شعرية وديع سعادة | محمد عيد إبراهيم

Written By موقع يوم الغضب on الأحد، 3 مارس 2019 | 12:14 م

شعرية وديع سعادة 
محمد عيد إبراهيم


في منتصف التسعينيات، بدأ نجم وديع سعادة يبزغ بيننا، نحن شعراء السبعينيات، بحيث بدت شاعرية مختلفة عما ألفناه من الكبار وقتها: أنسي الحاج، أدونيس، سعدي يوسف، وغيرهم. جملة بسيطة، لكن مشحونة بالشاعرية، عالم شبه محسوس نراه على جلدنا الشعري يشق طريقه إلى قلوبنا، باسمٍ أصلاً كأنه مجاز غريب: الوديع مرتبطاً بالسعادة، وهكذا رحنا نستقبل كلماته الهشة الباشّة الخفيفة، مثل (حين تمطر السماء/ يخرج الموتى ليشربوا)، أو (تتنفس الأحجار/ في الحجر روح/ عشبة تريد أن تنبت)، أو (يد عالقة في جسد/ عليه أن يلحق بها/ ولا يعرف أين تذهب). 
أهم ما يميز وديع سعادة سرده الشفاف، كروح لا رابط لها، يأخذك إلى عوالم مستجدة لم نعهدها في الشعر من قبله، شعرية على الهامش، تملك عليك نفسك، فتهيم بها أو معها إلى فضاء آخر موازٍ لما نحياه، وإن كان واقعياً، لكنها واقعية أخرى، واقعية لغة هائمة لا مستقرّ لها، لغة تحمل كائنات نحيلة في مشاهد نحيلة، لكأنه يطابق أو يتناص مع كائنات جياكوميتي، يقول (نائم على الرصيف يفتح عينيه/ بين حين وآخر/ ألم نغرق في النوم معاً/ ينظر إليّ/ ثم يعود إلى النوم)، كذلك (في دمه طوفان/ يبحث في عروقه عن خشب/ كي يبني سفينة). 
في سرديات وديع سعادة، ثمة حكي عليك أن تملأه، حكي ناقص، حكي مليء مع أنه ناقص، حكي ثقيل مع أنه خفيف شفيف، حكي يقول لك تعال وانظر، ثمة عالم علويّ وإن كانت ملامسه أرضية، ملامسه لا تلمس الأرض، بل ثمة هواء عارٍ بين النص ومتلقيه، بين النصّ والفضاء الذي يسبح فيه، بين النصّ وكلماته، كلماته التي بلا مجاز تقريباً، أو هو المجاز/ المشهد، المجاز السابح في مشهدية غائمة، مشهدية لا أثر واقعياً لها إلا كوقع الحافر على الحافر، كما قيل قديماً، أو لكأنه ماء من أثر الماء، ماء لا قوام له، ماء إلى حصان العائلة، كعنوان أحد دواوين شوقي أبي شقرا، مع أن أبي شقرا يكتب على النقيض من وديع طبعاً، كذلك أنسي الحاج، إذ تقع اللغة موقع الصنم في الكتابة، بدرجات متباينة بين أحدهما والآخر، لكن وديع يكتب بسردية أخرى، سردية غائمة فائحة بفضاء ضمن فضاء، نقيض سردية أبي شقرا الغرائبية أو لعب أنسي الحاج باللغة كمن يبتكر اللغة. 
وديع سعادة يسبح في الصوت، لكنه لا يبتكر صوتاً، ينظر في الغيوم ولا تمطر معه، يأخذ (الحطب في نزهةٍ/ يريد أن يشرب)، على باب قلبه الذي (خلّعته الرياح/ لا يجد أحداً)، مع أنه ينتظر طويلاً، لا يرقب من انتظاره (غودو)، بل نراه هو نفسه (غودو)، الذي ينتظر نفسه أن تتحقق، أو ينتظر العبور إلى الموت، كي (يحيي العابرين)، وديع شِعره مثل اسمه، وكلّ امرئ له من اسمه نصيب، كما ورد في الحديث الشريف، مع أن لقبه لا يوحي بالسعادة، فالودعاء لا يرثون الأرض، كما أكّد أمل دنقل على النقيض مرة (الودعاء الطيبون يرثون الأرض في نهاية المدى)، كما أن وديع لا أحد يفتح له، فقد شاخ الآخرون، وضجروا، يطرق الباب، وحين يدخل، يطرق من الجهة الأخرى، كأنه مولانا جلال الدين الرومي، ومن هنا نرى تقشف وديع حتى في صوفيته، لا لغة يستند إليها في الإبهار، بل سرد بمسافات كلها عيون، حيث يصبح عصفوراً، ثم (ينزع ريشه/ ليصير النسيم)، وكلمة (النسيم) شبيهة بعوالمه، لا محسوس ولا 
ملموس، هو الذي بين الرأس والأرض، يتبع الدخان.




المصدر مجلة تراث

التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.