الرئيسية » » أصابع بيضاء تكسر العتمة قليلا | عبد الغفار العوضي

أصابع بيضاء تكسر العتمة قليلا | عبد الغفار العوضي

Written By GPP LTE on الأربعاء، 20 ديسمبر 2017 | 11:48 ص

أصابع بيضاء تكسر العتمة قليلا:


بالأمس ..كنت أمسك بخيوط الطائرات الورقية، 
التى صنعتها من الغاب وعجين الدقيق، 
ملونة بالورق الملون الشفاف،
يدى تتحكم بمصائرها بدقة 
والسماء عجوز تنظر إلى فستانها الواسع فى الأسفل 
بحزن 
الليل يهبط بهواء ثقيل ومتراخ

فى الصباح 
خطوط يدى ممحوة مثل إشارات مكسوة بغبار كثيف

أنهار جافة محفورة فى باطن يدى

مدينة هائلة اختفت للتو داخل متاهة العقل 
لم يبق سوى العض الأزرق للركض على ساقين نزع منهما جلد الوقت...

سماء عجوز تنظر إلى وجهى الغريب فى شراسة 
وهى تبعثر الخيوط داخل فستانها الواسع 
وأنا أنظر للطائرات المنفلتة من يدى 
تسبح بعيدا.

(1)
طفل بعينين تعلمتا الألوان منذ قليل 
انتقل مع أبويه إلى بيت جديد 
بيت فقير بالطوب الأحمر
الأسمنت دهن ثقيل يسيل من لحم الجدران
والسقف قلب حجرى لا يسمح بعبور الدعاء إلى السماء
طفل لا يفرق بين دم أحمر 
يحفر خمس أصابع ليد على الجدار البسيط العارى
كف متشنجة الأصابع من البرد 
وبين طوب أحمر يحاصر الغرفة بالكامل
الأحمر كان بديهيا كلون غريزى
أحمر يشبه القتل المنظم 
الثورة 
اندفاع ثور الدم فى برارى الجسد البدائى

حتى الحصيرة البلاستيكية التى تغشى عين الأرض 
كانت حمراء
أحمر
ماذا يفعل طفل بالألوان الأخرى 
الزائفة! 
التى لا تستطيع تغيير الملح المر
للذاكرة.

(2)
بجنيهات قليلة نشترى قصصا خرافية
نحن الأطفال الذين نصحو مبكرا 
لنرى الشوارع خالية من سلطة الماكينات الكبيرة 
وعيون الآباء الجاحظة 
الحكايات التى تكتب طفولة العالم 
التى تشكل وعينا البدائى بالأرض ، بالوحوش التى تتأنسن فجأة لتتحول إلى بشر ،بالغابات التى تتكلم وتخبرنا عن مكان الأفخاخ ، بالجنيات التى تصطاد فتية حين خرجوا باحثين عن حب خرافى. 
العالم معادلة بسيطة من الخير والشر 
ينتصر الخير فى النهاية 
لكننا لا ننسى دائما أن الشر هو من ابتدأ الحكاية
نتذكر دائما هيمنة قوة الشر المطلقة 
جمالها الهادر 
نقيضها الغريزى للخير الضعيف والهامشى والذى يحتاج دائما لتدخلات إلهية 
الشيطان الذى يكبر مع تفاصيل الوعى
فى الحرب العائلية نختار دور الوحوش 
ونختبئ بمكر داخل الخنادق المصنوعة من القش 
ندبر الفخاخ 
وننتظر وقوع الخير كفريسة هشة!

(3)
المصابون بالتوحد 
الأطفال الذين يرون العالم بمنظور عكسى 
الذين يحلمون باصطياد الآخرين وشنقهم داخل لاوعيهم الحر 
التخلص من الأسباب العقلانية للحياة 
والعودة إلى الإنفراد بالذات 
التلصص عليها من وراء العين التى ترى الداخل.

(4)
كان نوح يرتب الكائنات ضمن صراعها الطبقى 
البشر فى أعلى السفينة 
الحيوانات فى المنتصف 
الفئران والحشرات فى قاع السفينة.

(5)
لم يكن ثمة طوفان 
كانت هندسة العالم فى احتياج لفوضى جديدة 
اختراع الماء كان موازيا للغرق داخل الشعور الوهمى بالإثم 
عدم اقتفاء الإشارات مرة أخرى 
العودة إلى البذرة الأولة لتفاحة سوداء 
خالية من التناقض.

(6)
الجنود يجلسون على حواف الصحراء
دائما الصحراء ثغرة فى الجدار الوهمى للبلاد العتيقة 
يلبسون معاطف مموهة بلون الرمل 
ولون الطحالب التى تنمو على البنادق الرمادية المغبرة
حين لا يجدون عدوا مقنعا 
يصوبون نحو جبهاتهم التى يسيل منها عرق غزير 
لا نساء هنا كى تمسح رتابة القتل عن خدودهم الخشنة
فى المساء 
يحكون طويلا عن الأعداء 
الذين تنكروا داخل وجوههم 
حتى أصبحوا متشابهى الملامح 
نفس الصوت الخارج من فوهة الحنجرة 
نفس الخوف القابع داخل العيون 
وهم ينظرون إلى الجثث المتعفنة التى تجلس بجوارهم 
دون أن يجرؤوا على دفنها!

(7)
بائع الجرائد 
الذى يفتح كشكا فى وسط المدينة 
ملامحه تزداد تغضنا بفعل الوقت 
الذى يراقبه بدقة شديدة كل صباح 
فى تواريخ الأخبار.

(8)
البيوت الطينية فى أطراف المدينة 
التى تتحول إلى حراس عجزة يحملون بنادق صيد صدئة 
متآكلة الأطراف..

(9)
القطط تنام بجانب الأرصفة 
تحت اطارات السيارات الباردة 
بجوار صناديق القمامة 
على حافة أبواب المساجد 
الشرفات التى تطل من بيوت فى الدور الأرضى 
فى الأماكن القصية المهجورة من المدينة
إنها دائما ما تحاول أن تكسر العزلة
تخمش العتمة قليلا بموائها الخافت
أنسنة الفراغ الهائل الذى تتركه قوافل البشر 
الذين يتركون خلفهم كل هذا الثقل من الغربة 
وهم يتجهون داخل بيوتهم المحروسة من خواء الخارج. 

التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.