الرئيسية » , , , , » شيطنة الآخر في ذكرى الثورة.. جحيم تحت السقف | سعد القرش

شيطنة الآخر في ذكرى الثورة.. جحيم تحت السقف | سعد القرش

Written By GPP LTE on الجمعة، 26 يناير 2018 | 3:50 م

شيطنة الآخر في ذكرى الثورة.. جحيم تحت السقف

تصنيف الناس من أخطر الأعراض الجانبية السيئة ليناير 2011. طبائع معادن النفوس كشفتها نار الثورة، تلك الأمانة الثقيلة التي ناء بحملها الضعفاء، فصار الأخ والجار والزميل والصديق هو 'الآخر'.


ستؤتي ثورة 25 يناير 2011 ثمارها ولو بعد حين، ولن يتأخر هذا الحين كثيرا، سنشهده ونترحم على الشهداء، ضحايا رصاص الشرطة، ونشكر أبناءنا الذين سيجعلون حلم الثورة ممارسة حيوية، ولن ننتظر منهم شكرا على ثورة يعايروننا بفشلها، وكانوا صغارا قبل سبع سنين، وجنوا أولى ثمارها، الوعي بضرورة التمرد، واللامبالاة بما كان محظورا؛ فرياح الثورة أسقطت محرمات فرضها رجال ثلاث مؤسسات مستقرة: الدين والجيش والقضاء، وليس غريبا أنها مراكز الممانعة للثورات عبر التاريخ.
من كان يتخيّل أن ثورة رفعت في يومها الأول شعار “تغيير، حرية، عدالة اجتماعية” ستنتهي إلى استجداء هامش حرية ثارت لكي تنسفه طلبا للحرية الكاملة؟ ليس في هذا المآل الكارثي مفاجأة، فالثورة الفرنسية مرت بفترات من الإرهاب حصدت رؤوس البعض من قـادتها، والثـورة الروسية سقطـت سريعا في قبضة ستالين، وانتهت الثورة الشعبية الإيرانية إلى استبداد الملالي وتم تزوير اسمها فأصبحت “الثورة الإسلامية”، ولم يكن حظ الثورة الكوبية أفضل كثيرا.
ولعل شعار “اليأس خيانة” الذي رفع في الثورة المضادة الأولى أثناء الحكم الإخواني جدير بالتأمل الآن ونحن في عمق الموجة الثانية من الثورة المضادة. من مظاهر الردة أن بعض اللاهثين للحاق بالعربة الأخيرة في قطار الثورة، وهي توشك أن تخلع حسني مبارك، يلعنون الثورة الآن، تملقا لسياسات كارهة للحريات وللعدالة، معادية لكل قيم 25 يناير 2011. الثورة يلعنها اللاعنون ويحملونها خطايا أعدائها، وهي بريئة من تراجع الاقتصاد وعودة وجوه الفساد، إذ أرادت ببراءة ثورية القضاء على كل الأشكال المعادية للمستقبل، فتحالفوا لشيطنتها، ولم تحرز إلا هدفا وحيدا في مرمى أعدائها، بإثبات أن “مبارك حرامي” بحكم قضائي نهائي.
ما فائدة سلاح يعجز حامله عن الاحتماء به؟ ماذا يجدي سلاح لا يهتم صاحبه إلا باقتنائه؟ سيكون رصيدا راكدا؛ فمهمة السلاح هي الدفاع أو الردع، وليس مطلوبا من الإنسان أن يموت دفاعا عن سلاح معطل، هنا تبادل للمواقع لا يليق، وهذا ما جرى لثورة تحتاج الآن إلى الدفاع عنها، فيتأكد لنا أنها وأننا في منحنى خطر، مستنقع عكر، فيه ألغام قانونية وأعشاب ديماغوجية تنمو وتتكاثر، والثورة هناك، بعيدة في مكان قصيّ، تتفادى قصفها بالاتهامات، ثم “تجري لمستقر لها” وتتفاعل أسبابها، حتى مطلع فجر موجتها الجديدة حين ينضج شرطها الموضوعي.
الثورة غير مسؤولة عن البذخ الرئاسي والحكومي، وجنون الأسعار، والمناوشات الطائفية والعنف باسم الدين، وانهيار الأخلاق؛ فلحظة يناير 2011 هي الأصدق تعبيرا عن الجوهر الإنساني لدى الشعب المصري، وليس الانحطاط العام إلا تعبيرا عن اليأس، والكفر بحلم اختفى سريعا، وأتاح لأعدائه جرأة الانقضاض عليه، بعد تحصن كارهي التغيير بمناعة تدعوهم إلى تحسس جلودهم السميكة كلما سمعوا كلمة “ثورة”.
تصنيف الناس من أخطر الأعراض الجانبية السيئة ليناير 2011. طبائع معادن النفوس كشفتها نار الثورة، تلك الأمانة الثقيلة التي ناء بحملها الضعفاء، فصار الأخ والجار والزميل والصديق هو “الآخر”. هذا جرس إنذار خطير، لم تخلقه الثورة ولكنها رفعت عنه غطاء النفاق والتقية، فبدأ الكلام في مصر عن ثنائية العلماني والمتدين، المسيحي والمسلم، الشيعة والسنة، وانشطر القسم الأخير إلى فرق: أنصار السنة المحمدية، والتبليغ والدعوة، والإخوان الذين سبق أن خرج من عباءتهم تنظيم “التكفير والهجرة”، وما تلاه من جماعات إرهابية أكثر غلوا. لا تسأل الثورة عن هذا الحصاد؛ فالبذور قديمة، وقد خرج محمد الغزالي عام 1950 من الإخوان لأنه استنكر أن يعتبروا أنفسهم “جماعة المسلمين”، وليسوا جماعة من المسلمين.
نحتاج إلى عقد اجتماعي جديد. تربية سياسية وتوعية حضارية وأفق إنساني أكثر رحابة، ففي خيبة الأمل بانهيار مشروع المستقبل للدولة، يسهل الارتداد إلى بلادة الاستقرار، “وبما أن كل إنسان يبحث لنفسه عن مستودع هوية، فهو ينتمي إلى قبيلة من القبائل. ولكن ليس إلى وطن. فكيف تكون هناك ديمقراطية في غياب المواطنين؟”، كما قال الكاتب الأميركي بنجامين باربر في مقدمة كتابه “عالم ماك”.
ما بعد 25 يناير 2011 ليس من الديمقراطية في شيء، فالثورة أصابت الكثيرين بشعور وهمي بالأهمية، وتضخم الذات إلى حد يفوق البارانويا التي يمكن استئناس واحتمال نسبة “آدمية” معقولة منها. شعورك بأنك أكبر من “مواطن” خطرٌ لا يقل عن إيمان الإسلامجي بأنه أقل من “مواطن”، ومن حسن حظ اليمين الديني أن جنون العظمة لم يمس قواعده، فظلت على العهد تسمع وتصوت في الانتخابات، أما طلاب “الدولة” المدنية فلا يرون أنفسهم أقل من زعماء، وخلت الميادين من الجنود، وكان البعض يتوجه إلى ميدان التحرير، في أيام مبارك الأخيرة وخلال حكم الإخوان، مصحوبا بأضواء الكاميرات، واستسهلت المنابر الأجنبية الإطلال على المشهد بانتقاء من يجيدون الكلام بلغاتها، واعتاد “الثائر” سلوك النجوم، فإذا انتهت “الفقرة”، وفرغ من تصوير “الدور”، خرج منتشيا، لا ينقصه إلا سماع الهتاف باسمه والتصفيق لحكمته في القيادة، شأن كل قائد لا يلوث ثيابه بغبار المعارك.
ونشأت المعازل وتحصن كل فريق برأيه وتصوره عن المستقبل، من دون أن يجيد قراءة مشهد يخلو من الجنود، فالساحة تحتشد بقواعد اليمين الديني، جيوش المؤمنين بدورهم كجنود لهم قضية في معركة “دينية” تحسمها أصواتهم. وفي ظل البارانويا المدنية، وذهاب نحو 20 بالمئة ممن لهم حق التصويت إلى صناديق الانتخاب، ستبدو قوى اليمين أغلبية خادعة من بين الأقلية المشاركة في التصويت، وهكذا حسم منطق “أغلبية الأقلية” كافة الانتخابات لصالح الإسلاميين. ولا أبالغ بالقول إنه في ظل شيطنة كل “آخر”، سيفوز ممثلو اليمين بأي انتخابات نزيهة.
أما القوى المدنية فيكفي تذكّر الانتخابات الرئاسية في مصر عام 2012 عنوانا لبؤسها، وعدم جدارتها بتمثيل الثورة، فمرشحو اليسار الأربعة رفضوا بأنانيتهم التنازل لأي منهم، لكي تتوحد الصفوف في مواجهة رمزيْ اليمين الديني والعسكري. مشهد لا أعاده الله، دال على فقدان الأمل في جيل تشوه، ولا أمل في علاجه.
سعد القرش
روائي مصري


التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.