الرئيسية » » مدخل | زين عبد الهادي

مدخل | زين عبد الهادي

Written By GPP LTE on الجمعة، 13 أبريل 2018 | 10:57 ص

مدخل


في الزنزانة التي تتكون من مترين وبضعة سنتيمترات هزيلة يقطن أبي ..
لا يمكنه الحركة خارج مربع الهزيمة التى تجتاح عينيه الجميلتين الواسعتين
لا أسأل أبي أبدا عن أي شئ وهو لا يجيب قط، يربت بيده النحيلة التى بانت عظامها على رأسي
قال فجأة أنه آمن .. وأنه مازال يؤمن .. وأنه لن يكف عن الإيمان
مات أبي  وجملته يرددها بينما كنت أنا قد أصبحت رجلا بلا ملامح يمكن الإشارة إليها
كقطعة من خشب تطفو فوق سطح ماء
لاتعرف سوى موج بلا نهاية، واهتزازات لاتحرك الروح التى ماتت !
على شاطئ سالونيك حيث وقفت أتابع تحطم الباق من ذكرياتى
أسمع صوت تهشمها كقطع من زجاج في عينى نصر لم يحدث أبدا على الحياة
كانت الحشائش تبدأ صلاتها مع  مجئ الرياح
وصورة أبي المعلقة على حائط قديم لاتكف عن المزاح
حبيبتي لا تحب لون الدماء، كانت دمائها قد تم تصفيتها بصك الهجرة 
وفي منزلها القديم الذي تحول لأطلال تسكنه مجموعات من البشر الملتحين الباحثين عن الرب في أفواه المدافع باسم الجحيم والجنة
هناك عملت في الدعارة وتنظيف القاذورات وبيع الحشيش لكي تتحول إلى إنسان
هناك أيضا  عرفت جيدا أنه لايوجد لديهم بشر، هنا النظام والقانون والثلج  والتذاكر التي يشترون بها الحب
وحين تتطلع في وجه أخصائية الهجرة وجدت الآلة تعمل جيدا، عيون باردة تأخذها إلى سراديب جديدة للخوف والهوان
فوق تلة سالونيك حيث عشت هناك أسابيعا أبيع الأوهام كمحترف موت كبير
أواجه كائناتي الغاضبة، أو الملونة، الشاحبة أو تلك التي ترقد في التوابيت الذهبية
لم يبشرني أبي بشئ ولم يحك عنها
وحبيبتى كان يتم اغتيالها كل ليلة هناك
لم يمت أبي من الأفكار المزورة ولا المبادئ المنحوتة من رمال الأطلال
كان ضغط العدم يشعل دمه ليلة بعد أخرى
وكانت حبيبتى تسقط في الجحيم ليلة بعد أخرى
ها أنا بصدر خال من الضغينة أو الرغبة في الثأر أرى كيف صنعوا لنا هذا العالم
هاأنا في زنزانة أبي أقف في السنتيمترات الهزيلة أواجه العدم
ها أنا أدخل عينا حبيبتى اللتان تجمدتا هناك بين جبال الثلج واليورو وتعليم الكراهية
ها أنا في تلك البقعة من العالم بلا أب أو حبيبة
بلا ألم
كمسيح يعود للحياة بلا حياة
ها أنا أتسول من شفاهي ابتسامتى
ها أنا ياكل الكتب المقدسة أعيش نزيفا بلا مأوى
لا بقعة وحيدة على الأرض تحتضن دمى
ففي السنتيمترات الهزيلة وفي عينى حبيبتى فقدت كل ماتبقى
لولا التاريخ لكنت بلا ذكرى
ولولا  تلك الرعشة في عينيك لما عرفت أنى سأعود للحياة
افتحى ذراعيك
وخذينى
فقد انتهى بي الطريق إليكى.. 
هذه المرة!!


التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.