الرئيسية » » لندن ’’حكاية الرمادي العتيق ‘’ | وليد طلعت

لندن ’’حكاية الرمادي العتيق ‘’ | وليد طلعت

Written By Hesham Alsabahi on السبت، 29 سبتمبر 2018 | 2:57 م

لندن

’’حكاية الرمادي العتيق ‘’


لندن
من يصدقُ
خطوات من أتبعُ من الراحلين قادتني إلى هنا
من إطلالة غرفتي على التايمز بلونه المخضوضر الداكن
أراقب الذاهبين والعائدين من Bank street
يتحركون في خفةٍ وسرعةٍ مدهشين في ملابسهم الرسميةِ
صدفَ أنني أقمتُ فيقلب لندن بعدَ الحداثي
حيث كل الألوان والوجوه واللغات في حراكٍ سريعٍ مستمر
باستثناء هؤلاء الانجليز الضخام ذوي الوشوم الكثيفةِينظرون للجميع في ريبةٍ واستياء
ويبتسمون في تكلفٍ
الفتاة التي كانت تدخن خارج مقرِّ عملها
أبدت اندهاشا منزعجا حين سألتها
لم تشر لمحطةِ القطار على الجانبِ الآخر من الطريق
ربما لأنني حدقتُ في أناملها الممسكةِ بالسيجارةِ وقتا أطولَ مما يجبُ
وربما لأنني كما يبدو
تائهٌ متطفلٌ غريب
لا يستطيعُ قراءةَ إشارات الشارع البسيطةِ
ليستدل على الطريق .


صباحُ مطيرٌ جديد
المطر الخفيفُ يراودُ الروحَ
رحلةٌ جديدةٌ
مغامرةٌ جديدةٌ
في قلب المدينةِ الرماديةِ الصامتةِ
المطرُ ينعش القلبَ
ويردُّ الروح
لترى ى بشرا يغنون على الأرصفةِ
وآخرين يمنحون أنفسهم للبهجةِ
المطر الخفيف
في المدينةِ الرمادية الباردةِ
في الصباح الذي لم تظهر شمسه بعد
يثيت ببساطةٍ لغريبٍ مثلي
أن الرماديَّ قناعٌ وهميٌ
يخفي وراءه ألوانا صاخبة .


الطفلُ الذي يمشي بصعوبةٍ
خلع له والدُهُ ملابسَه و أطلقه
يلاعب الماء المتدافق من نافورة (هالام سكوير) الراقصةِ
الطفلُ الذي يضحك ويجري ويخترقُ الماءَ ويلاعبه
هذا الطفلُ
وهؤلاء الأطفال جميعا الذين لحقوا به مترددين قبل أن تأخذهم الحماسةُ ويهزمون البرودةَ والماء
هؤلاء الأطفالُ الضاحكون
هم بلا شكًّ
صانعوا الألوانَ القادمين ,


في (Canary Wharf)
البناء الزجاجي المعدني الضخم يلمع من بعيد
ويبدو محصنا ضدَّ الغرباء
ولابدَّ أن تعبرَ له ممشى معدنيا خاصا
تراقبك على جانبيه الكاميراتُ
غير إنه على مسافاتٍ لا تزيدُ عن بضعةِ أمتار
أو بضع درجات من سلّم
توجدُ آلةٌ موسيقيةٌ
بيانو أو جيتار
يقولُ لك ببساطةٍ
" اعزفني .. فأنا لك "
" من فضلك
اصنع مني أنغاما جديدة للحياة "

المبنى المعدني الزجاجي الضخم الذي بلا قلب
يحمل سقفه بامتداد مئات الأمتار طولا وعرضا
غابةً كاملةً من النباتات والأزهار
بكلِّ الروائحِ والألوان
ودائما دائما
ثمةَ موسيقى شخصٍ ما
تنبعثُ في الجوار .


السيدةلعجوز التي تعبرُ الطريق
الرجلُ المتكيءُ على عصاه
النساء اللواتي يقفن في طابورِ الشراء
هؤلاء الذين يبتسمون لك في المصعدِ
الإخوةُ من أصحابِ البشةِ البيضاء
لم يبدُ لي أأنهم يكرهوننا حقا
أزعمُ
الأمر كله
أن بعضَ بني آدم مجرمون بالفطرة .


أصوات الأجراس القريبةِ
ابتسامات الندّلِ وموظفي الفندق
والإطلالة الصباحية على المطر اليوميَّ
يغسل عن الوجودِ ليلةً
ويبدأ نهارا جديدا
هذه الحوائط واالأحجار المعشوشبة بالخضرةِ وطحالب الماء
هذا الاحساس الفائق بالتدفقِ والتبدلِ والاستمرار
كلُ هذه السحابات الثقالِ التي تأتي وتروحُ في مداعبةٍ لا نهائيةٍ للشمس
هذه البلادُ التي ليست لنا
كانت حنونةً معنا أكثرَ كثيرا مما ظننا
لم تتجهم كثيرا في وجوهنا .

posted from Bloggeroid

التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.