الرئيسية » , , » الشاعر اليمني هاني الصلوي يشرّع القصيدة على متاهة اللعب | صبحي موسى

الشاعر اليمني هاني الصلوي يشرّع القصيدة على متاهة اللعب | صبحي موسى

Written By GPP LTE on الأربعاء، 24 يناير 2018 | 4:21 م

هاني الصلوي، واحد من أبرز الأسماء العربية التي احتضنتها القاهرة في السنوات الأخيرة. هو مؤسس «ملتقى النص الجديد» الذي يعقد في شكل دوري منذ 2009، صدرت له دواوين شعرية عدة، منها «على ضفة في خيال المغني»، «ليال بعد خولة»، «ما لا ينبغي أن يقال»، صدر له حديثاً في القاهرة ديوان «رقبة مسالمة تخرج من تحت أظافري» (أروقة).
يفاجئنا الصلوي دائماً بألعابه الفنية المتباينة في أعماله الشعرية، بداية من العناوين التي تحمل طابعاً من الغرائبية وعدم الاكتراث بقداسة الشعر أو قداسة المتعارف عليه فيه، وصولاً إلى الموضوعات التي يختارها للكتابة، وكأنه يبحث من داخله عن النص الجديد المُدهِش، ليس على صعيد قصيدة النثر التي ينتمي فنياً إليها كغالبية جيل التسعينات في الشعر العربي، ولكن على صعيد «ما بعد قصيدة النثر»، هذا المسمى الذي آمن به الصلوي؛ إلى حد تأسيسه ملتقى خاصاً به. وإن كانت فعاليات ودراسات وأطروحات ذلك الملتقى في مجملها وعلى مدار سنواته المتوالية؛ لم تفارق بعد خيال قصيدة النثر، إلا أن ذلك لم يمنع الصلوي من الإيمان على المستوى الذاتي بالفكرة، ومن ثم توالت ألعابه الفنية في نصوصه سعياً وراء الوصول إلى ما بعد إنجاز ما عرف بالحلقة الشعرية الأخيرة في مسار الشعر العربي. «أي: قلب أعرج. أي: روح شاردة. أعني أنه لم يمر شخص من الزاوية». هكذا تتكون ملامح ما بعد قصيدة النثر، حيث تجيء القصيدة الرقمية برموزها، وكأننا تحولنا من عالم الكتابية إلى الشفهية الممتزجة بالأيقونات أو الصور، لنجد أنفسنا أمام حالة جديدة، ورؤية مختلفة ومدهشة، لكنها في حاجة إلى فرض رموز شفراتها على قارئ النص، كي يتمكن من التواصل مع الأفكار والرؤى وربما البلاغة الأيقونية الجديدة. ويبدو أن الشاعر اليمني هاني الصلوي قد بدأ في هذه المحاولة حول تعريف أو شرح معنى مجموعة الأيقونات التي وضعها في السطر الأول، موضحاً أنها (أي ـ أعني) قلب أعرج أو روح شاردة. ومن ثم تجيء قصيدة «تعريفات» على هذا النحو: «دوار البحر: سمكة. داء الفيل: ::: حمامة. رأس الرجاء الصالح: جَدي. الفوتوشوب: زوجة أبي. إذن: ستضحك حواء في بطن مايا أخيراً». هكذا يستخدم الصلوي الأيقونات الرقمية لإحداث انزياحاته في البلاغة اللغوية المعتادة، فبمجرد رؤية الرمز يتم استدعاء دلالته المعتادة ولكن في سياق جديد، وهكذا يضع الشاعر أولى شفرات النص الذي يسعى للوصول إليه، وهو ما بعد قصيدة النثر، حيث عالم الكمبيوتر ومفرداته وخياله وقوالبه التي أحدثت انزياحتها في اللغة المعتادة، كما أنتجت بلاغتها الخاصة لدى المتعاملين بها، لنجد أنفسنا في النهاية أمام قصيدة بعنوان «طفح روحي»، تجيء على هذا النحو: «تلك.............. .. تكـْ .........تكـْ.......... صورتها». يصعب القول أن الصلوي لا يعرف قصيدة النثر جيداً، ولا أنه لم يطلع على تاريخ الشعر العربي ومساراته ومدارسه، فثمة العديد من النصوص تنتمي بوضوح إلى النص النثر، حيث يكاد ينعدم إيمان الشاعر فيها بما يسمى الايقاع أو القافية، ومن ثم فلا حضور للخليل ابن أحمد في مخيلته سواء بالرفض أو القبول، وكأنه لم يسمع به يوماً ولم ينتبه إلى حضوره في المنجز الشعري العربي. لكن لغة الصلوى تفضحه، وتؤكد أنه أحد الأبناء اليقظين الذين جاءوا من سلالة التاريخ الثقافي الطويل للشعر العربي: «يقف المشاع وحيداً يود لو/ بزغت سلحفاة من الكهف/ فأعطته مفتاحاً أو حبكة يتباهى بيقظتها/ ويلاه لو أحنيتُ رأسه قليلاً/ فرأى الأنف يطارد الطحالب/ أو نشرتُ مسبغته على السور». لا يختلف استخدام الصلوي للعناوين عن استخدامه أيقونات لوحة المفاتيح، فثمة حضور واضح وقوي لمخيلة الكمبيوتر وعوالمه، بداية من شكل صفحة الكتابة وأدواتها وصولاً إلى الإنترنت. ومن ثم تتسع اللغة لتشتمل على المفردات الأجنبية برسمها الأجنبي، كما تتسع لاستقبال الأيقونات، ويصبح السؤال مجرد علامة استفهام تتكرر ثلاث مرات. كما يستخدم الصلوي أنواعاً من الخطوط في النص الواحد، وكأننا أمام مستويات فكرية ودلالية تتغير بتغير الخط ودرجته، ويصبح بياض الصفحة هو بياض مماثل لصفحة الكمبيوتر، حيث تتناثر الحروف على هيئة أيقونات صغيرة، لكنها سرعان ما تنتظم لنجد أنفسنا أمام لوحة كبيرة، فننتقل من التفكير في الخط المكتوب الى اللوحة الفنية المرسومة بالخطوط العربية، ومن دون كثير من الجهد سنتذكر أن ثمة برنامجاً يقوم بمثل هذه الألعاب يعرف بـ «غرافيك». هكذا يسعى الصلوى إلى الوصول إلى النص الذي دشن من أجله «ملتقى النص الجديد»، وهو النص الذي يستخدم الصورة أو الأيقونة ممتزجة مع الخط المكتوب ومع المفردات الأجنبية برسوماتها الأجنبية، ليمنحنا دلالة واعية بأننا في عالم ما بعد الحداثة، حيث تتعد الأقطاب والمراكز والأيقونات، يتداخل الهامش مع المتن، وتنتج البلاغة من الرؤية المنقوصة، ومن الفراغات المطروحة على وجه الورق، حيث يصبح القارئ هو المنتج الأول للنص، وما الشاعر إلا محفز على استثارة الخيال، ويمكن بقليل من الجهد أن ينتج لنا مبرمجو الحاسبات الآلية برنامجاً يمكنه كتابة «نص ما بعد قصيدة النثر» وفقاً لطرح الصلوي وشفراته، وهو الأمر الذي قد يتندر البعض عليه الآن لكنهم قد يرونه واقعاً خلال سنوات قليلة.

التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.