الرئيسية » » أحلام للبيع | أسامة الحداد

أحلام للبيع | أسامة الحداد

Written By GPP LTE on السبت، 2 يونيو 2018 | 3:17 م



أحلام للبيع | أسامة الحداد


ماذا يعنى أن تعيش وراء أحلامك؟
أن تتوارى حياتك خلفها، وتجد كوابيسك واضحةً فى مواجهتك...
فى إحداها فقدت ساقى، كنت أبحث عنها طيلة اليوم، قبل أن أقتل أحد أصدقائي فى الليلة التالية، وأرى صورته على شاشة هاتفي، والرنين لا يتوقفُ، كان ينتظرني على المقهى، ولم أكن واثقًا من وجوده...
ماذا يعنى أن تجد سحابة فى جيبك؟
أو نجمةً بين أوراقك القديمة؟
نعم ... حكيت عن أحلام وكوابيس باعتبارها حدثت بالفعل، لم أتصور لحظة أنني أكذب، أو أن تلك الفتاة التى تركت بعض ملابسها الداخلية لدي، هى من تمسك بيد صغيرها للمدرسة، لم أكن واثقًا من رائحتها بالفراش، أو أننى أعرف جسدها، وفوق أصابعي نعومة نهديها...
نعم ... قصص كثيرة جاءت من كوابيسي، مرة طعنت الجنرال، واستمريت فى العدو بعيدًا عن حرسه، ونهضت أجرى فى غرفتي...
فى رؤية أخرى كان معي بعض الموتى ... كنا ندخن الحشيش، قمت متطوحًا مثل دِرويش فى حلقة الذكر، و غنيت مع صوتٍ قادمٍ من بعيدٍ أغنيةً كلماتها غير واضحٍة، قررت بعدها أنني شبه مجنون، وأن رأسي ملك لشخصٍ
آخر، وصورتي فى المرآة ليست لي...
كان أصعب ما رأيتُه حين شاهدتُنى رئيسًا للدولة اُعلن الحرب على معارفي جميعًا، وانكر مذبحةً أمرت بها ....كانت بيجامتي غارقة بالدم، وفى يدي
حقيبة من الجماجم...
سيكون من الصعب أن أقص تلك الحكايات التى أدت إلى هروب الكثيرين خوفًا من أحلامي، و تحول مسار قطارٍ يمر جانب بيتي، قبل أن ينفجر بحزامٍ ناسف ٍ اردتيته، و فى الصباح وجدت جسدي مبعثرًا فى أرضية الغرفة....
لا مفر من الإعلان عن بيع سريرٍ مستعملٍ فى أحدى القنوات الفضائية، وقضاء الليل فى الشوارع من أجل مقاطعة أحلام فاسدة، أعتقد أنني أعيشها...
انتبه لاسمي فى بطاقة هُويتي، و أقارن بين صورتي داخلها، والساكن فى المرايا ، أحاول أن أجد من عرفته طيلة نصف قرنٍ، و أسباب افتراقنا، وكيف تركته فى منتصف الشارع، ومضيت فى حارة جانبية، وهذا حادث لايهمكم كثيرًا، خاصة مع تكراره اليوميّ....
انظروا .... إنني أدخن سيجارة حشيش على منضدة جانبية فى البار، و أقذف بالفراغ من فتحةٍ صغيرةٍ بالنافذة، واطلق أدخنة لا لون لها تخفى الوجوه الصاعدة من شاشة التلفاز، وهذا أمرٌ جيدٌ يناسب أشجارًا تنتظرني الآن فى نهاية الطريق...
وغالبًا سأطلب من النوم أن يترفق بي،
سأقدم تنازلات عديدة :
مثلًا سأترك الأضواء ساطعة...
والمروحة على أقصي سرعتها...
سأعد له العشاء والشاى،
وانتقي فيلمًا لنجمته المفضلة،
دون أن أفكر فى خيانته
باختطاف قبلة، أو مرافقتها للمرقص...
نعم أريد أن نكون صديقين أيها النوم،
فالقطط أمام باب الشقة لا تصلح للحوار معها،
ولي خلافاتي مع الشوارع والتماثيل،
وأريدك أن تكون أكثر حكمةً،
لا توجه إلى رأسي تخوفاتك من الموت،
ولا تترك لحماقاتي فرصة للقفز على رأسي،
ولا للأشباح مقاعد لوضع ساقٍ على أخرى،
وازعاج الصمت الذى تبنيته...
أيها النوم حاول أن نكون صديقين،
ولو لساعات قليلة،
دون برتقالة صدئة
تنبت من أصابعي...
أنا العائش فى الكوابيس،
قلبي لم تخطفه قطة جائعة،
وهاتفي تمثال يصرخ...
هذه أحلامي الضائعة
تعدو خلف ابتسامةٍ ،
نعم كبرت
بما يسمح لشجرٍة باغتيالي،
ولسحابةٍ يابسةٍ احتلال رأسي،
ولست غاضبًا من خسائري الدائمة
وأعترف أنني...
أخاف هذه الأيام من النوم
أخشي من شجر يطاردني...
من برتقالة تعتصر أصابعي...
سيارات طائشة تمر من رأسي...
استيقظ ﻷبحث عن دمي فوق الوسادة
كيف يمكن طرد هذه الكوابيس؟
مواجهة وحوش بأنيابٍ لامعةٍ،
والسيطرة على رصاصاتٍ تَمُر جانبي،
وحوائط تتساقط حولي ...
نعم أخاف من النوم والوسائدِ،
وأشعر باختناقٍ ﻻ أسباب له،
وﻻ علاقة بين أحلامي،
وزحام الشوارع...
ارتفاع أسعار الصرف...
أوانفجارات تتابعها الفضائيات...
وﻻ اغتيال طفل على الهواء مباشرة...
نعم أخاف من سرير يحتفظ بالكوابيس،
من بيجاما تواصل عرض أفلام الرعب،
من وسادةٍ تصرخ فى أذني،
ففى  أحلامي الدامية
تعود التماثيلُ المنهارةُ
أكثر بشاعةً،
ويخطف الموتى الملامح من الوجوه،
تقف الشوارعُ فوق أعمدة خرسانية،
وتمضغ مجنزرٌة عظام المارةِ...
 تتجول هضابٌ
فى الميادين،
وتلوح الحوائط بأجنحة هائلة،
تتضخم الفراشات،
وتتحول الحدائق لحقول ألغامٍ
ويأتي ملائكةٌ بثيابٍ قاتمةٍ،
وبشررٍ فى عيونهم،
يتقاتلون أمام طوابير الخبز،
ويقفزون من عربة قطارٍ إلى أخري،
أنا خائف من النوم
من السير فى الشوارع..
من الجلوس فى المقاهي...
من وجوه تخرج من المرآة
لأشخاصٍ يقال أنهم أسلافي،
وأحاول رؤية الأشياء كما هى،
مثل مصورٍ فوتغرافيٍ بائسٍ
يقف خلف عدسته فى الموالد،
نعم أريد الأشياء فى محاكاةٍ كلاسيكيةٍ، وبواقعيةٍ شديدةٍ،
 الورودَ زاهيةً،
الأطفال مشرقون،
الفراشات رقيقة،
الشوارع لمسيرة لا نهاية لها،
أن تكون كل الأشياءٍ
مماثلةً لما جاء فى الكتبِ المتآكلةِ،
ومتوافقة مع النشرات الرسمية،
لذا أنا خائفٌ من أحلامي العسيرة...
من ثمار بطيخٍ مربعةٍ تتساقطُ...
من سمكٍ يرفرف بجناحيه...
من حبال غسيل تتحول لمشانق...
ومن ظلٍ يتقافزُ أمامي هاربًا من خطوتي،
من سيارةٍ بيضاء فارهةٍ...
نعم سيارة بيضاء وضخمة
مرت على قدمي،
صحوت متألمًا،
أفكر فى تعلم السير من جديدٍ،ٍ
بقدمٍ متعبةٍ جدًا
لاتصلح للسباق مع ضباعٍ حولي،
لا أعرف كيف تسللت لغرفتي،
لم تكن جائعةً ومصابةً بالقلق مثلي تمامًا ، يبدو أنني سأتحول يومًا ما، كما تنبأ أوفيد - بما حدث لي -، ويحكي عن صديقةٍ تحولت لعنكبوت - أنا متعاطف معها - وهذه عادتي منذ تشاجرت مع أطفال يسلخون ضفادع، أظنها كانت فى الأصل بشرًا، وكان معهم داروين الذى جلس معي فى المقهى يقص عن رحلته مع أوراقٍ صنع منها مراكب، وعاش سنواتٍ يبحث فى المحيطات والموانئ عنها، وصادق القراصنةَ، قبل أن يقررَ الاعتزالَ فجأةً، ويأتي فى تمام التاسعة حاملًا جريدة قديمة، يعيد كل يوم تصفحها، وانا أتحاور معه لمعرفة طبيعة ضباعٍ تسكن غرفتي...
لست مندهشًا من تداول تلك الأحلام فى المقاهي الشعبية،
أو بين أشخاصٍ لا أعرفهم،
فأحلامي متاحةٌ للمشاهدة
يمكن التنقل بينها عبر الفضائيات واليوتيوب أيضًا، وأؤكد من جديدٍ أنني لست هاربًا من روايةٍ لنجيب محفوظ حاول أن يقيدني داخلها، ولم أكن قناعًا لبيسوا فقد تركته وحيدًا على محطة الباص فى طريقه المعتاد، ، يبحث ككل ليلةٍ عن وجهه فى الحوائطِ، تاركًا المرايا فارغةً، والبراويز مصابة بالسعال، والحقيقة أن أحلامي أكثر إزعاجًا هذه الأيام مثلًا:
قفزت سمكةً من الماء، طارت قليلًا، قبل أن تغرز أسنانها فى يدي...
وهرول جملٌ على ساقين ليجذبني بقوةٍ من ياقة قميصي...
والبعض يتصور هذه الأحلام صورًا سورياليةً، يمكن الرجوع إلى الطبيب فى ذلك، ورؤية قميصي الممزق وعلب الدواء، أوالتسلل معي على أطراف الأصابع لعوامةٍ فى منتصف النهر، والخروج سريعًا قبل أن يغلق نجيب محفوظ أبوابها خلفنا، أزمتي الآن فى أحلامٍ لم تعد سريةً- كما كانت- وتنال نصيبًا هائلًا من السخرية، حتى وأنا أشارك نجمة العرض قبلةً ساخنةً تحت شجرةٍ فى منتصف الليل، وهو المشهد الذى تكرر، قبل أن أجدها تجلس جانبي فى عربة المترو، وتحدثني مبتسمةً عن صداقتنا القديمة، وفشل العرض الأخير فى اجتذاب المشاهدين - بعد أن فقدت قُبلاتنا دهشتها -
صحوت فقط لأمسح أحمر الشفاه، وأنام من جديدٍ منتظرًا عودتها إلي...
هناك الكثير مما حدث فى أمسياتٍ عسيرةٍ،
إصاباتٌ لا سبب لها،
وأسئلةٌ تمنع سيارة الإسعاف من المضى فى طريقها،
ماذا عن التهام لغمين؟
وكيف تضع قنبلةً فى الثلاجة؟
وقليلًا من البارود فى كوب الشاي ؟
هل الأعمال المنزلية مرهقة إلى هذه الدرجة ؟
كنت أعد وجبةً ﻷشباحٍ استضيفهم،
يحكون بمحبةٍ كاملةٍ عن قاتلهم...
بالتأكيد هذه
محاكاةٌ لما حدث أمس...
خاصة أنني تأملت ملامحي فى المرآة دون أن أفكر فى تحطيمها،
قبل ذهابي لموعد يمكن -بقليلٍ من التحايل- أن أقول غراميًا
وثمة أصوات تواصل نداءها لي،
وأنا غائبٌ،
دخلت أحد أحلامي،
وعاجزٌ عن الخروج،
سأبحث عن حلمٍ بأبوابٍ كبيرة،
أو أسوارٍ يمكن تسلقها...
وقد رأيت هذا المشهد من قبل؛
حدث كما أعرف لأشخاصٍ يشبهونني،
كانوا يعدون وليمةً ويلتهمون أصدقاءهم؛
الصورة كانت مبهجة فى الفيلم السينمائي؛
وشديدة الشاعرية... 
- تمامًا - كما قال دراكولا فى نهاية الفيلم؛
وهو يطحن فصوص الثوم؛
وينشد التراتيل المخصصة لمطاردة الأشرار...
نعم كانت مائدة حافلة بلحم بشري ساخن...
والموسيقي تنساب بلا توترٍ...
فى انسجامٍ مع أدوات المائدة؛
وحركة الأفواة...
إنها رقصة معتادة يمارسونها دائمًا؛
وينسون ضحية الحفل؛
ويبحثون عن معارف جددٍ؛
وسحبٍ تظلل رؤوسهم؛
يلوحون للشمس لتهبط،
ويضحكون ببهجة كاملة،
ويواصلون السخرية من أحلامٍ لاتخص غيري،
ولاتصلح سوى مقبرة ،
لفراشاتٍ محنطة،
وذرات من ورودٍ تركها شخصٌ عشوائي يماثلني تمامًا،
قبل أن يختفي دون مبررٍ لذلك،
وهو حادثٌ عادي،
يجب نسيانه،
واتباع ارشادت طبيبٍ نفسي،
لعلاج مصابٍ بالكوابيس،
ﻻ ينتظر بقراتٍ سمانٍ،
ولا صبيًا ليذبحه،
يري الموتي يقهقهون فى أحلامه،
ويمشي فى طرقٍ مقلوبةٍ،
ويرهن أشباهه فى صالة مزادات،
ويدون اعترافاته - مثل زجاج مكسور-
فى دفترٍ ضائعٍ...
يحاول أن يبوح بأحلامٍ مبعثرةٍ
فى حفر بالسماء...
تحت مقعده...
فى أعمق نقطة بوسادته،
ويراهن جنيةً فى مقامرةٍ فاسدةٍ،
لن يخفي أوراقه مثل مصطفي سعيد، سيبوح بأسرارٍ تافهة...
جرائم وانفجارات،
ويحاول النوم - فقط - من أجل كوابيس جديدة،
أو يقذف بجسده فى قطارٍ تائةٍ،
ويعود بأغنيةٍ مرتبكةٍ،
يرددها مع شجرةٍ تطارده،
ضلت مكانها،
أليس من الغريب
أن يجد غيماتٍ ملونةً على مكتبه،
أكوابًا زجاجية تكبر...
أطباقًا تهرول على ساقين...
وحقوﻻً لزراعة القطط ...
حدائق لإنتاج الدراجات البخارية !
ستظنون أنها غير مرعبةٍ،
تريدون الكوابيس ماكينةً ﻹنتاج الأشباح،
أوآلةًً للزمن تنقذ هاملت من براثن شكسبير، لا يهمكم ما قاله المعالج النفسي،
وﻻ مفسرو الأحلام،
لديكم الرغبة فى السخرية،
من أحلامٍ تتحقق...
حين يجد رأسه فى الأناء،
ووجهه فى بروازٍ بنهاية الشارع،
تعتقدون أنها فرصةً لمشاهدة عرضٍ مجاني لانتحار شخصٍ ما ...
سيذهب للنوم ويحاول مصاحبة الكوابيس،
وإرسال بعضها فى طرودٍ بريديةٍ لمجهولين - دون ترتيب مُسبق - ، ليمارس الضحك هو الآخر، ولو لمرةٍ وحيدةٍ، فالمصابون بالكوابيس يضحكون- أيضًا - من لصٍ يسرق طريقًا...
ومن تاجر حربٍ يعد كل ليلةٍ أمواله....
من أعمدة إنارة تنام جوار التماثيل...
من أبوابٍ تفقد سكونها أمام المقابض....
من حوائط تحاول الاحتفاظ بصلابتها...
وميادين تبحث عن معالمها الضائعة...
من مجنزراتٍ يأكلها الصداء،
ورصاصة ﻻ تستخدم مرتين...
وهذا سيجعل البعض يتصور أن كتابة الكوابيس عملًا رديكاليًا، أو وسيلة للمعارضة، وتلك مجرد لعبة يمارسها المراهقون، الكوابيس أكثر حنكةً من هذا، وغالبًا أصحابها عشاقٌ خائبون، ينتظرون جميلةً تهبط بطراوتها إلى فراشهم، وأنا سأعترف أنني عاشق للوديعة، سأكرر أن ابتسامتها تحاصرني، وأحلامي المزعجة تنهار لحظة إشراقتها، وهو ما يمنح البعض فرصةً للسخرية من العاشق، يتهمونه بالجنون، وينتظرون ضياعه فى الصحراء، وتلك أسطورةٌ خائبة، اختلف حولها الرواة، وحكاية تضر بالسياق يكفى أن أقول أحبك بأي طريقةٍ، ولو أثارت عاصفةًً، أو حركت الزلازل التائهة، كل ما يهمني أن أقول أحبكِ، وأترك الكوابيس تؤدى عملها، والشوارع تسير بلا هدفٍ غالبًا، وأنا انتظر الكثير ككل ليلةٍ، وأحاول جمع عشوائيتي المبعثرة، وتدوين اعترافاتي الخائبة، كما حدثت، من أجل أن أعرف أسباب الكوابيس، ومبررات جنوني بعيني الوديعة وابتسامتها، وإزالة التناقض الذى أعيشه، والازدواجية التى أتأرجح داخلها، وتلك هى اعترافات رجلٍ يشبهني، فقد طفولته فى حادث طريقٍ، ويبحث عن ضماداتٍ لروحه، وحديقةٍ لأشباحه، ويقدم اعترافاته الخائبة فى أكوابٍ ورقيةٍ، وهو يدخن بشراهةٍ فوق أريكةٍ بغرفة الكشف، قبل احتجازه – كما يشاع - فى مستوصفٍ خاص بالموتى، ولم يدونها من استمعوا إليه ، مما أدى إلى تعدد الروايات، وتبدو هذه الرواية الأكثر دقةً، نتيجة تواترها من ثقاتٍ، وضبط اللفظ والمعنى...





القصيدة من ديوان متاح للمشاهدة

التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.