الرئيسية » , , , , , » إلى مدينة فاس، بُغية السكينة الروحية ومعرفة أسرار الخلق | عماد الدين موسى

إلى مدينة فاس، بُغية السكينة الروحية ومعرفة أسرار الخلق | عماد الدين موسى

Written By هشام الصباحي on الثلاثاء، 9 يوليو 2019 | 2:05 م



يعترف الكاتب الألماني شتيفان فايدنر، أن رحلته إلى المغرب، تحديداً إلى مدينة فاس، لم تكن مجرّد رحلة عادية، حدثتْ له في حياته، إنما كانتْ رحلة الكشف والانطلاق بحقّ، بل ومسباره إلى العالم كلّه، المادي والروحي. ولعلّ ما يقصده هنا، في رحلته هذه، هو العالم الروحي الصرف، والذي يتعرف من خلاله الإنسان على أسرار الوجود، يحاول سبر أغوارها؛ مثلما فعل الكثير من الشرقيين والغربيين الذين لم يألوا جهداّ في سبيل ذلك.

وعلى الرغم من أننا قرأنا، واطلعنا على ذلك العالم الصرف، والحياة الروحية لأغلب المذاهب والتيارات الدينية، إلا أننا قلما نجد من يحاول أن يكون هواه وميله إلى الطرفين معاً، ويحاول أن يضعهما في بوتقة واحدة، ويجمعهما في قلبه، ليذوب الشرق والغرب، وينتهي الخط الفاصل بينهما، فيمتزجان في كلّ واحد، ويصبحان هوى عاماً، وهوساً، وعشقاً خالصاً، حيث تتماهى الإنسانية بكافة مذاهبها وتياراتها في مكان واحد، هو قلب الصوفي العاشق للدنيا والوجود بأكملها.

في كتابه "فاس، الطواف سبعاً"، الصادر حديثاً عن دار السويدي ومنشورات المتوسط (2019، ترجمة عن الألمانية: كاميران حوج)، والذي جاء على شكل يوميّات ويندرج تحت بند "أدب الرحلة"، يتناول شتيفان فايدنر زيارته إلى مدينة فاس المغربيّة، التي تحدث عنها بقوله: "شيئاً فشيئاً اتضح أن زيارة فاس، العاصمة القديمة للمغرب، والملاذ الآمن لأجيال عديدة من العرب الفارين من إسبانيا، كانت أجمل وأهم ما في ذلك الملتقى. لم تكن مجرد زيارة عادية لمدينة؛ بل
مواجهة مباشرة مع الآخر المختلف كليّاً".


يتطرّق شتيفان فايدنر (مواليد 1967) في رحلته هذه، إلى الحديث عن العديد من الشخصيات المعروفة في التاريخ الغربي والإسلامي، والذين كانت لهم إسهامات كثيرة وكبيرة في المجتمعات عبر مختلف العصور، وتركوا بصمة واضحة في الحياة.
فاس هي المطاف الأول لشتيفان فايدنر، عبر دربِه نحو غايتِه، وهي الحصول على السكينة الروحية، والهدوء، والتنعم بمعرفة أسرار الخلق، وعندما تعرف الكاتب إلى ابن عربي الذي سكن فترة من الزمن في مدينة فاس، أراد أن يغوص في تفاصيلِ هذه المدينة.
إذاً، هي فاتحة الطريق نحو برزخ جديد، يشعر فيه المرء بالمساعدة، والدنوّ من الخلاص، والتمتع بلطائف النور، ونسيان كلّ ما من شانه أن ينغص عليه عيشه، وطمأنينته التي وجدها في معراجه، ورحلته تلك، والتي انطلق منها الكاتب، جاعلاً من مدينة فاس بوّابتها، حيث يبدأ الطواف، إلى الكثير من المدن المغربية، كما فعل الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي، والذي اتّخذه الكاتب نموذجاً لمعرفة تلك الأسرار، وكيفية حبّ الشرق والغرب معاً، ويوحّد هواه وعشقه لهما: "لذا أصاخ السمع أكثر أثناء سيره على دروب ابن عربي في فاس، قد علم طبعاً أن ابن عربي قضى فترة من عمره فيها، لكنه لم يتوقّع لنفسه زيارة الأماكن التي ترك فيها الأخير شيئاً من روحه".

يتطرّق شتيفان فايدنر (مواليد 1967) في رحلته هذه، إلى الحديث عن العديد من الشخصيات المعروفة في التاريخ الغربي والإسلامي، والذين كانت لهم إسهامات كثيرة وكبيرة في المجتمعات عبر مختلف العصور، وتركوا بصمة واضحة في الحياة.





ولم يقم بذلك إلا لأنه أراد أن يعطي صورة واضحة عن رغبته في تحقيق المحاولات التي يبذلها في التمازج بين الحضارات، وإلغاء الفوارق والأسباب التي تؤدي إلى التناحر، وقطع الصلات بين أيّ مجتمع من المجتمعات، إذ أنه انطلاقاً من رسالته في الحياة أولاً، والجهود التي بذلها ثانياً في سبيل هذه الرسالة، ألّف العديد من المؤلفات التي تعبر عن رغبته في ذلك، وتجسّد موقفه من الحضارات، ويرى بأن كلّ واحدة أضافت إلى الأخرى، فلا يوجد أيّ فرق بينها، وأسهمت جميعها في بناء التاريخ البشري، والتطوّر العلمي في شتى ميادين الحياة.

ومن هؤلاء الذين ذكرهم الكاتب من أغلب دول العالم، وأغنوا بمعرفتهم وعلمهم، البشرية بالكثير: ابن خلدون- دانتي- نيتشه- ابن عربي- بودلير- رامبو- مالاراميه- أبو تمّام- دو سوسير- موريس بلانشو- نزار قباني- الغزالي- مارتن لوثر- هايدغر- جاك دريدا. وكما يخصّص بعض الصفحات للحديث عن بعضهم، وعلى الأخص عالم الاجتماع (ابن خلدون) وشاعر التصوّف وعالمه الكبير (محيي الدين بن عربي).




المصدر رصيف 22 في الثلاثاء 2 يوليو 2019

التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.