الرئيسية » , , » «حيزٌ للإثم»... أنسنة المقدس وأسطرة الواقع المعيش بقلم/ محسن البلاسي

«حيزٌ للإثم»... أنسنة المقدس وأسطرة الواقع المعيش بقلم/ محسن البلاسي

Written By GPP LTE on الخميس، 25 يناير 2018 | 9:19 ص

«حيزٌ للإثم»... أنسنة المقدس وأسطرة الواقع المعيش
بقلم/ محسن البلاسي


«سلامٌ للقوةِ في ألا أسَمِّيكِ» ومضة من افتتاحية ديوان «حيز الإثم» للشاعر مؤمن سمير تصلح كعنوان وخريطة للديوان، حين قرأتها تذكرت قول مالارميه «إن تسمية الشيء يجرده من ثلاثة أرباع سحره». الديوان عبارة عن جسد حي يمتد في الأزمان والأمكنة، جسد لعوب.
هذا الديوان له جسد ونفسية خنثى، ديوان مذكر بنسبة 50% ومؤنث بنسبة 50 %، يلمس بحساسية مزدوجة اللاوعي الإنساني بعدسة واسعة. الديوان تذكرة لرحلة إلى الفناء في الطاقات السحرية للغة، لغة تجرحك وتصدمك وتروعك، مغلفة بضباب شامل من المشاهد المتشابكة التي يتم إدراكها حسيا، ويتزاوج عبرها المجرد بالمادي، في عذوبة تربط بين الطبيعة الباطنية للذات الشاعرة وبين الواقع الخارجي، حين يبتعد الشاعر عن الوصف الخالص ويلجأ إلى استيحاء الدواخل الحسية للتعبير عن الذاتي والموضوعي الحزين والتائه والمفعم بالشبق.
يدور الصراع الوجودي عند الشاعر في الجسد كما يدور في العقل ويسعى على استحياء إلى  تحطيم الرضوخ للمقدس بل أنسنته أحيانا. ويرسخ الشاعر رؤيته في أن العقل بغير الجسد يعيش في عالم منفصل، والجسد بغير عقل ما هو إلا وعاء حيواني مليء بالصراعات التي تدور حول نفسها، وأن الخلاص يكمن في التوحيد بينهما.

حين أغلقت آخر صفحات الديوان تجسد أمامي المحب المصلوب على صليب التيه، الباحث عن ملاذ ما بلا اسم، وأحيانا الباحث عن الصلبان وتيجان الشوك، المحب الممسوح جسده بزيت الخطايا. بالخطايا نحيا ونتحرك ونوجد، جميعنا منها وإليها. تجسد أمامي المحب المتسلسل بشبقه المتوحد مع خطايا الكل، والكل هنا هو كل الأشياء المتماهية، ربما تكون السماء، الأرض، الإله غير المرئي، الجسد الآخر، أو الأجساد الأخرى، المعشوقة بعقلها وجسدها، الوعي الجمعي... إلخ.
الذات الشاعرة تتجسد في المحب الباكي الصارخ النادم، المذاب في التيه، والمذاب في الحلم الممزق بالأرق، يضرب الأرض بقلبه وبقدميه، لتنفجر أشلاء ذكريات الحبيبات والأزمان الراحلة، يبعثها من رماد الموتى، ويسلب من الأساطير الدينية هيكلها، ويضع لها هياكل بليونة الماء، هياكل تتعانق فيها الأزمنة في حاضر حي يمرق الشاعر مجازا ورمزا.
مؤمن سمير يعطي الأولوية للعالم الداخلي النفسي على العالم الخارجي الواقعي، ممسكا بمطرقة ما هو تأملي وأسطوري، ويطابق بين ما هو مرئي وغير مرئي، بسلاسة مفعمة بالحزن والمروق والألم، في عوالم التطابق الكامل بين الروح والجسد والأسطورة. بينما يرتدى قلم الشاعر إحساسا وشعورا مستترا ورمزيا، يتعامل مع الزمن الحاضر كنهاية للزمان، بل يصل إلى دمج الطقوس القديمة للأساطير بسحر اللغة، لتكون مرآة رمزية للواقع المعيش.
في قصيدة "حيز الإثم"، وفى قصائد أخرى، يضفر الشاعر ومضات من المصطلحات اليومية الدارجة والمستخدمة في العامية  المصرية مع الفصحى التقليدية بانسيابية وبراعة تصب في رأس المتلقي دون أي شعور بنشاز موسيقى أو لغوى، وهنا في رأيي تتجلى تقدمية النص، حين يقول:

«غَطِّيني بخطوةِ سجادتكِ وطيري وإن حاذاكِ ارجعي إلى مربعاتِكِ ووشوشيها:
جثتنا بريئةٌ يا رب... شاركناها حَيِّزاً أرحبَ من ابتساماتِها وكونها تومئُ للوحشِ وتقتنصُ الأفاعي...
.. وعلى قَدْرِ فتحة القَوْسِ شيليني وحُطِّيني
وسيبي رائحةً أنادي بها عَوَزي لذاتِ الخوفِ،
أقصدُ
لنا...، .................................»
أما في قصيدة «أصوات تحت الأظافر» يتجلى السقوط الأيروتيكي الحر نحو ماضي الذات الشاعرة، نحو الفكاك من السلطة (الأب والأم) هو جني مارق يمزق كل السلطات والقيود، ليسافر عبر الزمان ويستحضر الغائب البعيد، متحدثا ومناجيا الرغبات والشهوات الأكثر بعدا وغموضا، التي تحرك النفس الإنسانية في أعماقها.
تتحاور وتتضافر وتتحد أكوام الشهوات الرغبات والأزمان المفككة   في القصيدة بالحنين للأصول، والحنين للماضي الراحل، الحنين للتوحد مع الأجساد والأشكال والأزمان والاشتياق للموت، يتحد مع الرجاء والانحدار. فالقصيدة لا تدور حول مركز واحد، تنتظم حوله ذكريات مبهمة وأحلام ناقصة وشبق ناقص وفي نقصانه الكمال، حين يقول:

«كانت أمي تَشوفُنِي مبروكاً وتَقْلِبُ رعبها مع الجاراتِ والحقلِ زهواً، بالولدِ الذي تكبرُ جُثتَّهُ في المساءِ ويُحيي الكتاكيتَ ويصنعُ من ماءِ الأكفانِ فطائرَ وعرائسَ ورقيةٍ تُظهِرُ عيونَ النارِ المُخَبَّأةِ...........»
وفى جزء آخر من نفس القصيدة، يقول:
«نقطةُ الضعفِ البكورِ، المرسومِ على مقاسِ الغادياتِ للجدولِ الراقصِ تحتهنَّ، هنَّ السؤالُ ورونقُ السرَّ.. أكونُ في عُمقِ لياقتي وعظامي وأنا أخترقُ دِقَّةَ رسمِهنَّ وشمسَ الأعضاءِ، الصدرُ الذي كأنهُ حَجريْنِ من جهنم، الأردافُ المستقاةُ من رقائقِ المطَّاطِ المُذابِ في قلوبِ العُصَاةِ... ثم السَوْأةُ، آهٍ عليها، تلكَ العتمةُ التي تُحاكى بهاءَ الجحيمِ ورعشةَ أعصابي لمَّا بلبَلَ الربُ لساني وكرةَ اللهبِ الشبيهةِ بأحضانِهم»
وتتوالى القصائد والحبيبات والأجساد والتغيرات، ويتوالى الربط   بين جغرافيا المكان والأجساد بطيفية ساحرة تعبر من الذاتي إلى الموضوعي بسلاسة وإتقان وملحمية أسطورية، تصطحب معها أساطير الميثولوجيا في رحلة عبر الزمن والأجساد والأمكنة، بإيقاع رومانسي جنائزي يصب في بوتقة بانورما أيروتيكية متماسكة. يستعرض الشاعر صورا بصرية وذهنية، ينسج منها ثوبا من قصائد الحداد على الحب والجسد والماضي، وهو صائغ ماهر يرسخ روائح الحداد في كل ثنايا الديوان، ويطرز شهوات تثور وسط مشاهد متعددة للركود والهمود.
لقد نجح مؤمن سمير في عزف مونتاج سردي يداعب شهوات المتلقي الجامدة وينبها لوحدة المكان والأجساد، ليثبت أنه شاعر قدير ومتمكن. ارتويت من ديوان «حيز الإثم»، وأتعطش للمزيد من السفر في رحلات إلى عوالمك، يا شاعرنا الماكر.


التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.