الرئيسية » , , , , » مازن المعموري: الشاعر جسد مفخخ والقصيدة خبر والجمهور سجناء في معسكر | شريف الشافعي

مازن المعموري: الشاعر جسد مفخخ والقصيدة خبر والجمهور سجناء في معسكر | شريف الشافعي

Written By هشام الصباحي on الخميس، 6 يونيو 2019 | 6:26 ص



مازن المعموري: الشاعر جسد مفخخ والقصيدة خبر والجمهور سجناء في معسكر
شريف الشافعي


الشاعر حضور جسدي قبل أن يكون لغوياً
وصلت أخيرا الشعرية العراقية، بثقة غير مسبوقة، إلى القصيدة العرض، التي تنتمي إلى الشعر الأدائي. وعلى الرغم من أن الشعر التقليدي العربي يعتبر من فنون الأداء، إلا أن التجربة التي نقدمها هنا لا تنتمي إليه إلا لغويا، فهي تستلهم طرائق أداء شعري شائعة في المجتمعات الأوروبية الحديثة؛ في أميركا أولا، ثم في فرنسا وأوروبا. مازن المعموري واحد من شعراء جماعة “ميليشيا الثقافة” العراقية التي تشكل حالة خاصة في المشهد الشعري العراقي الراهن. قصيدته، كما هو الحال بالنسبة إلى أقرانه، ذات طبيعة متمردة على اللغة والواقع معا، وهي تتيح لنا التأمل في حالة انعكاس للتفتت الاجتماعي والجغرافي والسياسي والثقافي العراقي، إنها تعبير فني عن حالة الخراب التي أصابت العراق خلال العقود الأخيرة.
في باريس، حيث معرض الكتاب الذي انعقد مؤخرا، وفي نانت حيث “بيت الشعر”، وتولوز وبريكو وسانت إتيان وليون وفي مدن فرنسية أخرى، قدّم الشاعر العراقي مازن المعموري قراءات حية وعروضا للأداء الشعري خلال الأيام القليلة الماضية، بعد فترة وجيزة من صدور الطبعة الفرنسية لمجموعته “جثة في بيت داكن” عن دار “لانسكين” بترجمة اللبناني أنطوان جوكي.

التقت “العرب” الشاعر مازن المعموري ليتحدث عن محطاته الإبداعية ونصوصه التفاعلية الأدائية ورؤيته لدور الكتابة في الواقع المجدب، وعلاقة الثقافة بالأيديولوجيا والسلطة، وغيرها من القضايا المثارة.

تشكل تجربة مازن المعموري، الشاعر والتشكيلي، حسب رأيه، فضاء مفتوحا للتأمل وأرضا خصبة للتجارب ومنصة لإطلاق صواريخ المقاومة وتثوير الوعي بالكلمات والتفاعل مع الآخر بهدف لفت الأنظار إلى مأساة العراق، حيث البشر “مساجين في معسكر كبير اسمه الوطن”.

“كيفَ تفعلُ الأيامُ كلَّ هذا التعب؟ تعبٌ لذيذٌ ذلك الذي يجعلُكَ تتحولُ إلى مغارةٍ للحياة، هكذا أقنعتُ نفسي وأنا أشعرُ بمنْ يحملني إلى مكبِّ النفاياتِ الأخير”. عبر مجموعاته الشعرية “كتاب الموتى” و”حُبّ مطلق” و”كائنات سرية” و”جثة في بيت داكن”، ينخرط الشاعر مازن المعموري (49 عاما) في الأحمر القاني، لون دمه وأرضه وسمائه، ولون الانفجارات الكائنة في كل مكان، إذ تبدو الجثث عبارات مفككة ومفخخة.



القصيدة الفاعلة

لم تعد القصيدة مجرد كلمات مكتوبة في تجربة المعموري، فهو واحد من مؤسسي جماعة “ميليشيا الثقافة” يؤمن بقدرة القصيدة على الفعل المباشر، والتحول إلى حركة تعبيرية واجتماعية ونضالية، ومسرح للأحداث والاشتعالات، من خلال تصدير الشاعر جسده وروحه في العروض الشعرية الحية في مناطق الخطر والدمار وحقول الألغام والخراب.

“أن تقول كلمة في الشعر أو حوله يعني أن تمسك كل خلية في جسدك، وتنثرها على العالم. من هنا أبدأ في مواجهة العنف والخراب في العراق، هكذا وجدت نفسي محاطا بالحروب منذ عام 1980 حتى الآن”. هكذا يقول مازن المعموري في حديثه لـ”العرب”، مشيرا إلى أنه لا يود أن يصبح مصلحا اجتماعيّا أو عالم نفس، فهو لا يحب الأعمال المنطقية، لكنه يترك ذاته لقصيدته التي تقوده إلى الاستثناء، فليس هناك أي منطق يقود الصراعات المتوالية في العراق، وفي منطقة الشرق الأوسط عموما.

يعيد مازن المعموري نقطة التحول في محطاته الشعرية إلى “مجزرة سبايكر” في العراق عام 2014، حيث راح ضحية الحدث الجلل أكثر من 3000 جندي وطالب من القوة الجوية العراقية على أيدي “داعش” قتلا بالرصاص ورميا في نهر دجلة، ففي هذه اللحظة شعر المعموري بأن الكلمات أصبحت خاوية.


“كان جسدي هو الحل”، يقول المعموري، حيث "ربطتُ وجهي وجسدي العاري بسلك، وقلت لصديقي: خذ الكاميرا وصوّرني. قرأتُ القصيدة دون أن أعرف أنني أطلق أصواتا فقط، وكان الانفعال هو ما يقودني لفعل شيء ما. كان الفيلم صدمة لكل من تابعه على صفحات الفيسبوك. صدمة مختلفة على مستوى الأداء والأسلوب. وهو ما جعلني أكتب مقالا بعنوان “من عطل اللغة إلى بلاغة الجسد”. الجسد هنا أصبح الكتابة ذاتها".

هذا الجسد الحي النابض، بإمكانه أن يمنح الخطاب قدرة أكبر على التواصل مع كل اللغات، وكل الأجساد، التي تتواصل مع الشاعر بالصورة والحركة “في الحربِ يختبئُ الجنودُ خلف ساقية دونَ أنْ يشعروا بأن الرصاصَ يؤلمُها، كنتُ أصرخُ كثيرا وأنا معلقٌ كإبرةٍ في ملقط. شاهدتُ الكثيرَ من القنابلِ تتفصدُ بجلدي دونَ أنْ تثقبهُ”.

لقد وضعت الحرب الطائفية شعراء العراق المعاصرين أمام مشكلة وجودية خطيرة، وهنا يشير مازن المعموري إلى دور الشاعر بقوله “كنتُ أعي حجم هذه المسؤولية التي أعيشها بصفتي شاعرا، مسؤولية أن أكون شاهدا على عصر وتحولات عنيفة من تاريخ العراق المعاصر، بل المنطقة كلها، في الوقت الذي يقف فيه الشعر العربي على عتبات التجريب اللغوي والشكلانية البعيدة عن التواصل مع المحيط”.



أداء تمثيلي

“نصنعُ النوافذَ لنرمي أوساخَنا. هلْ هذا كلُّ شيء؟!”. إن الشاعر العربي، كما يراه المعموري، لا يزال غائبا عن الوعي والتفاعل مع المحيط الاجتماعي منذ ستينات القرن الماضي، لأن “الأيديولوجيا القومية قد أغلقت الأفق تماما، وأصبحنا مجرد مساجين في معسكر كبير اسمه العراق أو سوريا، إلخ.”.

في مهرجان “أصوات حية” بمدينة سيت الفرنسية قرأ المعموري قصائد نالت اهتمام الجمهور عام 2017، وحظيت باستحسان الناشرة كاترين توغين، حيث تمّ التعاقد على ترجمة ونشر مجموعته “جثة في بيت داكن” عن دار لانسكين، وبموجب ذلك تمت دعوته مؤخرا لتوقيع الكتاب في المدن الفرنسية، وتقديم قراءات وعروض شعرية حية، كما صدر الديوان ذاته أيضا بالإنكليزية.

القصيدة الحركية التي يقدمها، المعموري يعتبرها صيغة مغايرة لما يمكن تسميته “العرض الشعري”، وهو مفهوم يتنافذ مع الأجناس الفنية الأخرى في مجال استخدامه لتقنيات الأداء، ويقول “لا أقصد هنا العرض المسرحي، فأنا لست ممثلا ولا أريد ذلك، لكن أعني الأداء بصفته مساحة للتفكير في بث الخطاب في ضوء ما أسميه بالشعر الحي. ذلك الاتجاه الذي يواجه الجمهور ويستدعي مرجعيات كل مشاهد في التفاعل مع ما يقدمه الشاعر من سيناريو آني وعفوي وانفعالي أحيانا أو مسبق”. ولكن هذا لا ينفي أن العرض الذي يقدمه الشاعر إنما ينحت نفسه من أداء تمثيلي بكل ما للكلمة من معنى. ولا يضير الشاعر هنا أنه يمثل بارتجال.

مع ذلك فإن التفاعل هنا يجعل المتلقي مشحونا بالسؤال “ما هذا؟ ماذا يريد؟ ماذا حصل؟”، ولأن السؤال هو باب المعرفة، فإن النص الشعري ينتقل هنا من الكتابة إلى الفعل، باعتباره أداء معاصرا يستفيد من وسائل الميديا، ويتمكن من نيل شيء من الحرية بعيدا عن سلطة النموذج الذي قدمه الرعيل الأول للحداثة العربية.










هكذا، يعتقد المعموري أن الشاعر بهذه الآلية يملك زمام الأمور لأول مرة دون قيد أو شرط، ليسهم في خلق نوع من تأثير مباشر على المجتمع، في ضوء التفاعل اليومي مع المحيط والحدث. ويقول مستطردا في حديثه لـ”العرب” إن المسألة الأخرى هي حضور الجسد بصفته كتابة أو أنه جوهر نصي يتكامل فيه الفعل والمشهد والكتابة على حد سواء. الجسد المقموع والغائب في ثقافتنا العربية يتخلى اليوم عن حجابه التاريخي وينشد الخلاص من مقدساته القديمة ليكون محورا بلاغيّا أكثر من اللغة ذاتها. إنه الانتقال من عطالة اللغة إلى بلاغة الجسد.

“الفوضى مكانٌ لا يعرفه أحدٌ غيري. أضع فيه ساحراتٍ صغيراتٍ بحجمِ العقلة، يعملنَ على تحويرِ أشلاءِ وخرقِ الموتى إلى قطعٍ من البلاستيكِ، وكراسي متنوعةٍ للجلوسِ عليها، قبالةَ شباكِ ساحةِ التحرير”. من حرية الأداء تنطلق قصيدة المعموري، لا يحدثنا عما يفعله في اللغة، لغة الشعر، ولا يقول لنا أن الشعر أولا وأخيرا لغة. ولكنه يقدّم الشعري على الشعر، ويعتبر الأداء تجربة جديدة. وفي رحلته الفرنسية يعتبر حركته حضورا بين مكانين وثقافتين مختلفتين، وذلك بالتشارك مع الشاعرة الفرنسية كاترين سير.

قرأ المعموري شعرا أدائيّا في السوق، في الوقت ذاته الذي قدمت فيه الشاعرة كاترين سير أداءها في إحدى ساحات مدينة ليون الفرنسية. عن ذلك يقول “استخدمنا الفيديو والصورة على صفحات الميديا ووسائل التواصل الاجتماعي، لقد حققت القصيدة في ثوبها المختلف نجاحا وفق ردود الأفعال المباشرة”.

مازن المعموري، شاعر متشابك مع اللحظات السوداء، يحمل القصيدة في كيس كبير لا ينفد معينه، ليس هو كيس الحلوى بطبيعة الحال، لكنه ذلك الممتلئ بالشظايا والملابس المحروقة والعظام وهواء الانفجارات الملوّث برائحة الـ”تي.أن.تي” (TNT).

العرب


الأربعاء 2019/03/27

التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.