الرئيسية » » ساقْ اصطناعيَّة | جوان تتر

ساقْ اصطناعيَّة | جوان تتر

Written By Hesham Alsabahi on الأحد، 16 ديسمبر 2018 | 11:27 ص

ساقْ اصطناعيَّة

خشيةُ الضوء:

لن يكون بمقدوري أن أشرحَ لأشباهي أنّي قُتلتُ في الحرب، وأنَّ المشافي ممتلئةٌ بجثّتي الضخمة النازفةِ دماً تَوزّع في كلّ الأنحاء، ولن يكون بوسعيَ كذلك أن أشرح للطبيب الشرعيّ كيف يُسرِع في إشهار ميتَتَي الأبدية، فقط ربمّا أستطيعُ إقناعَ الآباء أن لا ينجبوا إلّا ولداً واحداً ينمو  بمفرده دون أن يضطرّ للذهاب إلى أطبّاء الأطفال.
مُذ صارت عيوني تخشى الضوءَ، بتُّ أرى الوجوهَ ضاحكةً خلالَ غَبَشٍ بالكادِ أبينهُ، أسيرُ بتؤدةٍ على ما بقيَ من أحلامٍ تأجّلت وبي خوفُ أن أتهاوى.
ساقٌ لا تؤلِم:
كنتُ أودُّ لو جرّبت أن لا أشعرَ بالألَمِ مثلك، يحملني أحدهُم كرضيعٍ على ظهره، يُجلِسَني على الكرسي المتحرِّك، وحينَ تحكّني ساقي المبتورةُ، أضحكُ من فكرة أن لا يدَ تستطيعُ حكّ الداخل وهرشهْ، فقط أحملقُ في الجدار كممسوسٍ.
وكي لا يظنُّ العجوزُ أنّي مُقعدٌ مثله، أحاولُ الوُثبَ بساقي الاصطناعيَّة فأتعثُّر.
ساقي لا تؤلمني، ساقي تؤلِمُ أبي والأصدقاءَ والعالَمْ.

منحوتاتُ السرطان

زهرةُ السرطان:

عمّتي دائماً تسرَحُ بفكرها، تنسى ثيابها الشتويَّة معرَّضةً للبلل، تبغضُ الجفافَ على مضضٍ!،
عبر أصيصٍ زجاجيٍّ للزهور وسط (الحوش) الريفيّ، بالإمكان رؤية إبر السرطان مستقرَّةً على المصطبةِ الإسمنتيَّة،: القطط تحبّ هذه الإبرَ!. تقولُ عمَّتي.
حدّثتني عن المرضِ مرَّةً تلي الأُخرى،: "من يُصَب به نبيٌّ، فقط الأنبياء لا يشعرونَ بالألم".
عاشت عمرها وهي ترقِّمُ الإبرَ، إبرةً إثرَ إبرة وهي تُغرَسُ في عَضَلِ أجسادٍ لا تقوى على الكلام، تحدّثت عن حلمٍ قديمٍ راودها ليالٍ متوالية: "أرى الأطفالَ يُغرقونَ العجَزَةَ بماءِ الإبَر!"، تتوقّف بغتةً وتُعيدُ على مسامعي كمن يستدركُ خطأً مميتاً:
"لا، مُطلقاً، فلنُعِد الحديث إلى المبتدئ"، تقولُ ومن ثمّ تخرَسُ ساهيةً عن كلّ أمر، السكوتُ دلالةً على المبتدئ، كلّ مبتدئٍ ظلمٌ.
المغارة:
تأخذُ الليالي شكلَ الببغاء مُعيدَةً على مسامع الناس أصواتهم خلال النهار، يغدو الصوتُ أخاً رؤوماً لكلّ شيء، لا تكفّ مغاراتُ المرضِ عن الاتِّساع كفمٍ جائعٍ، ولا تكفُّ الليالي عن السخريةِ من تلكَ الأفواه، ها أنا ذا أسخرُ، تقول السحابةُ في السماء، ها أنا ذا قذفتُ أطفالكم الرضَّعَ في الشوارع، رسمتُ أقداراً بشعةً تتعثّرونَ بها وأنا سأبتسمُ، هل تستطيعونَ فعلَ شيءٍ غير الموت؟!.  




التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.