الرئيسية » » هموم شعرية مع مهاب نصر

هموم شعرية مع مهاب نصر

Written By Hesham Alsabahi on الأربعاء، 17 أكتوبر 2018 | 3:19 م



 من هو قارئك؟ وهل تعتبر نفسك شاعراً مقروءاً؟

أعتمد على أصدقاء مقرّبين هم ليسوا قرّائي فحسب، بل يمكن اعتبارهم ضميراً ثانياً وثالثاً أستبطنه. القارئ بالنسبة إلي هو شخص أريد أن أعبر طريقاً لأصل إليه في الجهة المقابلة بهذا الحنين الذي يدفعك إلى تجاهل خطر السيارات العابرة. فكرة المقروئية لم تعد مشكلة الآن لمن يكتب نصاً بغض النظر عن النوع والقيمة (مهما بدا التعبير ملتبساً)، المشكلة أن طبيعة القراءة الآن، التي يمكن تسميتها "قراءة الحشد"، هي قراءة بعكس المطلوب تماماً. فالذين يضعون علامات الإعجاب أو يُعلّقون على مواقع التواصل هم غالباً عابرون التقطوا فكرة لامستهم بطريقة ما. وبمعنى آخر، إنهم قلّما يتوقّفون هنا للتأمل، بل يقتنصون ما يتوافق مع حالتهم أو مثالهم الجمالي الغامض أو يتصادف حتى أن يكون موائماً لظرف يواجهونه لحظتها بالذات، أو يتّخذون منه مَرجِعاً مباشراً لفكرة. هذا ضد طبيعة الكتابة الجيدة أصلاً، بل ضد كل كلام "حقيقي". يفرض الحشدُ ذوقاً عَرَضيّاً مختلاً، ويفرض على النص روحاً آنية (كأن النص يرد على واقعة، أو يُستخدم أداةً في خصومة). النص بهذه الطريقة يضاعف الواقع بدلاً من الوقوف على مسافة منه، يضاعف السائد ويصنع مع غيره شبكة من القيم التي لا تُنَاقَش، ومجالاً مغلقاً هو بطريقة غامضة جداً شبهُ أخلاقي.


■ كيف هي علاقتك مع الناشر، هل لديك ناشر وهل هو الناشر الذي تحلم به لشعرك؟ 
نشرتُ مرتين في "هيئة الكتاب المصرية"، وهي هيئة حكومية، ومرة في "دار العين" للنشر وهي دار خاصة. مع "الهيئة" كانت البيروقراطية مُعَطّلة، وهذا مفهوم ومتوقّع. لكنني شخص مسالم لا تهمّني كثيراً التفاصيل. أعرف، كما سبق أن قلت، الملابسات الشائكة للقراءة في مجتمعي. وأعتبر صدور كتابٍ لي ليس أكثر من توثيق، لذلك ليست لي مشكلة مع ناشر. لا يمكن الكلام عن قضية النشر بمعزل عن الوظيفة التي للكلمة المطبوعة في بلادنا، مكانها، أثرها على الحياة (إن كان ثمة أثر).


■ كيف تنظر إلى النشر في المجلات والجرائد والمواقع؟ 
سأحكي لك حكاية. في صيف عام 1988، اتصل بي صديق العمر ناصر فرغلي: "مبروك.. قصيدتك نُشِرت في مجلة الكرمل". كلمة "مبروك" كانت في محلّها تماماً. فالنشر في هذا الوقت في مجلة بحجم "الكرمل" لم يكن شهادة فقط، بل ما هو أكثر: مَن أنت ليوضع نصك بجوار سليم بركات وسركون بولص ووديع سعادة والنصوص المترجَمة البديعة لشعراء عالميين؟ أنت هنا مُلزَم بالبحث عن صوت لك، لا بل أكثر، أنت تتشكّك في ما إذا كان صوتك هو صوتك فعلاً، وما إذا كان يستحق أن يُسمع. هذا ما يفارق بين الفن والثرثرة. بالذات لأن الفن ليس ضرورة، فهو مُطَالَب بأن يَخلق بذاته ضرورتَه: انظر هذه الشجرة التي تجلس تحتها.. إنها ليست الشجرة كما تظن، وسوف أقول لك كيف تكون الأشجار فعلاً.

صحيح أن المجلات والجرائد كانت نخبوية بطريقة ما، ولكن لماذا نعتبر "النخبوية" ذات دلالة تراتبية سيئة؟ نعم الفن نخبوي، وكل كلام جديد وحقيقي، حتى في حوار عابر، هو نخبوي. أنت حينما تحب بصدق تقول: "لن تستطيع أن تفهمني.."، هذه نخبوية مصدرها التَفَرّد والخصوصية لا التراتب والأفضلية.


■ هل تنشر شعرك على وسائل التواصل الاجتماعي، وكيف ترى تأثير ذلك في كتابتك أو كتابة زملائك ممن ينشرون شعرهم على وسائل التواصل؟
نعم، وأعتقد أن هذا كان مفيداً رغم التحفّظات التي ذكرتُها من قبل. لقد جعلني أحياناً أكثر جرأة. كنت مصراً وما زلت على اعتبار مواقع التواصل (نظرياً) حياة حقيقية. تجربتي مع وسائل التواصل غنية وموجعة أيضاً؛ فالحضور الشخصي الذي انتفت منه فكرة المكان لم يَعنِ لي إلا مزيداً من التَمَثّل والإصغاء والمعايشة وكسر حواجز سوء الفهم المتوقّعة. لم أحمِ نفسي أبداً، ولم أعتبر صفحتي (بغياب المكان) فرصة للتنصّل أو فرض صورة بعينها. كانت الكتابة تُساوِق هذا كله كأنني أكتب وأمسك باليد الأخرى بيد من أوجِّه له الكلام: إنه حي وحقيقي. لقد فشلت، في ما أعتقد، وغضبت وابتعدت عن صفحتي فترة طويلة، لكنني تركتها مفتوحة بما يشبه النكاية.. لن أنسحب، لكن سأواجه الكلام الذي لا يستحق أن يكون كلاماً بالصمت، سأحرجك وأهينك حتى يصلني صوتك الحقيقي.


■ من هو قارئ الشعر العربي اليوم في رأيك؟ 
ربما يكون مستحيلاً أن تُعيّن نوعية القارئ اليوم. هناك زبائن لـ"أمير الشعراء" كما لقصيدة النثر. ثم ما قصيدة النثر هذه؟ أي عماء وراء الاصطلاح! هناك من يكتبون عن زقزقة العصافير، وما يشبه الديباجة في رسائل الحب القديمة أو يكتبون كأنّ الشعر هو تسجيل للحياة بأكثر المعاني سطحية وسذاجة، وبافتراض طائش: أن الكلمات شفافة وتعكس الحياة. وهناك نصوص فريدة للغاية ومُحيّرة تَضيع تحت الصيغ الشعبوية. هذا ليس جيداً ولا رديئاً.. هذا هو الواقع الذي على الإنسان أن يَخلق من خلاله معنىً إن أراد.


■ هل توافق أن الشعر المترجم من اللغات الأخرى هو اليوم أكثر مقروئية من الشعر العربي، ولماذا؟ 
الحقيقة أن عبارة "الشعر المترجَم" عبارة مُغرضة. لنقل هل يتأثّر الشعراء بالشعر الجيد الآتي من لغات وثقافاتٍ أخرى محمولاً بواسطة لغتهم المحليّة؟ نعم بكل تأكيد. أن يقرأ الناس شعراً أو أدباً أجنبياً على سبيل الموضة، هذا يحدث طبعاً. لكنه لا يَنفي في الوقت نفسه البحث عن عالم آخر مغاير وأكثر جِديّة. إنتاجُنا الثقافي بعامة ليس جاداً على الإطلاق، ولا يخاطر أبداً بالذهاب إلى الحد الأقصى، بل يزايد في أحيان كثيرة على حقائق صِيغتْ في مكانٍ آخَرَ بسبب الروح الجمعية والشعبوية. السياسة بمعنى ضحل ورديء تمنعك من المغامرة: السياسة ليست داخل الوسط الثقافي وحده بل في المجتمع ككل (حتى لو بدا المجتمع غير محدّد المعالم). الكتابة لدينا، وبمعنى ما "الحقيقة" أيضاً، تُبتَلع وتُجهَض بحسابات. تَصَوَّرْ معي ما كانت الأفلام المصرية تُقدّمه من قصص الحب: ذلك القدر الهائل من التفاهات والتعقيدات والنمائم في طريق اثنين متحابين، إن النهاية الطبيعية هي تفريغ العلاقة من مضمونها وخصوصيتها أصلاً. لكنْ يُصبح إتمام الصلة "الزواج" هو انتصار بحد ذاته. كأننا في معركة. ولكنها معركة غاب موضوعها. لذلك يتوقّف الفيلم عند هذه اللحظة لأن ما يليها قد يكون مأساة.


■ ما هي مزايا الشعر العربي الأساسية وما هي نقاط ضعفه؟
لا مُزية، في رأيي، لشِعر أمّة أو ثقافة بعينها أبداً، وأن يكون لأمّة ما شِعر هذا أمر غريب.. إنه شِعر أفرادٍ تفاعلوا مع شرط حضاري وإنساني فحسب.


■ ما الذي تتمنّاه للشعر العربي؟ 
أتمنى أن يُدرِك الناس هنا وفي مكان آخر أنهم إذا كانوا يعانون حياةً سيئة، فذلك لأنهم شعراءٌ سَيئون، إنه عقابهم الذي يستحقون. لا ينتبه الناس، وهم يتّهمون السلطة أحياناً، أنها أيضاً تمارس الشِعر، ولكن برداءةٍ وعَمى. شِعر سيئ هو الجذر الذي يوحّد الظالم والمظلوم ويتوطآن عليه.


بطاقة
مهاب نصر (1962) شاعر وكاتب مصري مقيم في الكويت. يعمل مسؤولاً عن الصفحة الثقافية في صحيفة "القبس" الكويتية. صدرت له ثلاثة دواوين شعرية "أن يسرق طائر عينيك" (1997) عن "هيئة الكتاب المصرية"، و"يا رب.. اعطنا كتاباً لنقرأ" (2012) عن "دار العين"، و"لا توقظ
الشعب يا حبيبي" (2018) عن "هيئة الكتاب المصرية".


المصدر العربي الجديد

التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.