الرئيسية » , , » صبي .. لا شيخ ولا نبي | عماد أبو صالح

صبي .. لا شيخ ولا نبي | عماد أبو صالح

Written By GPP LTE on الأحد، 8 أبريل 2018 | 12:19 م


صبي .. لا شيخ ولا نبي

عماد أبو صالح

علي منصور في الستّين؟
مستحيل!
أنا على ثقة أن الزمن كذّاب.
لا طفولة روحه، ولا ملامح وجهه، تعطي أيّ إيحاء بأنه عاش  ستة عقود كاملة.
هناك غلطة.
لابدّ أن أهله تجاهلوا- ككل الفلاحين- تسجيل اسمه في شهادة الميلاد فور مولده، وحين اضطروا لقيده أضافوا سنوات كثيرة إلى عمره.
لابدّ أنه كان مختبئاً  أربعة وخمسين عاماً في مكان ما بعيداً عن مخالب الزمن، وهاهو الآن بيننا طفل في السادسة لا الستينّ.
***
عرفته أوائل التسعينيات، ومنذ قابلته التقت روحي بروحه، دون مشاحنات ولا اختبارات ولا "جسّ نبض"، والقرب الحميم بين شاعر وشاعر ليس سهلاً ولا بقليل، رغم تأكيد رامبو على أن "الشعراء إخوة".
يكبرني بجيل واحد، لكنه عاملني كابن، وكان ذلك غريباً ومربكاً, لأن جسده الصغير وملامحه الطفولية، تؤهله لأن يكون ابني لا أبي.
تخلّى على منصور في ذلك الوقت الباكر- وفي ضربة مباغتة ومحيّرة وعبر انقلاب أوّل- عن شعريته "القديمة"، مودّعاً البلاغة الخانقة واللغة الميتة والأيدولوجيا العتيقة، ليبدع قصيدة بسيطة وحنونة وهامسة، بلا تحريض ولا صراخ.
جميل هذا، لكنه انقلب ثانيةً على انقلابه الأوّل في وقت قصير، ليختطّ لنفسه خطّاً خاصاً في الشعرية الجديدة، بعد أن أصبحت قصيدة النثر "طبخة" واحدة في الصحف والمجلات والندوات والمؤتمرات و"المؤامرات".
استطاع في انقلابه الثاني  الحفر عميقاً- بخبرة فلاح في اقتفاء أثر الجذور-  ليعيد الاعتبار لشعرية الروح الشرقية (لا الإسلامية فقط كما يتبدّى لقارئ غشيم)، والتي طال نبذها وتسخيفها وتسفيهها لصالح "مقاييس" الشعرية الغربية بأنماطها الفكرية المستوردة وطرقها التقنيّة المعقّدة.
نجح في أن يمدّ خيوط الصلة مع آباء عظماء مثل  لاو تسو وكونفوشيوس وسعدي وحافظ والرومي وابن الفارض وكبير وطاغور، ليثبت لنا أن الشعر قرين البناء كما هو رديف الهدم، ويشتعل في السكينة مثلما يتأجّج في القلق، وينبت من الخير كما يولد في الشر، وينمو في الضعف مثلما يتغذّى على القوّة.
***
لا يكبر علي منصور كشاعر، وتكبر قيمة شعره.
إنه صبي. عليّ صبي، لا هو شيخ ولا نبي، وأروع هديّة نقدّمها له - لو أردنا الاحتفال به- هي لعبة؛ لعبة أطفال يلعب بها في غرفته - كأيّ طفل- بمنتهى الفرح.
يلعب بها ويكسرها؟
لا أظن
لابدّ أنه سيعطيها - بكل حنان قلبه- لابن الجيران.




التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.