقتلنا أنفسنا فوراً
حتى نكفّر عن وجودنا
حتى نثبت أسفنا وتوبتنا وندمنا
نعدكم جميعا
فرداً فرداً
حارساً حارساً
طاغيةً طاغية
جلاداً جلاداً
وحشاً وحشاً
حشرةً حشرة
أن نقضى أيامنا على الأرض، مثل الشوارع المحفورة
نقصف أعمارنا بالتبغ الرخيص حتى السرطان، ونمضى
ننتحر بالكحول المغشوش حتى الفشل الكلوي، ونمضى
نتعذب بالحشيش الفاسد حتى الجنون، ونمضى
ولن ننسى ونحن ماضون إلى قبورنا
أن نكتب على الهواء بدمائنا ودموعنا
نحن آسفون
آسفون أشد الأسف.
شاعر من مصر




المصدر مجلة الجديد




التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.