الرئيسية » , » " السفر في الأسود " | محمد منصور وأسئلة البحث عن مقام السكينة | قراءة : أشرف قاسم / مصر

" السفر في الأسود " | محمد منصور وأسئلة البحث عن مقام السكينة | قراءة : أشرف قاسم / مصر

Written By موقع يوم الغضب on الأربعاء، 25 أبريل 2018 | 1:22 ص

" السفر في الأسود "
محمد منصور وأسئلة البحث عن مقام السكينة
قراءة : أشرف قاسم / مصر

نسير في الحياة بمحاذاة خط الموت ، نتدثر بعباءة الحلم ، نحتمي بها من برد اليأس وصقيع الاستسلام ، نبحث عن هويتنا وسط ركام من الغربة والتشظي ، يمزقنا هذا الصراع الدامي مع الحياة بوجهها القاسي ، نلوذ بالشعر لعله آخر حصون المقاومة.
"السفر في الأسود" ديوان مختلف للشاعر المبدع محمد منصور ، واختلافه ليس لأنه يتألف من قصيدة واحدة طويلة وحسب ، ولكن اختلافه في لغته وصوره وانزياحاتها ، وكيف استطاع أن يجعل المتلقي شريكًا في النص يعيش معه جراح ذاته العميقة ، بإدراكٍ ووعيٍ بعيدين عن الاستسهال والمجانية في اللغة والطرح معًا ، ودون الدخول في تهويمات فلسفية لا يستسيغها المتلقي وقد لا يحتملها النص الشعري .
فلسفة الحياة والموت التي صاغها محمد منصور في ديوانه/قصيدته/ تلك ما هي إلا خلاصة تجربته مع الحياة دون زيادةٍ أو نقصان ، رسمها بلغة أقرب إلى لغة الروح المتصوفة ، تلك الروح التي تبحث عن معنى محدد لسؤاليّ الوجود والموت ، بُغية وصول الروح إلى مقام السكينة :
سيرحل
قبل طلوع النهار -
إلى ليله
قانعًا بالسوادِ
. . لعل السوادَ
يضيئ شرايينَ أفكارهِ
يطفيه ملاكًا
يضم الرؤى بجناحيه
يعرف أصلَ الخليقةْ ص 15
وخلال تأملاته في جدلية الموت والحياة التي هي كُنْهُ تجربته في هذا النص الطويل يباغتنا محمد منصور بأنساق مختلفة من اللغة المتوهجة من أتون اللحظة الشعرية المتوقدة ، تقابل ذلك أنساق شتى في تشكيل الصورة الشعرية الطازجة ، بعيدًا عن السائد والمطروق :
وأغسل بالعرق المتصبب من جبهةِ الروحِ
ثوبَ الفضاءِ ،
أُقرِّرُ أنْ أمزجَ الكلماتِ بأضدادها
وأمُرَّ على جثَّتي نغمًا خافتًا وجزينًا
لئلا أدوسَ على الصمتِ
في غفلةٍ من ضلالي ،
فأوقظَ صرختَه النائمةْ ... ص146
تلك الصور الشعرية المعجونة من وجع الروح وحيرة العقل في أسئلته الوجودية هي الفضاء الذي تتحرك فيه الذاتُ الشاعرة باحثةً عن اليقين ، ربما من خلال خلق احتمالاتٍ عدة لجدوى الحياة ، ومآلاتِ الكائن البشري :
والعجزُ
متكئٌ في هدوءٍ
على عجزه
لا يرد السلامْ
يرى كلَّ أغنيةٍ شبحًا جاء
كي يغرس اللحنَ في قلبه فيموتْ
وكلَّ قتيلٍ
غريبًا تقلد خنجرهُ
وأتى راغبًا في انتقامْ
يعيد الحياةَ إلى قلبه من جديدٍ
وليس يرى من ثقوب الأساطيرِ
إلا انتظار غدٍ لا يجيءُ
ومئذنةً مِن مكانٍ بعيدٍ تشعُّ الظلامْ ص 95/96
الملمح الأبرز في هذا الديوان هو تعدد الأصوات ، فأحيانًا يكون صوت الراوي ، وأحيانًا يقوم الشاعر بعمل مونولوج داخلي مع نفسه ، فالشعر في هذه التجربة شديدة الخصوصية يأخذ منحًى سرديًا يمتزج بغنائيةٍ آسرة تتجاور والدراما السردية داخل النص الشعري المنفتح بثرائه على تعدد التأويل :
وتقولُ:
ستعرف في ذات يوم حقيقةَ أنَّ الحقيقةَ تظهرُ في الأفقِ بدرًا يوجِّهُ خاطرَ مَن أتعَبَتْهُ الحقيقةُ نحو الحقيقةِ
قلتُ:
كلامكِ ليس يوضحُ ما تقصدينَ
فقالت:
وهل مِن كلامٍ يوضحُ؟
واستطردَت:
إنْ تكلمتَ أغرقتَ معناكَ في الصمتِ،فاصمُتْ لئلا تظل غريبًا ص 127
ومن خلال مثل هذه المونولوجات الداخلية التي يقيمها الشاعر بينه وبين ذاته أحيانًا وبينه وبين طرف متخيل أحيانًا أخرى استطاع أن يمنح نصه الطويل حيويةً وتجددًا من خلال تلك اللغة السردية المغلفة بنسيج شفيف من فلسفة الحياة والموت :
أنا الغدُ أظهرُ في اللحظةِ الفارقةْ
أمزق أوردةَ الذكرياتِ
لكي يتوقف قلبُ الحبيبِ عن النبضِ
ثم أُضلِّلُ قلبَ الحبيبةِ
حتى تغادرَ في الليلِ خيمتَها
فيظل على سفرٍ عاشقٌ
وتظل على سفرٍ عاشقةْ ص164
ومن خلال دراما السرد الشعري يدير حوارات بينه وبين مفردات عالمه مصبوغةً بالتساؤل والقلق الوجودي مما يسهم في إثراء النص الشعري وفكِّ شفرات الوجود الإنساني .



التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.