الرئيسية » , , , , , , » إبراهيم البجلاتي: شاعر التوحد ما قبل وما بعد التاريخ | وليد الخشاب

إبراهيم البجلاتي: شاعر التوحد ما قبل وما بعد التاريخ | وليد الخشاب

Written By موقع يوم الغضب on الاثنين، 23 أبريل 2018 | 8:45 ص

إبراهيم البجلاتي: شاعر التوحد ما قبل وما بعد التاريخ

وليد الخشاب، أستاذ الدراسات العربية بجامعة يورك



عزلة المتعدد والشعر المتوحد

يؤكد ديوان الشاعر إبراهيم البجلاتي "أنا في عزلته" (دار بدائل، 2014) ما يمدحه 

به بعض أصدقائه من أنه "شاعر مجنون". لقد فقدنا في حداثتنا تلك المساحة التي 

تمتعت بالحيوية في مطلع العصور الوسطى، والتي كان يشغلُ الجنونُ فيها منطقةً بين 

إقليمين: إقليم عادية النثر وإقليم تفوق الحكماء والعلماء. اعتدنا اليوم أن الجنون 

نقيض العقل، وأن الصواب هو تجنب الجنون أو "معالجته". لكن قصائد البجلاتي 

تعود بنا لذاكرة مفقودة، جذورها في تلك المنطقة المنسية. 


شعر البجلاتي مجنون، بمعنى أن العقل العادي، اليومي، المشترك، غائب عن شعره 

("مجنون" تعني حرفياً "مَخْفي"، أي ذلك الذي اختفى عقله عن بصره)، وبمعنى أن 

الذات المتكلمة في هذا الشعر ترى ما لا يراه العابرون. وكذلك – كما في المفهوم 

المضمر في مطلع العصور الوسطى – بمعنى أن للذات الشاعرة اتصالاً بعالم مفارق 

للواقع: عالم السحر، أو ما يفوق الواقع، - أو بتعبيرنا المعاصر – عالم السوريالية، 

أي تلك المنطقة المادية التي لا يبصرها إلا... المجنون.


ابتداءاً من أول ثلاث كلمات في الديوان، أي منذ العنوان: "أنا في عزلته"، يجد 

القاريء نفسه في مواجهة أكثر من ذات تعمل كذات شاعرة وكموضوع للشعر. فالأنا 

لا تتحدث عن عزلتها، وإنما تتبدى منذ البداية وكأنها اثنان: المتكلم والمنعزل الذي 

يستضيف هذا المتكلم. هكذا تتعدد أصوات الذات الشاعرة، بين الذي يكتب ويقول 

"أنا"، والذي ينعزل، والذين يشكلون الذوات المتعددة المتناثرة أو المتوحدة بين 

هاتين الذاتين، إذ يحكي عنها الشاعر. وتتخلل هذا كله ذات القاريء. هذا التراوح بين 

التعدد والتوحد يثير دينامية وحركة تسريان في الديوان كله، إذ يتجاذبُ النصَ حالان: 

أولاً حالُ التعدد، أي انقسام الجسد إلى مناطق مختلفة، ينطق كل منها بصوت، كأنها 

ذوات متعددة أو كأنه في حالة فصام؛ وثانياً حالُ التوحد، بمعنى أن تنعزل الذات 

وتنفصل عن العالم وتستغرق في تداعيات صورها وأفكارها – أو، على نحو مفارق-  

في تعددها.


ترتكز حالة الجنون العامة في الديوان على مبدأين: الأول هو تتبع انفصال الذات 

المتكلمة عن الواقع المعيش، وتحليقها في عالم غرائبي أو لامنطقي؛ والثاني هو 

استكشاف عوالم غير ناطقة، مثل عوالم الحيوانات والجمادات، عن طريق تخيل خطاب 

هذه المخلوقات وتمثل مناجاتها أو عن تخيل امتزاجها بعناصر بشرية.



الفصام الشعري

عن طريق التشبيه، تتحول الذات الشاعرة خلال بضع سطور إلى ذئب. فبينما تحكي 

الذات عمليات يومية عادية، مثل حلاقة الذقن، وشرب القهوة، يتحول جسد الإنسان 

فيها إلى جسد ذئب:

"أصحو بمزاج معتدل

أغني 

وأنا أحلق ذقني

وأنا أشرب القهوة

وأنا أغلق الباب ورائي

وأخرج مثل ذئب وحيد في البراري" (ص 10)

هكذا يتحول الأمر العادي: إنسان يتجمل ليستعد ليوم من العمل، إلى أمرسيريالي 

ومجنون: الإنسان ذئب وحيد، والعالم برارٍ، لا مُدُن. ويزيد من تأثيرالاستغراب 

والوحشة أن الحركات اليومية التي تصفها الذات من أكثر الحركات حاملة "للحضارة 

الإنسانية"، فحلاقة الذقن وإزالة الشعر من على الجسم من أوائل العلامات الرمزية 

التي ابتدعها الإنسان ليتمايز عن أبناء عمومته من الحيوانات التي تحتفظ بالشعر على 

جسدها. ومع ذلك، تنتهي هذه الحركات إلى العود على بدء، برجوع الإنسان 

"المتحضر" إلى حالة الحيوانية وبمواجهته العالم كما يواجه الحيوان الغابة –أو، 

بتعبير القصيدة- البراري. 



في الديوان كذلك حالات أكثر "كلاسيكية" لمفارقة الذات للواقع العادي (أو الجنون 

بتعبير العامة)، مثل تعدد الذات وانقسامها أو انفصامها، إذ تسمع أصواتاً وترى 

أشخاصاً لا يدركها سواها، بل وتدخل في حوار مع الأشخاص الكائنين في رأسها، 

داخل مركز الكلام بمخها:

"و بالفعل أسمع أصواتا 

وأرى أناسا في رأسي

يدوسون على البلاطات البيضاء

يطأون مركز الكلام صدفة

فأحكي لهم حكاية......" (ص46)

في هذه القصيدة، ما يفارق صعيد الحياة العادية، "الطبيعية"، ليس فقط وجود 

"أناس" في رأس الذات الشاعرة، أو كون الذات تتمثل هؤلاء الناس كأنها تراهم، بل 

هو ذوبان الحدود بين المكان الحقيقي في الواقع المادي، والمكان النفسي الخيالي. 

ولذلك ترى الذات بلاطات الأرضية البيضاء (التي ربما تذكرنا بالمستشفى) في داخل 

رأسها. 



لكن اندياح الحدود بين النفس والمكان حولها يفتح طاقات خلاقة للكلام وللشعر، لم 

تكن لتنفتح لو ظلت الذات "عاقلة". هكذا تشرع الذات في رواية حكايات بفضل الناس 

الكائنين في "مخها"، في عالمها المتخيل، لأن هؤلاء الناس يضغطون على مركز 

الكلام في مخ الذات الشاعرة، أو "يرفعون أقدامهم فينقطع السرد" (ص 46). إلا أن 

الأكثر إدهاشاً وإرباكاً هو تماهي مخ الذات الشاعرة مع بلاط المكان/المستشفى، 

فكلاهما يتعرض لضغط الناس المتخيلين، وكأن  دخيلة الذات الشاعرة ومخها والمكان 

الذي تصفه تجليات مختلفة لِمُرَكَبٍ ما، هو نفسي وعضوي وجماد في آن.



في قصيدة النثر، كما في كتابات جيل التسعينات السردية، يختلط الواقع بالفانتازيا. 

يضاف هذا الخلط إلى حالات عديدة للمزج والتهجين في جماليات هذا الجيل، لكنه 

بالنسبة لقصيدة النثر وسيلة لضخ دفقات شعرية في النص دون اللجوء للمجاز 

الصريح، ولا تخرج قصيدة البجلاتي عن هذا الخيار الجمالي.

"في الصيف – قبل أربع سنوات – كنت في عيادتي، أحرر الناس من الحصى 

وأمراض التبول حين دخل علي بعباءة خشنة وعصا أطول مما يحمل رهبان المعابد 

في فيلم قديم. لم يكن مهيبا، ولم تكن الريحانة فوق أذنه اليمنى مثيرة للضحك." 

(ص44).


في هذا النص، ينغمس القاريء في الفجوة بين جسد الشاعر وبين عالمه المتخيل، لأن 

كلا من هذا الجسد وهذا العالم يتواجهان أو يتماسان في حيز من بضعة أسطر. الكتابة 

تواجه القاريء هنا بأكثر الإشارات إغراقاً في سيرة الشاعر الذاتية، إذ تلتقط صورة 

للذات الشاعرة وهي تمارس الطب وتعالج التبول، بينما الشاعر إبراهيم البجلاتي في 

حياته الاحترافية طبيب مسالك بولية بالفعل. إذن يتطابق النص وعالم الواقع في هذه 

السطور، ثم إذا بالكتابة تفتح باباً لأكثر الإشارات إمعاناً في البعد عن الواقع، إذ يدخل 

على الطبيب الشاعرعجوزٌ يحمل نفس اسمه: إبراهيم. لكن هذا "القرين" يبدو 

منفصلا عن الواقع إلى حد ما: فهو يروي أنه كان عسكريا ودخل يوماً على قائده 

عارياً، فأُدِعَ مستشفى للأمراض العقلية، وهو يضع زهرة خلف أذنه، ثم إنه يرتدي 

خرقة ويمسك بعصا طويلة، كأنه راهب أو... صوفي ناسك.


هذا الشد والجذب بين الإغراق في الواقعية والسيرة الذاتية من ناحية، والإمعان في 

الفانتازيا من ناحية أخرى، وهذا المشهد الذي تواجه فيه الذات الشاعرة معادلاً لها 

يحمل اسمها هو تحقيق لتيمة الفصام، بمعناها الحرفي ، أي أن تنفصم الذات وتنقسم 

إلى قسمين: الذات الأقرب للواقع وقرينتها الأقرب لعالم الذهان.  ويستقصي الديوان 

تيمة الازدواج/الفصام/الثنائية بمعانيها المجازية والطبية بأكثر من وسيلة، منها 

تصوير ذات وقرينها، ومنها تمثل المصاب بمرض عقلي، مثل الذهان  أو القطبية 

الثنائية، كما في القصيدة التي نقتبس منها:



"أنام نوما عميقا

أنشر فيه الرذيلة بالأبيض والأسود

غيبة الألوان في النوم

تمنح الأشياء ديمومة مريحة

بإمكاني أن أقف على ساق واحدة لسنوات

وأن أرقص على سقالة خشبية  مثل "ريتشارد جير" 

أو مستر جونز

في عذابه ثنائي القطب

يقود أوركسترا 

يبكي ويقرص فخذ طبيبة حسناء

ويضحك مثل دولفين كبير" (ص 47)



تستلهم القصيدة فيلم "مستر جونز"، بطولة ريتشارد جير، 1993 ، كما تشير 

صراحة، وربما تشير كذلك إلى فيلم "العازف المنفرد"، بطولة جيمي فوكس، 2009. 

وكلاهما يتمحور حول شخصية رجل خارج عن العادة من حيث الحساسية المرهفة 

والموهبة الفنية، وإن كان كلاهما يعاني من مرض عقلي.

الشعر النثر


في ديوان "أنا في عزلته"، لا "يتورع" الشاعر عن الجنوح أحياناً إلى كتابة قصيدة 

نثر بالمعنى الأصلي للمصطلح، مثلما في النص الذي يدور في عيادة أو مستشفى (ص 

44-46)، حيث الجمل طويلة مصفوفة في فقرة متواصلة، وتحمل حساً سردياً عالياً، 

وحيث يغلب على الجو العام في النص عالم الحلم ولامنطقه. لكن في عموم الديوان، 

تبدو جماليات شعر إبراهيم البجلاتي متسقة مع قصيدة التسعينات التي اصطلح النقاد 

على تسميتها بقصيدة النثر، على أكثر من صعيد: 


أولاً، يكاد المجاز يكون غائباً عن الديوان وتختفي منه الموسيقى التفعيلية وحتى 

الجناسية. وثانياً، تتناثر فيه الإشارات للصور الفوتوغرافية (ص 53)، والإشارات 

للسينما ولأفلام بعينها (مثلما في القصيدة التي تستلهم فيلم "مستر جونز" ، والذي 

هو فيلم من التسعينات أيضاً) (ص 47). ثالثاً، كثيراً ما تنشغل الذات الشاعرة  في 

القصائد بالحكايات (والروايات)، فنسمعها تنزعج لانفصال صوتها ووجودها عن 

الواقع المادي: "فهل يعني هذا أنني لم أعد موجودا سوى في رواية ما؟" (ص10) . 

وليس هذا الهاجس إلا مَعْلَماً من معالم تداخل الحكي والشعر، الذي تلجأ إليه قصيدة 

النثر. رابعاً، يحفل الديوان بالإشارات إلى سيرة الشاعر الذاتية، مثلما في القصيدة 

التي يعمل بطلها طبيباً في نفس تخصص الشاعر في حياته العملية ويحمل اسم 

إبراهيم، تماماً مثل الشاعر.


الشعر ما قبل التاريخ

بنشره ديوان "حكاية مطولة عن تمساح نائم" (دار ميريت، 2016)، يؤكد الشاعر 

إبراهيم البجلاتي مكانته كواحد من أهم الشعراء في مصر. في الأسطر الأولى لديوانه، 

يبذر البجلاتي تيمات تتفصل فيما بعد  في كامل النص وتتأملها الذات الشاعرة عبر 

الصفحات.  مازال البجلاتي يرتاد عالمه الأثيرالأشبه بطائر يحلق ماداً جناحيه، يتجليان 

في كل ديوان بألوان جديدة، لكن يظلا الجناحين نفسيهما: الجناح الأيمن هو تقصي 

التفاصيل التي تبدو يومية، والجناح الأيسر هو تحويل الحيوانات والجمادات إلى ذوات 

ناطقة، حكاءة، تنسج القصص والخرافات. وهو ما يضع البجلاتي بين شعراء 

التفاصيل أو شعراء تيار الوعي بالأشياء، من ناحية، وبين شعراء "أسطرة" اليومي 

أو تحويل اليومي العادي إلى الأسطوري الخرافي، من ناحية أخرى.


ليست استعارة الطائر /الشعر مجرد حلية أزين بها مقالي، بل هي مكون أصيل في 

ديوان البجلاتي ومعلم من معالم المفارقات فيه. مستوى أول للمفارقة يكمن في أن 

الديوان عن تمساح، لكن الطيور تظهر من لحظة لأخرى كنقيض له: لا تستغرق في 

التأملات والتداعيات مثله، وتطير بخفة على عكس ثقل التمساح. لكن مستواها الأعمق 

يكمن في اختيار الفنان أحمد اللباد لموتيفة الطائر لتزين غلاف الديوان ولتتصدر 

صفحات الديوان كمؤشر على بداية كل قصيدة –إذ إن النصوص المنفصلة/ المتصلة 

تتوالى بلا عناوين حتى ليبدو الديوان كله وكأنه قصيدة واحدة طويلة محكية على 

لسان التمساح أو صائد التماسيح. دلالة هذه المفارقة بين حضور الطائر البصري 

والحضور اللفظي لكلام التمساح هي تراوح عالم الديوان كله بين السماء والأرض، 

بين النقائض، بين المادي اليومي والعلوي المتسامي أو التاريخي.


يرفرف طائر الشعر هذا، ليخلق في تحليقه، وبفضل خفق جناحيه، أساطير حميمة 

بديلة للأساطير الكبرى المستقرة عبر الثقافات البشرية، تقتبس من قوائم الأساطير 

القديمة المعتمدة وتحولها وتبدلها. يلخص الشاعر عمل هذه الآلية في السطرين الثاني 

والثالث من الصفحة الأولى من ديوانه "حكاية مطولة عن تمساح نائم". فالعنوان 

يرشد القارىء إلى وقوفه بصدد حكاية، ويلمح لاختلاطها بالأحلام، لأنها حكاية حيوان 

نائم. ثم تقول الذات الشاعرة: "لست قلقاً من غياب الوحي /يقلقني أكثر غياب 

التفاصيل عن الكوابيس". إذن يفتتح الشاعر ديوانه بإشكالية الوحي وبوحي إشكالي 

معاً. فهو يوحي بأن الأسطر الشعرية التالية المكونة لديوانه قد تكون وحياً، أو على 

الأرجح قد تنبثق من غياب الوحي، مصدر الشعر والنبوة معاً. أي أنه يؤكد أن شعره 

شعرٌ ضدُ لا يرتبط بهالة شاعر كلاسيكي يتلقى الشعر وحياً وإلهاماً، ولا بقدسية وحي 

يُفَصِله نبيٌ بكلمات. ضدية شعر البجلاتي تعتمد على تفصيل صور الكوابيس، لا 

الوحي. وترتكز على التفاصيل، لا على المرويات الكبرى.


اليومي الأسطوري

أقوى تجلٍ للتفاصيل يتجاوز اللمحات الخاطفة لأشياء عادية تنتمي لتفاصيل اليومي، 

مثل الإشارة لصيد سمكة وشق بطنها بسكين، كعلامة على رغبة الإنسان في الحصول 

على قوت يومه، أو كمجاز لبحثه عن أسرار الكون (ص 6 و16). ويتألق استخدام 

التفاصيل في تقنيتي الإشارة المتشظية والتراكم – تراكم شظايا هذه الإشارات. في 

القصيدتين الأوليين، أي في الصفحات الثلاث الأولى وحدها، يوجد ما لا يقل عن خمس 

إشارات مفتتة، جزئية، لخمس حكايات وقصص ونماذج سردية من وسائط مختلفة: 

1) النموذج السردي لشخصية الشاعر الذي يتلقى الوحي؛ 

2) قصص الأطفال في السلاسل المخصصة لتبسيط عيون الأدب للناشئة في الأربعينات 

والخمسينات، وتحديداً قصة نجيب الكيلاني "حبيب الشعب" ؛ 

3) قصص رعاة البقر الأستراليين الذين يطلقون النار على التماسيح وربما تحديداً 

فيلم "صائد التماسيح" الأسترالي؛ 

4) قصة السمكة التي تبتلع جوهرة أو خاتماً، الموجودة في الحكايات الشعبية وبعض 

روايات ألف ليلة وليلة، والتي استعادتها السينما العربية؛ 

5) القصة الأسطورية الأوروبية عن الساحر الذي يعزف الناي ويغوي الأطفال 

ويغريهم بالتجمع حوله والسير خلفه مجذوبين لموسيقاه، والتي كثيراً ما تناولتها 

السينما الأمريكية (ص5 و6).

يتراكم فتات الإشارات للمحات من قصص وأساطير من مقامات ووسائط متعددة، 

ويبدو وكأنه سديم سردي يكتسب طاقة شعرية من سديميته هذه، ومن ملامح ملحمية 

فيها: صراع الحياة والموت بين البشر والحيوانات (الصيادون الذين يطلقون 

الرصاص على التماسيح)؛  أحلام الإنسان الذي يترجم أصوات لاوعيه إلى وحي 

شعري (الذات الشاعرة التي تتكلم من منطقة الكابوس المختلط بالوحي)، قصص 

الأطفال التي يظهر فيها البشر وقد غيروا ملامح الطبيعة بتضحياتهم وآلامهم (الأم 

التي تبكي على فراق ابنها فتنشيء بدموعها بحيرة). لكن ركام القصص والأساطير 

هذا يمثل أكثر من مجرد تناصات محتملة أو فعلية يتفاعل معها الديوان منذ الأسطر 

الأولى وعبر صفحاته كلها. هي مولدات للحكي ولفهم مفاتيح الديوان معاً، تأخذ بيد 

القارىء ليفهم أن الديوان كله هو حكاية الحكايات، هو جامع لأشكال مختلفة من 

الحكايات عن فكرة الحكاية ومبدأها، عن تاريخ العالم ملخصاً في مائة صفحة، موجزاً 

لآلام الإنسان وأشواقه منذ ظهر على وجه الأرض، مسروداً في شكل خرافة أو 

أسطورة. 

الشعر التاريخ

لا يعني انفتاح السرد الشعري على الخرافات المؤسسة لتصور الإنسان عن نفسه 

ومكانه في الطبيعة أن الديوان منقطع الصلة بالتاريخ. في مقاله عن :"حكاية 

مطولة"، أشار الشاعر أحمد أنيس سريعاً إلى السياق الفرعوني لموتيفة التمساح. 

والواقع أن صوت التمساح في الديوان (أو صياده، لأن كلاهما مكونان لجسد واحد) 

قادم بقوة من عصور مصر القديمة. من ناحية، هو صوت تمساح فرد، لا يتماهى مع 

الإله التمساح القديم، ومشغول بذاته وحياته، بالإضافة إلى تأملاته الأكثر عمومية، 

ومن ناحية أخرى هو صوت يحكي لقاءات بعالم الأساطير الفرعونية. أي أن الصوت 

الشاعر في الديوان يتلمس بعض تفاصيل التاريخ اليومي لذات تعيش في عصور 

قديمة، ومنها العصر الفرعوني، لكن من ناحية أخرى، ينغمس في تفاصيل وشذرات 

من حكايات وخرافات وأساطير مصر القديمة.


يحفل الديوان بإشارات خافتة أو خفية لأساطير مصر القديمة. في بدايات الديوان، 

يستعرض صائد التماسيح حياةً خرافية عاشها منفياً منبوذاً، ثم يعبر عن خوفه من 

العقاب على ذنوبه في الحياة الأخرى: 

"أما أنا فخائف جداً 

ولا أعرف بأي من الاسمين 

سيقبلني إله له رأس ابن آوى" (ص11). 

يحملنا صوت صائد التماسيح هنا من فضاء مجرد إلى عالم الأساطير الفرعونية عن 

الإله أنوبيس المتجسد في ابن آوى، والذي يحرس الباب إلى العالم الآخر. ويظهر 

خوف الصوت الشاعر من العقاب على ذنوبه، لأن أنوبيس قد يقبله باسم محمود فينعم 

في الآخرة، وقد يلعنه فيشقى في العالم الآخر.


ليست تلك المرة الوحيدة التي تمتزج الإشارة الفرعونية بهلع الصوت الشاعر من 

العذاب عقاباً على ذنوبه. عندما يتلبس صوتُ التمساح الذاتَ الشاعرةَ، يقول:"كنت 

قريباً من ميزان العدل/ ترمي الآلهة القلوب المثقلة بالإثم في جوفي" (ص65). 

الإشارة هنا لتصور المصري القديم للحساب بعد البعث: يقف المرء أمام محكمة الآلهة 

ويوزن قلبه لقياس ثقل ذنوبه، وفي الديوان، يقوم أبو الصياد بمهمة وزن القلوب 

(ص38). في الأسطورة، إذا كان قلب المرء مثقلاً بالذنوب أُلقي به ليلتهمه وحش 

خرافي. في القصيدة، يحل التمساح القديم قدم الأزل محل هذا الوحش الجلاد.   


تحولات الذات الشاعرة هذه، من صائد تماسيح إلى تمساح، ومن تمساح إلى قط أو 

طائر، من مذنب أمام محكمة الآلهة إلى وحش ينفذ العقاب الذي تقره المحكمة، 

تلخصها هذه الأسطر:

 "حيوات كثيرة في الطريق

(...) قط يشتهي أن يعود تمساحاً 

تمساح يود لو عاد قطاً" (ص56-57). 

تلك التحولات جزء من نثار شظايا التفاصيل في الديوان: هنا، تفاصيل الحيوات 

منثورة في سديم طاقة الحياة في الطبيعة ككل. لكنها أيضاً تيمة لصيقة بالتصوف من 

حيث هو تسامٍ على التفاصيل. لأن الديوان حكاية عن الحكايات، أو سيرة حياة الحياة 

على كوكبنا، فهو يستدعي التحولات من تفصيلة إلى أخرى، من حكاية إلى أخرى، من 

حياة إلى أخرى. ما يؤكد هذه القراءة أن الصوت الشاعر يربط بين تحول التمساح إلى 

طائروبين عالم التصوف، إذ يتحول التمثال في لحظة فريدة إلى طائر السيمورج، ذلك 

الطائر الذي يمثل في الأدبيات الصوفية طيران الروح من عالم المادة إلى عالم الحضرة 

الإلهية: 

"قالوا: في الجو تمساح يطير 

قلت: أنا السيمورج 

وفي ثقافة أخرى أنا العنقاء" (ص79).  


لهذا فديوان "حكاية مطولة" يجسد نظرية إبراهيم البجلاتي عن الشعر، التي لخصها 

في تعليق له على موقع فيس بوك في 27  يوليو 2017،  إذ يقول: "(...) فكرة الشعر 

عن نفسه... أن يكون الشعر عيناً مفتوحة على الزمان والمكان، على اللانهائي 

والزائل الآن..." ويضيف بتواضع: "لا أتحدث عن كتابتي بل عن الجوهر الحقيقي 

للكتابة"، بينما الحقيقي أن حكاية التمساح النائم، بهذا المعنى، قد لمست جوهر 

الكتابة. 


التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.