الرئيسية » , » لماذا لا أحب الجنود؟ | براني موزيتش

لماذا لا أحب الجنود؟ | براني موزيتش

Written By هشام الصباحي on الجمعة، 21 يونيو 2019 | 3:24 م

لماذا لا أحب الجنود؟ لأنهم 
ينشرون ذريتهم في كل مكان، لأنهم يقتلون الأطفال. 
أتذكر الصورة التي يلبس فيها أبي بزته العسكرية. 
الصور الأخرى اختفت من ذاكرتي
لا أعرف أين اختفى أبي. في أيّ مكان.
لا أذكر أنه ضربني في يوم من الأيام. أو أخافني 
في الثكنة، كنا نتمشى هنا وهناك طيلة النهار. 
وكنا نلمع أحذيتنا ألف مرة في اليوم
دون سبب. الجنود يدافعون دوماً عن السلام. إنهم مثل الشرطة
يسهرون على أمننا. كلّهم يتشابهون بشكل من الأشكال في بزاتهم الرسمية. وهذا يزعجني كثيراً.
أتخيّل دوماً هذه الرؤوس فارغة تعمل وفق السيناريو نفسه
ما يقلقني هو أن أغلب الناس تلبس البزات العسكرية أو تقريباً
وعندما طلبت منّي ذات يوم أن أرتدي إحداها 
لم لأدرك أنك تريد أن تغسل دماغي
وعندما قلت لي لاحقاً أنك وجدت نفسك بالصدفة شرطياًـ
فهمتك.
عندما كنت طفلاً لم أكن أجيد أدوار الهنود الحمر ورعاة البقر.
في الحقيقة، لم أكن أفهم فيها شيئاً.


■■■


هذه الأيام ستقرر الدول إعلان الحرب
أو السلم. المتحمسون يهجمون لأول مرة. يقفون في صفوف طويلة
ويضعون بطاقات التصويت في صناديق الاقتراع. الآخرون، محدودبون 
في بيوتهم القصديرية، لا يفهمون ولم يفهموا أبداً لماذا يحيون. وأنا 
واقف كالغبي أمام حياتي، أستنتج كم هي بئيسة. ولا تستحق الذكر.
ألزم الصمت. كل هذه الكتب، هذه الكلمات المنطوقة 
التي ضاعت في رأسي 
أجهل كل شيء الآن.
أعرف فقط أنني أفضل أن أختفي. 
أمام هذا العبث، تأتيني فكرة، أقف أمام حياتي، أستدير وألقي بنفسي إلى الخارج
أمشي في المدينة، أتجوّل في المحلات التجارية وأنا أتكلم بلا انقطاع
وهكذا يصبح العبث مضحكاً ومزاجي رائقاً
ألعب بالكلمات، بالمعاني، لم تعد ثمة 
أشياء حتمية، تراجيدية أو حاسمة. 
حتى قرار الحرب هذا، الإيمان أو الحب، أي كل هذا يطير من قلبي
كل هذا يتنمل تحت أقدامي وأنا أبتسم متحرراً من القدر
من حياتي البئيسة الجالسة وحيدة في مكان ما من هذه الغرفة 
وهي تجتر، تجتر


■■■


عزيزتي آنّا، يوبيانا مدينة الكوابيس
إن أوّل فكرة تتبادر إلى ذهنك في هذه المدينة هي أن تمزّق شرايينك،
أو تشنق نفسك بحبل، أو تقفز من أعلى ناطحة سحاب. ربّما أحتاج 
أن أكون مخموراً أو مخدّراً لأستطيع البقاء على قيد الحياة؟ الأصدقاء
ليسوا أصدقاء، والمعارف ليسوا معارف، والعشّاق ليسوا عشّاقاً،
والأم ليست أمّاً، والأب ليس أباً، والمرأة ليست امرأة، والأرض 
ليست أرضاً، العالم يحلّق فوق خواء لا ينتهي، الأشباح، والأرواح،
والجنّ، والماء ليس ماء، والهواء ليس هواء، والنار ليست ناراً، 
عزيزتي أنّا مدينتك مدينة يوم القيامة، بدون أمل تحتضر، إنها عذاب 
الشيطان، مغص في البطن، إنها جماع كل القوى الشّريرة التي ترغب 
في أن نصير أغبياء ومعطوبي حرب. يوبيانا،
أفعى تبتلع جسدك رويداً رويداً
وببرود حتّى تختنق وتعجز عن التخلص منها،
تتبعك في كلّ مكان، تتلوّى وراءك، ملوّنة و"مسالمة".
آه، اذهبي إلى الجحيم، اغرقي في مائك العكر، عودي إلى
وحلك، وخلّصينا منك إلى الأبد.


■■■


أسمع الناس حولي ويبقى بصري معلّقاً
إنهم لا يتعبون من الكلام، كم هم مثقّفون وثرثارون وعلماء،
هذا الرجل بسرواله الممزّق يشرح تزيّد المدينة المعقّد بالماء
امرأة بدينة جنبي تتحدّث عن الاستنزاف الممنهج لأفريقيا.
وآخر ينظّر لدور جديد لممثل نكرة في شريط سينمائي لا أتذكّر عنوانه
سيعرض قريباً في القاعات السينمائية.
وبما أنني أجهل كلّ هذا،
فلا يمكنني إلا أن أخجل من نفسي. 
أحد معارفي يجلس قربي ويسألني فجأة عن موقفي 
من أزمة الشرق الأوسط. ألزم الصمت. لكن كان عليّ
أن أخمّن أنه هو الذي يرغب في الكلام. أغمغم 
أنا وهو يخفي متعته. 
وعوض أن ندخل في نقاش ممتع ورائع لتبادل الآراء،
ووجهات النظر، أحدّق ببلاهة أمامي، وأتمنى أن يتوقف
عن سؤالي. أفتح مجلة وأبحث فيها عن صفحة الإعلانات. 
كأنّ الأمر مستعجل. 
"لو أستطيع أن أنشر إعلاناً"، أقول لنفسي، رغم
أنني الآن خائف من الموضوع الجديد الذي قد يطرح للمناقشة.
أرى البطاقة التي ينبغي عليّ ملؤها فترتعد فرائصي:
فيلمي المفضّل، كتابي المفضّل، خمسة أشياء أحبّ
أخذها معي إلى جزيرة بعيدة، ما هي أوصاف شريك حياتي،
ويا للمصيبة، لماذا أعتبر نفسي أهلاً للشهرة؟
لا أعرف بماذا أجيب، كأنني لم أفكّر في كلّ هذا في يوم من الأيّام.


* شاعر سلوفيني من مواليد 1958. 
** ترجمة: جلال الحكماوي


المصدر العربي الجديد في 17 يونيو 2019


التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.