الرئيسية » , , , , » مرحب جاهين.. مرحبا | محمود الحلواني

مرحب جاهين.. مرحبا | محمود الحلواني

Written By GPP LTE on الخميس، 25 يناير 2018 | 3:05 م

مرحب جاهين.. مرحبا·
شهادة


     مَن مِن شعراء العامية- وأولهم  كاتب هذه السطور-  لم توسوس له نفسه، ولو لمرة واحدة بأن ينكسف على دمه، ويلايمها حبتين، وبلاش يشد في العريض قوى كده.. لماذا؟ تجيب الأمارة بالسوء: قصيدتك إياها، اللى عامل بيها سبع رجاله ف بعض وطالع بيها السما، ما كان لها أن تكتب لولا روح صاحبك التي تفط منها. يا رجل.. قم واكتب غيرها!
ثم مَن منّا لم يضبط  نفسه متلبسا بـ "الحمرأه" وهو يواجه تلك التهمة؟ من لم يرتبك أمام هذا السؤال العويص: هل هى حقا تهمة؟ ثم أخذ يقلب الأمر في رأسه حتى تورمت قدماه؟!
فينا من أنكر الأمر برمته. وفينا من مات بالسكتة وهو يحاول إخراج ذلك العفريت من روحه. وفينا من استطاع بشجاعة نادرة إخراجه، ولكنه صُدم بعد ذلك حين رأى ذلك التجويف الكبير الذي خلـّفه الزلزال في صدره تصفر فيه الرياح! فحط على الخبر ماجورا، واحترم نفسه ثم سكت إلى الأبد.  وفينا - أيضا - من تبجح وزعم أن أصوات الرياح التي تصفر في تجويف صدره بعد إخراج العفريت هى فتحه الجديد في عالم الشعر، ثم راح يشيد من ذلك الصفير عموده الشعري ويتيه به على الشاعرين! وهناك من نجح في العثور على صوته الخاص، فقدم الشكر الواجب لمعلمه وأستاذه واستأذنه في الانصراف بعد أن قام بدوره وزيادة، وفينا ....
سأحكى حكاية:
       أزعم أني حاولت - أكثر من الاعتراف - التحرر من ذلك العفريت الذي يسكن قصيدتي، كما يسكن قصائد نصف من جاءوا بعده تقريبا- ولولا فؤاد حداد الذي احتل النصف الآخر لتربع في المساحة بكاملها-  ولا أدري إن كنت قد أفلحت في ذلك أم لا، ولكن .. سأحكى حكاية:
        ذات مرة، أو ذات قصيدة، حاولت إبعاده، وكان صوته يصنع ضجيجا مدويا معذبا داخلي، فقلت: لعلها الفرصة جاءتني، واللحظة مواتية لأن أقبض عليه متلبسا بمزاحمتي في قصيدتي، هى فرصتي لإخراجه، وتحرير رقبتها من قبضته. اصطنعت له طُعما، ومددته ناحيته بيد، بينما أمسكت الشبكة بالأخرى.
 لم تكن هذه الشبكة غير قصيدة. نعم قصيدة،  قررت أن أهبها له كاملة - إلا قليلا - يعني من ألفها لواوها. قلت أقدمها له قربانا، فضاء متسعا يستطيع أن يأخذ فيه راحته على الأخر،  ليجلجل صوته فيها ما شاءت له الجلجلة. قلت: أحبسه فيها وأنجو، وسأعترف أمام العالم كله بأنها من صنعه هو، كتبها بعد رحيله أو أوحى بها الىّ! لعل ذلك يفض الاشتباك، أو لأقل صنعتها من روحه التي تملأني، لأضعها على مسافة منى فأشوفها، وأسمعها، وأصاحبها، مصونة معززة، كروح أب لا أشك أبدا في محبته. محبته التي وسعت الشجر والنبات والحيوان والجماد قبل البشر، وأنا مطمئن تماما لرضائه، فهو بالطبع لم يكن يقصد أبدا احتلال أصواتنا، ولم يكن ذنبه أبدا أن ابتلعنا صوته ونحن نبتلع أحلامه وأغانيه. كنت أستدرجه للكلام، وأنا أعلم مدى عشقه للكلام،  و أخمن عذابه بعد أن حُرم منه .. أليس هو من قال في قصيدة" شوفي قد إيه":
              "يا بخت مِن يقدر يقول
                واللي ف ضميره يطلعه
                يابخت مِن يقدر يفضفض بالكلام
                 وكل واحد يسمعه
                 يقف في وسط الناس ويصرخ: آه يا ناس
                 ييجي الطبيب يحكى له ع اللى بيوجعه
                 يكشف مكان الجرح ويحط الدوا
                 ولو انكوى يقدر ينوح"[1]

أسميت (قصيدتي /شبكتي) " ليلاتي.. من وفى وإلى روح صلاح جاهين" [2] لأعطيه هذه الفرصة ليتكلم، ثم ليتأكد أنه لا يزال حيا بيننا، بل وقادرا أيضا على الكلام رغم كل شيء.. أليس هو من قال في قصيدته " كلام إلى يوسف حلمي"[3] إن: "الشخص البلطجي ده اللى اسمه الموت / عاجز قدام الناس "! ألم يكن هذا هو درسه الذي علمنا إياه!؟  وأخيرا: لأرى بوضوح ما يسكنني منه. فكيف رأيت جاهين في قصيدتي؟ كيف كان؟
رأيته طفلا كبيرا خائفا قبل أن أراه أبا وفارسا. الأمر الذي زلزلني، وجعلني أشعر ناحيته بأبوة حقيقية حتى أنني رحت أربت كتفه وأطلب منه أن يستريح ويهدأ، كنت أطمئنه، بل أهدهده قائلا: "افرد طولك وارتاح يا ضنايا" وكنت أذكر رعبه المستتر وراء قناع الممثل فاخر فاخر في قصيدته "فنان" [4] من "الشخص البلطجي ده اللى اسمه الموت" وأذكر قوله فيها:" الليل ده زى عطيل.. وكل شئ ديدمونه" وقوله "مين ده اللى واقف ورا الديكورات.. ده الموت.. وده جي لمين هنا؟" وأذكر كذلك محاولاته المضنية للاختباء عن أعين ذلك البلطجي وإصراره على إنكاره، فهو  قادم " لحد تانى"! ..
        في قراءة سابقة لهذه القصيدة غامرت بالقول أن الفنان فاخر فاخر لم يكن غير قناع لجاهين نفسه، اصطنعه شاعرنا و اختبأ خلفه ليقول كلاما لم يكن يريدنا أن نعرفه عنه، فارتدى قناع فاخر . لعله أراد أن يخوض – سرا-  صراعا عنيفا ضد هاجس الموت الذي يلاحقه، وليعترف باعترافات خطيرة يتحرج  كبرياؤه من الاعتراف بها في العلن، عن شعور قوي بوطأة الإحساس بالموت.. ذلك الهاجس المحيط بجاهين، تدعمه عندي شواهد كثيرة من شعره، منها مثلا:  قسمُه في قصيدته"غنوة برمهات" بـ " المغرب المرعب وما فيه من عذاب مجانين"![5]
هكذا قرأت إصرار" فاخر/ الممثل/ القناع" على الاستمرار في العمل، ورغبته البقاء على خشبة المسرح، رغم إعيائه الواضح، الذي يصر على إنكاره وإثبات نقيضه: " أنا اهُه .. أهه مش مريض جيت في الميعاد.. عيوني سهيانه.. لكين لها فعل.."[6] إنه يخشى الانتهاء من الدور، لأن  الموت هناك يقف وراء الديكورات، ينتظر لحظة نزول الستار!
وهناك أيضا رباعيته التي يكشف فيها عن تلك الأغوار السحيقة من نفسه، والتي تمتلئ بالرعب الذي يصر دائما على مواراته خلف صخب الجنون وأصوات الرياح والضحك والهزار والفرفشة واللعب.. حتى إذا ما حل السكون انكشف الرعب:
                   "يا ورده قلبى معاكى في الريح لعب
                    لا تعبتى م الريح ولا قلبى تعب
                    إحنا كده، نرتاح في صخب الجنون
                    وفى السكون.. بنخاف قوى ونترعب"
و كذلك رباعيته المخيفة:
                  " ورا كل شباك ألف عين مفتوحين
                     وانا وانتي ماشيين يا غرامى الحزين
                     لو التصقنا نموت بضربة حجر
                     ولو افترقنا نموت متحسرين"
تذكرت كل هذا وأكثر فوجدتني أطمئنه أن لا شيء هناك يخيفه؛ حيث:  
                "الليله ضُهر/ وناسك حوالين الخيمه تجلجل ضحكتهم/ والريح سهرانه بتنبح على  أي غريب/ وترد العين والنسيان والصمت" [7]
هكذا كنت أحاول تهدئته، فهذه" ناسُه" تحيط بخيمته وتخيف بضحكاتها المجلجلة أي دخيل أو غريب، حتى ولو كان الموت نفسه، الذي من علاماته النسيان والصمت.
 لعلى كنت أحاول إقناعه بعكس قوله في الرباعيات:
"صاحبت لكن صحبه مالهاش أمان"
فها هم أصحابه  يسهرون لحراسته، يتمنون أن يأخذ قسطا من الراحة التي حرم نفسه منها، قلت:
             " افرد طولك/ النار بتطقطق/ الشاى والسهيره/ الشعر/ العود رنان/
              افرد وارتاح يا ضنايا".
  كنت أراه مرتديا ترسانة أسلحته كاملة، تحسبا لأي هجوم مفاجئ، فطلبت منه أن يخلع كل هذه الأشياء وأن يطمئن ويهدأ وأن يترك لنا هذه المهمة نحن ناسُه: 
" اخلع نعليك وحزامك والمساحيق/ حط الأجراس والخمره/
  خُش ف حضن جماعتك مـدّد، مدّد وارتاح يا ضنايا" 
نعم، كنت أرى جاهين وهو يضع المساحيق والأقنعة للتمويه والتخفي أحيانا، وأحيانا للسخرية والتهكم ، وهو ما كان يثير دهشته و يتعجب منه:   
                    " وقفت الصبح أغسل سناتى
                     قالت لي شايف قوتي ولمعاني
                      إيش تطلب اليوم منى: ضحكة أسد
                      ولا ابتسامة إعلانات أمريكاني"
                                            عجبى
وأيضا           " يامرايتى ياللى بترسمى ضحكتى
                      ياهلترى ده وش ولا قناع "
عجبى
ولأنه يعلم تماما مدى تأثير الكلمة" الجرس" وكيف تقلق أصحاب المصالح، ومن يقومون بخدمتهم وحراستهم، فقد كان يشاغبهم:
                  "أنا قلبي كان شخشيخه أصبح جرس
                     جلجلت به صحيوا الخدم والحرس
                     أنا المهرج .. قمتوا ليه خفتوا ليه
                      لا ف إيدي سيف ولا تحت منى فرس"
عجبي
ثم إنه يتعجب من هذه الحياة التي تدفع الجميع للمشي على الحبل:
                   " بين موت وموت .. بين النيران والنيران
                       ع الحبل ماشيين : الشجاع والجبان
                        عجبى على دى حياه ويا للعجب
                        ازاي أنا يا تخين بقيت بهلوان"
عجبي

ولأن صلاح جاهين كان مؤمنا تماما بخطورة الشعر كسلاح قادر على تهديد الطغيان وإزعاجه وزعزعته، فلم يكن مستغربا لديه كراهية النظم الطاغية له، حد اعتباره تهمة يُعاقب عليها الشاعر.. يقول في قصيدته "إلى اللقاء" المهداة إلى بابلونيرودا:
   " الشعر طول عمره تهمه غامضه
       وكل شاعر وله جزاء
      ولو يغنى للشعب زيـّك
       تبقى مصيبه وأس البلاء
       يلحق بلوركا ويقابله لوركا
       هناك في مستنقع الدماء" [8]
ويقول أيضا :
           " الشعر لحظه تمنها غالى
              بوشكين يقول لك وابو العلاء "
ويحكى في قصيدة "مرافعة" عن ذلك الكابوس الرهيب الذي أيقظه من نومه؛ وقد  رأى نفسه متهما، يحوم القضاة حوله" كالحدادى" تريد الفتك به وهو لا يعرف ما تهمته.. ولكن وعيه العميق الباطن بأن الشعر طول عمره تهمة غامضه يجعله ينطلق في مرافعة حماسية عن شعره:" باقول والكلام منى طالع نحيب".. ثم يروح يؤكد لقضاته أن كلامه ضروري لاستمرار الحياة، بل هو الحياة ذاتها، فالكلام":
          "بسيط .. زى دمعة برئ
           بسيط زى وحش جعان في الفلاه
           قوى زى صرخة غريق بينده لقارب نجاه
           بينده بينده بآخر قواه للحياه
           قوى زى بلطة رجال الحريق فوق بيبان الحريق"[9]
وهو ما يعتبره " جاهين"  أمرا طبيعيا وبديهيا، تؤيده كل الشرائع السماوية كما تؤيده الطبيعة ذاتها:
        " سيادي القضاه
           سيادى الكرام، العظام، الفخام، العلاه
            دفاعى مؤيد
            مؤيد بكل الكلام العظيم
            بتوراه، بإنجيل، بمزامير داوود
             بقرآن كريم
            دفاعي مؤيد بكل أنين الكمنجات في كل الوجود
            بكل حفيف النسيم
            بقولة " باحبك " و "آه "
            وكل ابتسامه بحق وحقيق"
وبعد أن يعد مرافعته ويتأكد تماما من قوتها، فإنه يطلب من القضاة أن يعرف ما هى تهمته :
        "لكن قبل ما انطق واقول كلمتي قولوا لي انتو إيه تهمتي! "
إن ذلك العنفوان الغنائي الذي كان يتميز به جاهين بمفرداته الحسية والفيزيقية التي تستطيع أن تلمسها بحواسك، بل وتكاد تؤمن بصدقها إيمانا دينيا، تلك المفردات المستقاة من أكثر خرائط الوجود جهارة وحماسة، والمحمولة على إيقاع احتدامي نضالي صاخب وفوار، كل هذه الطاقة الشعرية لم تكن سوى ترسانة الأسلحة التي يخوض بها جاهين معركته ضد المعلن وغير المعلن من أعداء الحياة والبشر، ضد الاستعمار والتخلف والجمود والفساد وغدر الأصحاب، ضد الموت والعجز والهزيمة والسكوت، ألم يقل "جاهين" " في قصيدة "كلام في السياسة"
       "بيني وبين أيامي حرب ماتنتهيش"[10]
 أليس هو القائل في الرباعيات:" خوض معركتها زى جدك ما خاض" ؟
هكذا رأيت  كبرياء صلاح جاهين؛ أجراسا مجلجلة يقرعها ليتحرر هو نفسه من الخوف والأسى، ثم ليحرر الحياة أيضا مما يعوق تقدمها ويعطلها.. انظر إلى هذا الإيقاع في قصيدته "مرحب" المهداة إلى أسوان السد:
     "جيت لك حزين وجريت على المطرح
        مطرح ما باجى كل عام أفرح
       وسط العرق والجد
        وسط الغبار والبرق والديناميت
        والانفجار والرعد والجرانيت
        نازل كتل كتل كتل، حتاحيت
        والكراكات جنب الجبل كتاكيت بينقروا الفتافيت
         أعوذ بالله من الكابوس المقيت
         حسيت كإنى قمت من تحت الركام وحييت
         وبالأسى بينزاح على قلبى
         والكباشات بتناطح الجلاميد وبتعبّى" [11]
هذه هى أجراس جاهين؛ خمره المسكرة التي تنسيه أحزانه ومخاوفه، عجبي -  وهذه  من عندي - حين يسكر الشاعر من أصوات الانفجارات والرعد والديناميت والجرانيت والكراكات والكباشات والجلاميد.. إنه الإعلاء والتسامي الجاهينى الذي يتجلى في عنفوان العمل
      " حسّيت بإنى عليت عن كل أحزانى
        مع كل مدماك يترفع في السد والتانى"

ضد الصمت .. ضد الكتابة 
 الصمت هو قرين الموت والعجز عند صلاح جاهين، كما كانت الكتابة سجنا للكلام الذي يطلبه جاهين فوارا، كما في هذه الرباعية:
   " منين أجيبها كلمه متألمه
     لعبيه، فايره حايره ومصممه
     منين أجيب كلمه تكون بنت أرض
     تشفى اللى ماشفاهوش كلام السما"
لذلك كان نضاله مزدوجا، ضد الصمت وضد الكتابة معا. لا يريد أن تتحول نبضات قلبه إلى مجرد "علامات مرئية جامدة" لذا فهو يناضل لكي يُسمَع لا لكي يُقرأ، الكلام عنده - كما يرى أفلاطون في الشفاهية - هو الصورة الأصلية للغة قبل أن تحولها الكتابة إلى عالم غريب[12]. يريد لكلماته أن تكون "وقائع إنسانية حية"،  فهو حين يقول في قصيدة " أسوان "
        "باكلم الناس كلهم من هنا"[13]
 فإنه بالتأكيد لم يكن  يشير بكلمة - هنا - إلى الصفحة المكتوبة، ولكنه كان يشير إلى قلبه، مصدر كلامه، وعلينا إذن أن نسمعه كما يريد هو أن يُسمع:
" باكلم الناس كلهم من هنا
وباقول لهم وللحياه مرحب
ودى كلمه ياما اصعبها ياما اصعب
لو تنطلق من هنا
م الصدر من ع الشمال
من قلب شال أحمال ماهيش هيّنه
يا قوة الله
أحمال جبال في جبال ياولداه "
إذا كان هذا هو نضاله ضد سجن الكتابة،  فما بالنا بنضاله ضد قهر الصمت وقضبانه ؟ هل يمكنه أن يبتلع صوته وقلبه ينوء بكل تلك الأحمال"يا ولداه" ؟..  ليس أمامه - إذًا - غير أن يفك "زراير صدره" ليطلق من جوفه حمما كاوية، يقول في قصيدة "غنوة برمهات":
  "   حسيت به في ضلوعى كإنه الحليب
      في بز مطروده بلا طفلها
     الدمع، لأ ده الدم، لأ ده اللهيب
      لأ ده الكلام أحمر ملعلع رهيب
      كما شمس عز الصيف بتقدح صبيب
       آه يا لهيب زعابيب بؤونه وأبيب
        أنا صدري قلعه نحاس
        صهدت على الحراس
        داخوا ..
        ولما زاد الصهد ساح قفلها
        ملعون في كل كتاب يا داء السكوت
        ملعون في كل كتاب يا داء الخرس"[14]


هذا الغضب الذي يفجر به أقفال القلعة لم يكن أبدا غضبا مدمرا شريرا، أو هياجا أعمى تحركه شهوة 

التحطيم والانتقام، بل انفعال المقهور كأم أبعدوها عن رضيعها، هو ذلك المزيج الموجع من الحليب 

والدمع والدم واللهيب، الحزن والغضب، الثورة واللهفة والحنان .. مزيج لا يمكنك  أن تميز بين أخلاطه 

وعصاراته من شدة التهابه .. فالشاعر كما الأم في القصيدة مبعد عن محبوبته وراء جدران الصمت 

المنسوجين عنكبوت، لا يحتمل ما يعتمل داخله من ثورة، من حنان مهدور ولهفة،



  ولا بد له أن يغنى وإلاسيموت:
                    



         أنا قلبى طير خير إن ماغناش يموت "

لذلك فما أن يحطم الشاعر أغلاله حتى ينطلق بقلبه إلى حبيبته، مقسما لها أنه أبدا لم يخن العهد:


   " يا صاحبة الحيرانين
     
 صاحبك يحبك من سنين، من سنين

وحياة ليالى الحنين والفجر والسهرانين
والصبح والعشمانين
والضهر والعرقانين والعصر والتعبانين
والمغرب المرعب وما فيه من عذاب مجانين
ما ودعك صاحبك ولا خان هوى
ولا من عذاب الحب قال يانجا
مهما انضنا وابتلا
ولا عمره قال يا أنا"
تلك الحبيبة التي نتبين في ملامحها الوطن الذي ينتمي له الشاعر، وطن الشقيانين والعرقانين، وطن الحبيبة التي  تسكن بيوتا "بلا لبلاب ولا ياسمين" مصر العششش والحوارى الغواط. الشاعر منحاز يتوجه بقلبه ناحية بيوت بعينيها:
  "رفرف يا طير قلبى على بيوت بيوت"
" وعلى العشش وعلى الحوارى الغواط
ياقلبى لما تروح
ما تروحش لا بلبل ولا وطواط
روح زى ما انت
قلب له ألف عين
وألف ودن وألف ألف لسان
ولو في شهر القهر طوبه الجبان
اسمع وشوف الهم طالع منين
ياقلبى يامليان
قول للى في البيت الصفيح:  افتحوا
صاحبكم الغايب رجع : صحصحوا
صاحبكم اتلطم كتير، اصفحوا
يا ساكنين الصفيح : استبشروا وافرحوا
أنا مانيش المسيح عشان أقول لكم:
طوبى لكم غلبكم
لكنى باحلف لكم .. باحلف بكم وباقول :
الدنيا كدب ف كدب وانتوا بصحيح "
الصبة الجاهينية
  إن الحديث عن الإيقاع عند صلاح جاهين يحتاج وحده إلى دراسة مستفيضة، حيث يشكل عنصرا مهما من عناصر بناء عموده الشعري، وعذرنا - إن كان لنا عذر-  هو أن سياق هذه الكتابة قد وجهنا وجهة أخرى، ومع ذلك فقد حاولنا - ربما -  من خلال بعض الإشارات السريعة والاستشهادات من الأشعار نفسها أن نلفت النظر إليه، كما أن من المهم أيضا الإشارة إلى أننا لا نستطيع أن نفصل، عند صلاح جاهين،  ما بين الفكرة والكلام والانفعال والإيقاع والخيال.. حيث تشكل جميعها " صبة جاهينية " مممتزجة ومنصهرة.. ولعلى أغامر الآن حين أعلن مسئولية ما يمكن أن نسميه بـ" الخيال الانفعالي" الذي يتمتع به جاهين عن هذه الصبـّة؛ حيث لا تتوقف مسئولية هذا الخيال عند ابتكار الصور المدهشة والجديدة فحسب، بل تتعدى ذلك إلى اختيار مفردات بعينها، وتخليق الإيقاع الضروري، حتى الأفكار نفسها والموضوعات فإنها تخضع - من هذا المنظور - لما أسميته توا " الخيال الانفعالي " .
وبعد ..
هذا هو جاهين الذي عرفته ولمسته في قصيدتي.. ولكنه بالتأكيد كان أكبر من أن تحتويه هذه الشبكة، كانت شبكتي متواضعة للغاية (مش على قد المقام) فبينما يقول هو في  قصيدته" غنوة برمهات"
" روح زى ماانت
 قلب له ألف ودن و ألف عين وألف ألف لسان"
 جعلته أنا ينزل بهذه الأرقام في قصيدتي فيصف نفسه بأنه " شجرة بسبع ترواح .. طيره بسبع تلسن"
 ولكن عزائي هو أنني  لمست  في هذه القصيدة بعضا من كبريائه، حين جعلته يقول :
   " أنا عجوز الملاحم
شاعر عموم الميدان
الشعر ضربة معلم وانا المعلم،أنا
شجره بسبعة ارواح
طيرة بسبع تلسن
وقلب كيف الجمر في خيام القبيله
كيف الفوارس في النزال"
كما لمست عشقه الفائر للناس والحياة، ذلك العشق الذي  ولد معه،  كما ولد معه - في  اللحظة ذاتها-  الخوف ومعرفة الموت، قلت:
" الدايه نسيت سرتى مفتوحه
خشوا الناس وخش اللى مايتسماش
الوحش/ الموت
انحزت طبعا لى يشبه لي
وخرجت شاهر سيفى وباغنى"
    فهل تحررت منه بعد أن كتبت هذه القصيدة بصوته وإملائه" منه وفيه وإليه"؟ 
هل نجحت شبكتى في لملمة إيقاعاته كلها من داخلي والاحتفاظ بها على مسافة آمنة، خارج صوتي، أم انه تسلل خلسة - ثانية - واحتل مواقع أخرى من روحي أكثر خفاء ومراوغة؟
على أية حال أقول:
" مرحب جاهين، مرحب جاهين مرحبا
  فعليك السلام أينما حللت، فأنت صاحب البيت، وصانع البيت
لك حق الإقامة والدخول والخروج كيفما شئت، ومتى شئت.
.. موت مين ده ياصلاح ياجاهين اللى يحوشك عنى "
تصبح على خير.







[1] صلاح جاهين ، عن القمر والطين، مكتبة الأسرة،الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص9. 
[2] محمود الحلواني، خيمة في الليل، الهيئة العامة لقصور الثقافة، سلسلة إبداعات رقم 2،فبراير 1995 ص8.
[3] صلاح جاهين، قصاقيص ورق، دار ابن عروس للنشر1382ط2 ص171 .
[4] صلاح جاهين ، قصاقيص ورق ، دار ابن عروس للنشر  1382 ص204 .

[5] انظر قصيدة غنوة برمهات ، ديوان قصاقيص ورق، ص10 ، سابق.
[6] انظر قصيدة فنان، ديوان قصاقيص ورق، سابق، ص 204 .
[7] انظر قصيدة " ليلاتي من وفي إلى روح صلاح  جاهين" ديوان خيمة في الليل، مرجع سابق.
[8] انظر ص 170 ، ديوان أشعار العامية المصرية، مركز الأهرام للترجمة والنشر، 1987 .
[9] انظر ص25، قصاقيص ورق، سابق.
[10] انظر ص108 ، عن القمر والطين ، سابق.
[11] انظر ص 72، قصاقيص ورق، سابق.
[12] انظر نظرية التأويل د. مصطفى ناصف، النادي الأدبي الثقافي، جدة، 1420 ه.
[13] انظر ص72 ، قصاقيص ورق، سابق.
[14] انظر ص215 ، قصاقيص ورق، سابق.




· الثقافة الجديدة الهيئة العامة لقصور الثقافة ، عدد  166، ابريل 2004 . 



التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.