الرئيسية » , » قراءة في ديوان " أركض طاويا العالم تحت إبطي " للشاعر محمد القليني . | د.أحمد الصغير

قراءة في ديوان " أركض طاويا العالم تحت إبطي " للشاعر محمد القليني . | د.أحمد الصغير

Written By Hesham Alsabahi on السبت، 1 ديسمبر 2018 | 1:38 م

      
قراءة في ديوان " أركض طاويا العالم تحت إبطي "
للشاعر محمد القليني .
           
                د.أحمد الصغير


         تبدو صياغة العالم الشعري في قصيدة النثر العربية أكثر ارتباكا في وقتنا الراهن ، حيث يكون العالم الشعري ظلا للعالم المأساوي الذي تحياه القصيدة .
 تجلى ذلك في ديوان  " أركض طاويا العالم تحت إبطي " ( دار العين  ـ القاهرة ـ ) للشاعر المصري محمد القليني. ، جاء  الديوان في تسع عشرة قصيدة ( نافذة تطل على نهاية العالم ــ البحر يحرض غيمة على التهام نوارسه ــ كيف أمسك بتلابيب الفراغ ــ سأفرغ بطن الخريطة  من البلاد السامة ــ شظايا حلم ــ ارتديت مشاعر جديدة جعلتني في وسامة مومياء ــ وقع خطوات الصمت ــ أركض طاويا العالم تحت إبطي ــ أنا والشجرة ــ أسنان لم تجرب المضغ ــ  عصفور يبحث عن سماء تصلح للطيران ــ الرقص على موسيقى تحطم ضلوعي ــ فوضى ترتب نفسها ــ وضعت أحلامي النيئة على الموقد ــ جداران ــ شاعر يتعرقل في ظله .)
يعد الشاعر محمد القليني من شعراء  قصيدة النثر الجدد الذين يعتمدون في كتابة نصوصهم الشعرية على الصدمة الإدراكية المركبة ، وهي شعرية تتجه نحو البناء المربك في قصيدة النثر ، من خلال استنهاض اللحظات المشبعة بالألم الإنساني المحدد بعوالم إنسانية بريئة من الافتعال والتكلف . فجاء عنوان الديوان ( أركض طاويا العالم تحت إبطي ) مخاتلا ومتناقضا مع الواقع المحيط الذي يعيشه الإنسان ، فاتجه الشاعر بعنوانه إلى الاتكاء على لغة شعرية متحركة ، حيث تبدو اللغة ممتدة ما بين الركض ، والطي ، وكأن هاتين اللحظتين مرتبطتان بالعالم الذي تعيش داخله الذات الإنسانية بعامة وذات الشاعر بخاصة . كما تبدو  في هذه العنونة الشعرية روح المفارقة لتعبر عن مأساوية العالم المحيط ، والحزن على تشتت روحه في تفاصيل حياتيه مشبعة بالمادية والانتهازية المفرطة .، كما يوميء عنوان الديوان إلى المكان الغائب في القصيدة ، حيث يبدو الركض خارج هذا العالم ، بل خارج المكان نفسه ، فتصبح الذات الشاعرة ساخرة من هذا العالم الكبير ، بل تمعن في صخب بريء مفارق لتخدع القاريء بأنها هي التي تملك هذا الكون / العالم بل تتحكم في ماهيته ، وتجعله مطويا تحت الإبط الذي يطوي تحته كل شيء كي تشعر الذات بالأمان اللحظي أيضا .
فيقول الشاعر عن تلك اللحظات في صورة بسيطة ، معرفا نفسه داخل الديوان  في قصيدة بعنوان ( نافذة تطل على نهاية العالم ) :
" اسمي محمد القليني
أكتب الشعر
وأعمل في شركة ملابس
ليس بين الأمرين أي تعارض
فثمة مخزن كبير
أكدس فيه قمصانا مستوردة
يتهافت الناس على شرائها
وثمة قلب أكبر
أخزن داخله قصائد
لا تجد مشتريا "
    اتكأ القليني في النص الفائت على شعرية اللحظة المفارقة التي تختزل الكون الشعري كله ، حيث جاء النص بسيطا من خلال اعتماده على لغة شعرية صافية لا تكلف فيها ولا غموض ، وغلفها بالمفارقة المشهدية التي تتولد عنها علاقات فنية ما بين الشعر ومصنع الملابس ، ما بين القصائد والملابس القديمة التي لا تجد مشتريا لها ، بل يوميء النص نفسه عن تلك الروح المغلفة بواقع حزين ، بل يصبح الحزن فيه هو السيد الذي يحكم العالم بكل تفاصيله الصغيرة التي نتوهمها كبيرة أو لن نستطيع السيطرة على مجرياتها . ويقول في نص قصير :
" تقول زوجتي : إن بيتنا قديم جدا .
وإن حجرة الأطفال
لا تتسع لسريرين صغيرين
فكتبت بيتا شعريا ذا مجاز رحب
وقلت وأنا أشيرإليه :
" يمكننا أن ننام ها هنا الليلة "
 يتكيء القليني علي استخدام الحوار الخارجي في بنية النص الشعري ، مغلفا ذلك الحوار بالمفارقة الواقعية التي تستند إلى منظور مجازي ، يحاول فيه الشاعر أن يجعل من القصيدة واقعا حيا مليئا بالمفردات المعيشة التي يمكن تتحول من شكلها المعنوي البسيط إلى شكل مادي يمكن التعايش داخله . كما يحاول الشاعر أن ينسج من المفارقة المشهدية التي تعتمد على السخرية ، صورة مركزية لحياة الشعراء الذين لاتصل نصوصهم إلى قلوب الجماهير ، فيقول :
" أنا أكره الشعراء كثيرا
خصوصا حين يقضمون أظافر الليل مثل فتاة خائبة
وحين يعبئون أحلامهم المجهضة في دواوين
لايقرؤها أحد "
   إن الحديث عن الأحلام المجهضة في المقطع السابق يشي بالألم الإنساني الذي يعيش في أرحام العقول الإنسانية وقلوبها ، بل تحاولُ الذات الشاعرة الجنوحَ إلى تعاطف الذات مع هؤلاء الشعراء الذين لن تتحقق أحلامهم ، بل يتم اجهاضها عن عمد من خلال تهميش نصوصهم وعدم الاحتفاء بها في دوائر الإهلام المختلفة .  ويقول القليني متحدثا عن حياة الشاعر في الواقع المادي :
"  أنا شاعرٌ فقير جدا
حين يجوع أطفالي ..
أدسُّ في حلوقهم  قصائدَ طازجةً
وحين تخاف زوجتي من المستقبل ..
أخبئها في هامش أحد النصوص الرديئة ،
لأني أعلمُ أن الشياطين ملولة بطبعها
ولا تمر إلا على المتون . "
 يتكيء الشاعر في النص الفائت على بنية مفارقة مركبة ، و متناقضة في الوقت نفسه حيث اعتمد الشاعر على جلد الذات ، من خلال شعرية الاعتراف الممزوجة بالسخرية ، فهو يسخر من الواقع المعيش الذي تحياه الذات الإنسانية بعامة والشعرية بخاصة ، فقد اتكأ الشاعر على صياغة المشهد الشعري المفارق من خلال صورة الأطفال الجوعي الذين لا يجدون طعاما ، والزوجة التي تخاف من مستقبل غامض ، فيخبئها الشاعر في هوامش النصوص الرديئة ، وهي مفارقة شديدة السخرية ، لاستخدامها صورة الحياة الردئية التي لا تناسب الإنسان في كل مكان . بل يطرح الشاعر مجموعة من الأسئلة المهمة داخل النص ، منها ما فائدة الشعر ؟ وهل للشاعر دور في بناء الحياة ؟ وهل يسد الشعر جوع الأطفال  ؟ فيقول في قصيدة بعنوان : ( أمشط شعر أحلامي في مرآة جديدة ) :
" حين أموتُ
لا تحملوني إلى القبر مباشرة
أريد أولا ..
أن أشاهد زوجتي ، وهي تلقى كتبي
في أول عربة ( روبابيكيا ) تمر أسفلَ نافذتها .
أن أحضر إبرامها لصفقة  مخزية
مع صاحب  المطعم الذي يحتل ناصية شارعنا
حتى تستبدل  بأوراقي .
بعض أقراص الطعمية
أريد  أن أكون قريبا من قصائدي  في هذه اللحظات المؤلمة " .
    يصنع الشاعر محمد القليني من نصه الشعري مجموعة من العوالم المتناقضة معتمدا على مفارقات مشهدية متعددة ، تتولد عنها ثلة من المشاهد المركبة ،  التي تميل إلى استخدام المشهد بوصفه نصا محيطا بالنص الكلي الذي كتبه الشاعر مغلفا بالسخرية من نفسه ، فتصبح الذات الشاعرة في صورتها المجازية ذاتا ممزقة ، تدرك حتفها الأبدي الذي سيلحق بها بعد الموت . وكأن الواقع المؤلم المتناقض الذي رصده القليني في نصوصه ، تشكل  من خلال المواقف اليومية التي تبالغ في تهميش الشاعر ، بل تسهم في تهميش دوره في المجتمع . لتؤثر هذه المواقف المخجلة على مدى تراجع الرؤية الثقافية لدى المجتمع , فلم يعد للثقافة دورٌ في الحراك المجتمعي . فبعد موت المثقف / الشاعر تلقي زوجته بجميع كتبه إلى بائع ( الروبابيكيا ) وهو المشهد الأخير الذي يشي بصورة العالم المتناقض الذي يبالغ في محو كل آثار المحبة التي تركها الشاعر .








التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.