الرئيسية » , , » شاعر الدهشة والأسى | قراءة في ديوان "سقط شيء من شيء " | إيهاب خليفة

شاعر الدهشة والأسى | قراءة في ديوان "سقط شيء من شيء " | إيهاب خليفة

Written By موقع يوم الغضب on الأحد، 22 أبريل 2018 | 5:24 ص


شاعر الدهشة والأسى
قراءة في ديوان "سقط شيء من شيء "



" لكن تعال أرك الأشياء
من منظور مختلف " ص50

     عن سلسلة الإبداع الشعري بالهيئة المصرية العامة للكتاب صدر الديوان الثاني للشاعر / محمد القليني " سقط شيء من شيء "، تلك السلسلة التي تشرف برئاسة الشاعر الكبير / فتحي عبدالسميع . يقع الديوان في مائة و سبع و ثلاثين صفحة من القطع المتوسط، و يشتمل تسع قصائد كبرى أساسية تشكل تجربة طليعية.

      في الديوان يحفر الشاعر محمد القليني عميقا في تربة الشعر، منتجا أثرا شعريا مغايرا ومغامرا جامعا بين متعة التلقي و طزاجة الطرح الجمالي الفلسفي، دونما إسراف في التجريد أو إغراق في التقعيد. تقوم التجربة في الديوان بمهمة إيقاظ الحواس؛ لترى هزائمها الداخلية، و لتبصر فداحة الواقع، حيث ذات شاعرة تتكئ على عالم ينهار تدريجيا. و من خلال مقاربة أولية للديوان نجد أن السمات المائزة لهذه التجربة الشعرية المغامرة و المغايرة يمكن أن تتلخص في أربع تكئات أساسية :

التكئة الأولى : تشييد العوالم الإضافية :

لما كانت الذات الشاعرة غير الرسولية التي لا تمتلك يقينا أو تصورا ثابتا للوجود، أو للذات لما كانت تحيا تعاساتها الهائلة، فقد لجأ الشاعر إلى بناء عوالمه الافتراضية التي تتنامى ليأخذنا معه بعيدا عبر أساطيره الخاصة، و أكاذيبه الشعرية التي يدرك الوعي هشاشتها، ثم ما يلبث أن تقع الروح في محبتها، يتساءل القارئ : " ماذا لو تعاملت مع العالم من منظور الشاعر متحدا معه نابذا ذاتي  في هجرة الأنا إلى الآخر ؟!" في هذا المنحى تأتي افتتاحية الديوان المعنونة بقصائد الذكريات و التي تشتمل ثلاث قصائد عناوينها ( جنون – بيانو – الذكريات الجميلة ) لتقدم أول العوالم الافتراضية حيث يجد القارئ مأساة الذكريات اللقيطة التي لا تعرف طريقها إلى ذوات أصحابها :

"أوتوبيس النقل العام
لا يقل الذكريات "
قال الكمساري هذه العبارة
لذكرى تحاول اللحاق بالأتوبيس  .
بكت الذكرى في منتصف الشارع
كادت السيارات أن تدوسها
فسحبها شيخ إلى الرصيف
وسألها : لماذا تبكين أيتها الذكرى؟
قالت : أنا تائهة
سقطت من رأس صاحبي
و لا أعرف عنوانه لأعود إليه .ص11

هنا تتخلق ذكريات كبشر منفصمة عن أصحابها، ذكريات لقيطة هي عالمنا الحبيس في الوعي لكن الشاعر يطلقها إلى العالم لتحيا و تتعذب بحنينها الجارف إلى إعادة استيطان الوعي من جديد، حيث عبثية العالم تتنامى لتطال الذكريات و لتسمح لها بالتنقل من وعي إلى آخر في حركة حرة، لنجد أشخاصا يحيون بذكريات غيرهم، ملتصقين بحيوات لم يعيشوها مطلقا،و آخرين بلا مفرغي البال، لا ماضي لهم و لا حنين يربطهم بمكان أو زمان؛ فتصبح المصائر أكثر تعقيدا و سوريالية .

ذات ليلة باردة سقطت ذكرى
من رأس رجل يقود سيارة.
كانت الذكرة نظرة حب
ودع بها طفله النائم .
ظلت الذكرى ترتجف في الشارع
حتى شاهدت امرأة
طلقها زوجا لأنها عاقر.
قفزت الذكرى في رأس المرأة
بحثا عن الدفء الذي فقدته.
عادت المرأة إلى بيتها
وفي يدها قطار يسير على قضبان بلاستيكية .
ونادت بشوق : استيقظ يا طفلي الجميل
لقد عادت ماما
ومعه هدية .ص13

وفي "بيانو " نجد محاولة مضادة في التخلص العمدي من الذكريات و ذلك باصطناع أكذوبة خروج الذكريات في نزهة بعيدا عن ذات صاحبها المتآمر عليها، هنا تتقمص الذات روحا شيطانية بل تتخلق مجرما يخطط بدهاء لاغتيال ذكرياته، مجرما ساذجا بعض الشيء في ظنه إن إفراغ الوعي من آلامه و مآسيه سيكون سهلا، لكنه يكتشف أن سيمفونية الحياة المتمثلة في العلاقة الجدلية بين أصابع البيانو البيضاء و السوداء لا تتم بأصابع البيانو البيضاء وحدها،إذ كما يعجز البيانو في تقديم لحن معتمدا على لون واحد من الأصابع ، ستصبح الحياة ميتة رتيبة إذا سارت في طريق واحد من السعادة و بلا منغصات، في نص بيانو يتبدى ملمح الأنا القانعة بقدرها و نصيبها و هو ملمح سيتم تثوره في الديوان :

جلست ذكرى مقتل صديقي في ثورة يناير
على مقعد القيادة
وإلى جوارها جلست ذكرى وداعي لحبيبتي .
انطلق بالسيارة وهن يغنين
لوحت لهن مبتسما و أنا أشكر الله
إذ لم يلاحظن أني قطعت فرامل السيارة
و أن صور أجسادهن المتفحمة
سوف تملأ غدا صفحات الحوادث.ص15

ما الذي يريد بالضبط أن يتخلص منه محمد القليني ؟ و هل ثمة رابط قوي بين الحبيبة المفقودة عبر الوداع و بالوداع، و بين ثورة توارت في ركن الهزيمة و الخزي دونما تحقق لأهدافها ؟ و هل هناك علاقة خفية بين الزوجة العاقر التي طلقت و بين الفقير الذي لا يجد لعبة لطفله؟ هل ثورتنا في يناير كانت زوجة عاقرا بلا غد مأمول ؟ لم يطرح الشاعر كل هذا النثار من الذكريات التي تبدو غير مترابطة للوهلة الأولى، لكنها ليست كذلك مطلقا ! 

التكئة الثانية :تثوير مفهوم الشعر و الشعرية :
" لكن تعال أرك الأشياء
من منظور مختلف " ص50

     قضية استحوذت على مساحة هائلة من الديوان، يطرح الشاعر قضية الشعر بوصفه إبداعا يستعصي على التأطير، بوصفه مفهوما مضاد للمفهوم، مفهوما متغير الدلالات من شخص لآخر حتى لا نكاد نجد اتفاقا واحدا على تعريفه، أركانه،حدوده، موسيقاه،غاياته!
قصائد كثيرة لامست هذا المنحى منها القصيدة التي يحمل الديوان عنوانها " سقط شيء من شيء " ومنها قصائد "شارع مهجور –قصائد تدور على حل شعرها – مشاعر –قصائد تتعارك، من ستمسك نهدي الورقة أولا!" وغيرها، هنا يتبدى لي أن الشاعر يريد الخلاص للشعر كأملٍ في خلاص للذات المحبطة، يريد أن ينقذ الحبر من هيمنة السدنة، و حراس اللغة المزعومين، طارحا مفهومه الخاص في غير افتئات، فهو بوصفه شاعرا ثائرا يبدأ من حيث لا شيء قبله، لتصبح ثورته في الكتابة بديله الوحيد ليعوض خسائره في الواقع، فهو ابن جيل طعن غدرا بتقويض هتافه و في وأد حريته :

في الشعر الحديث
يشترك القارئ مع الشاعر
في كتابة القصيدة .ص21

أنا أكتب قصيدة بسيطة وشفاهية
قصيدة تنام على الأرصفة مع البوابين،
وتأكل الفول كل صباح
وتهرب من الكمساري آخر الشهر . ص81
تقولون إنه عليّ أن أجرب كتابة قصيدة
ترتدي حلة و ربطة عنق
وتأكل على مائدة أساتذة الجامعات بالشوكة
و السكين . ص81

نصيحتي لكم
ياأولاد الكلب:
اتركوا لنا الشعر
واعملوا مدرسي رياضيات ص83

التكئة الثالث: ذوات الفوبيا :

     الذات الشاعرة مريضة بهواجسها الافتراضية،تبني وجودا كارثيا لأوهام تتنامى بلا توقف تثقل الذات بمرارات لا حد لها، حتى نرى الشاعر محمد القليني جيدا يجب أن نراه كشخص متخم بتيار وعي متدفق بلا انقطاع تناوشه ذكريات تمارس ساديتها و حينما تكف تتنامي في المقابل أوهام أخرى تقصيه عن الواقع تعاطيا مرضيا، فهو ذاتٌ : الأوهامُ من أمامها و الذكريات من ورائها ، و تجسد قصيدة " سرق هاتفي "ص 62 مأساة هذه الذات التي تتعاطي الأوهام صانعة تراجيديا معاصرة من فقد الهاتف :

سرق هاتفي المحمول
هذا خبر سيء جدا
فالهاتف سيرشد السارق إلى تفاصيل
لاأحب أن يعرفها عن حياتي .ص62

أيضا التاريخ الذي لا أضبطه مطلقا
سيخبره أنني
أعيش في زمان آخر
و موديل الجهاز القديم
سيخبره أنني شخص
انتهت فترة صلاحيته .ص63
التكئة الرابعة : ذات منسحقة تنسج أوهاما للوجود كله :
   
      في قصيدة " طردوني من العمل " وهي نص استثنائي سيحتل موقعا فريدا في ذاكرة الشعر،يطرح الشاعر ذاتا منسحقة تفشل في حل معضلة العمل، عاجزة في إدارة شئون حياتها، وتأتي المفارقة هنا من كونها تتوجه مباشرة إلى الله لتعمل عنده، طالبة منه وظيفة نعم وظيفة! و الغريب -لأنها ذات موهومة بالضرورة - أنها تطلب تولي مهام خاصة بالله في إدارة العالم!، و تبين رغبتها في حل إشكاليات كبرى تمثل معضلات الحياة، مثل : إشكالية الفقر، إشكالية فقد الأحبة الذين يغيبهم الموت، إشكالية رتق العلاقة المتأزمة بين الله والشيطان نفسه !،إشكالية الرأسمالية المتوحشة التي تفترس العالم رجالا ونساء و أطفالا !، يقول الشاعر في قصيدة" طردوني من العمل":

لذلك يمكنني أن أعمل لديك طباخا
أقطف نجمتين و أعجنهما جيدا
وأضيف إليهما ماء سحبة عذبة.
ثم إنني صبور جدا
ويمكنني الانتظار حتى تطلع الشمس
وتقوم بتسوية العجين.
سأحمل الطعام بنفسي
وأطوف على الفقراء الذين ناموا بلاعشاء
وأضع كثيرا منه
على وسائدهم المبقعة بالخيبات . ص29

     لا يخشى الشاعر من كسر التابو الديني، فهو عموما ليس لديه محاذير ما، ولا وصفات جاهزة  حتى إنه سيتدخل لرتق العلاقة بين الله و الشيطان، وكأن يلمح إلى أن الإنسان يدفع ثمنا باهظا لصدام هائل مدو كارثي، ذلك الصدام الهائل المدوي الكارثي هو جموح الشيطان قديما عن الطاعة، و اختياره طريقا مغايرا، يدفع الإنسان ثمن هذا التأزم الوجودي المستمر رغم كونه ليس سببا فيه :

 ثم إنني أجيد التفاوض
ولدي مهارة عقد الصفقات
مما يؤهلني لإقناع الشيطان
بأن يكفر عن ذنبه و يسجد لك ..ص29


ختاما تجربة الشاعر محمد القليني تجربة ذات بصمة خاصة ، تقدم شاعرا يملأ فراغ الساحة الشعرية المصرية بنصوص قادرة على المكوث في الأرض، محدثة وعيا مضادا،و هي عالم إضافي آسر الجمال لشاعر يحوز ككاهن سرا من أسرار الشعر.

التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.