الرئيسية » » مختارات (5) من ديوان العشوائي | أسامة الحداد

مختارات (5) من ديوان العشوائي | أسامة الحداد

Written By GPP LTE on السبت، 24 فبراير 2018 | 10:37 ص






أنا العشوائي، الحالم اليائس، الأحمق الرزين ، الشهواني العفيف،

 الجبان الجرئ، الكاذب الصدوق، الماكر الساذج،المتبعثر التائه المستقر،

 المزدحم الفارغ، المجرم البرئ، الضاحك الحزين ، المتبسم العبوس،

 المهذب البذئ، الطامع القانع ، الكسول النشيط، الخائن الوفى،

 المركب البسيط، الخاسر الرابح، العاشق المعشوق، 

المتشرد الفوضوي المنظم، الهارب الغائب العائد، المُغيب، 

 المُطارد الطريد، المكبل الطليق، الحُرّ السجين، المتمرد المهادن ،

 الثوري المستكين، المُخفق الناجح، 

البائس المُرفه، المتواضع المغرور، القاتل القتيل، الغادر الغاضب ، النادم الآسف، 

الدامع الثرثار،الكتوم، الكاره المُحب، الوقح الخجول، الذكى الغبي، الآمن الخائف، 

الأهوج الهادئ، العارف الجهول، الطموح ، المُخطئ المُصيب، الجاد العابث،الخائب 

الفالح ، الفاسد المُفسد، الشقى السعيد، الطيب الشرير، العدو الصديق، الواضح 

المبهم، ذو العثرات و الخطايا...ومكتوب أسفلها، إن صفات العشوائي متعددة، 

وأشكاله هلامية، وغير متوقعة، من عرفهما فليجالسني فى البار، كانت  مُدونةً 

فوق ورقة بعربة المترو،  تركها مجهولٌ، قفز فجأةً من النافذة بين محطتين، ليسير 

فوق حبال الغسيل بحثًا عن قاتله، وهو الأمر الذى تناولته وسائل الإعلام عدة 

شهور ، لتحليل أسباب ما حدث ، وتبارى الكثير من أساتذة الاجتماع فى وضع 

نظرياتهم ، والأطباء النفسيين فى تحليل شخصية غائب، وحاول معالج روحاني 

استحضار المتجول فى الهواء، وتحديد سرعة انطلاقه، وضرورة العثور على قاتلٍ 

مجهولٍ هو الأخر، والبحث عن بصمةٍ فى الفراغ......

فهم لا يدركون أن العشوائية آلية حياة، تخص الملايين، وبعضهم يحاول جمع 

خيوط الشمس لصناعة كرة من الصوف، و أخرين يمشون فى الطرقات لإحصاء 

عدد المارة فى ساعات الذروة ، وهناك من يحاول ترتيب حبات رمانة، بعد بعثرتها، 

أو صفوف حبة يوسفي ، وإعادة القشرة الخارجية كما كانت، و تحديد بداية الشكل 

الدائري، والدهشة من التشابه بين الرمان، و النهود البارزة تحت ملابس النساء،- 

العشوائيين يندفعون – دائماً – بلا رويةٍ.....

 أحدهم ذهب إلى شجرة كافورٍ، و بدأ فى عدّ البراعم، والأوراق، وقراءة ما كتب 

على جذعها، وحاول أن يعرف عدد من استظّلوا بها، و من غرسها على

 الكورنيش ، وأول عاشقين جلسا أسفلها متشابكي الأيدى، وفى أخر اليوم استأجر 

منشاراً كهربائياً، و فشل فى استخدامه.......


وهذا لا يعنى أن العشوائية تشبه أفكار التفكيكيين - مثل "دريدا"- الذين يحاولون 

هدم المدن، وإعادة بنائها فى أمكنة بعيدة،  ويتصورون أن العالم لعبة " ميكانو" 

يتم تشكيلها كثيرًا، إنهم يعتقدون فى قدرتهم على العمل داخل المناجم، ويراهنون 

على عودة الخامات إلى مواطنها - واستخراجها من جديدٍ - ، وأثاث البيوت إلى 

شجرٍ بالغابة، لإنشاء ورش نجارة جديدة، وهو ما يشبه محاولتي لتعلم لعبة 

البلياردو، والتى انتهت بتحطم العصا فوق راس منافسي، والتهام الزجاج للكرات 

الملونة، وجلوسي ليومين فى محاولة اجراء عمليات تجميل للمرايا، وتضميد 

الكسور المضاعفة للألواح الزجاجية، والاعتذار للبراويز عن تركها وحيدةً .....

أنا أخرج عن النصّ، وهو ما يغضب الرقابة،  ويتسبب فى تسجيل مخالفة بعد خلع 

مجهولةٍ لملابسها أمام الشات، ليدون الرقيب  نوع مشدة الصدر ولون الكلسون  ، 

دون أن ينتبه للموعد و المكان، قبل أن يحاول تسجيل صوت اهتزاز السرير،

 و يرتبك أمام حلمةٍ نافرةٍ، ويقيس الزاوية بين الساقين، ومقدار انفراجهما ....

أشعر كثيرَا بمن يتابعني، ومن يدون انفعالاتي بدقةٍ،ارتبت كثيراً فى ظلّي، كّلما 

تركته يعود مراوغًا، ويبدل جهاته، علقته فوق مشجبٍ فقفز جانبي، حملته إلى 

سوق شعبي ، وعدت ببضاعتي ، نشرت إعلانًا عن الرغبة فى بيعه، كنت مثار 

سخرية أصدقائي،  قلت من قبل عن وجوه تطالعني فى المرايا.... اللعنة!..

كل هؤلاء يعملون فى ترصدي،ويقتفون أثري، يحاولون وضع أطر لتصرفات 

عشوائي،  لا يحدد اتجاهات لخطوته ، ويبحث عن ضبابٍ يغلف به ما حوله، دخل 

المتاهة، واندمج فى مغامرةٍ لا يعرف نهايتها، أتذكر كيف شاركت بفاعلية فى 

الحرب العالمية الرابعة، وتقديم التهنئة للسكان الأصليين للعالم الجديد - بعد 

عودتهم إلى حكم بلادهم -،  ومشاركتي فى مطالب مواطني ويلز بمنع التفرقة 

العنصرية ، كبداية لإنهاء التفرقة ضد البيض من ساكني أوروبا، خاصة مع وجود 

ملايين اللاجئيين على سفن فى المحيط الأطلسي، يبحثون عن موطن أسلافهم، إنني 

أتحدث عن وقائع بعد خمسين سنة من الآن، أريد أكون متنبئاً مثل " دافنشى" 

الذى لا ينتبه لقبلات الملايين لصديقته  " الموناليزا" تصورها قديسةً، وشبيهاتها 

يخرجن من البراويز كل ليلة ٍ لإشباع رغباتهن ، ستظنوني شهوانياً، يضع غرائزه 

فى الصدارة، أعترف أننى أفعل ذلك، وفق حالتي المزاجية التى تحكم خطواتي، 

وتعجز عن إيقاف الكلمات العجيبة التى تنطلق من لساني، نسيت أن أقول لكم عن 

السيدة التى حدثتني فى الهاتف كثيرًا بعبارةٍ واحدةٍ: الرقم الذى طلبته غير موجود 

بالخدمة.... قبل أن أعتذر عن موعدٍ معها فى التاسعة مساءً، بشقتها حيث تسكن 

وحيدةً، لأجد شعيرات بنية لأنثى على كتفي و أحمر شفاه على قميصي،

وسيجارة حشيش فى يدي، والساعة تجاوز الثانية صباحًا،  وهاتفي مغلق، و 

الشوارع متشابهة،  نجحت فى إعادة تحديدها أبدلت علامات المرور، بإعلانات 

لمطعم للوجبات السريعة، ولوحات تحديد الاتجاهات بصور مرشحٍ سابقٍ فى 

الانتخابات الأخيرة،  وطمست أسماء الشوارع، و مضيت وحدي أغنى بكلمات لا 

أعرفها، جوار المجنزرات، وجنود الحراسة، وفوهات البنادق الجائعة    .....



التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.