الرئيسية » , » كاظم خنجر يسلخ أفخاذ الشعر ليعري بسكاكينه موتاً وجثثا وأشلاء تشكّل وجه العراق

كاظم خنجر يسلخ أفخاذ الشعر ليعري بسكاكينه موتاً وجثثا وأشلاء تشكّل وجه العراق

Written By GPP LTE on السبت، 23 ديسمبر 2017 | 11:29 ص

أن تُغوي الموت لتكتب مرثيّة رَحيلك
كاظم خنجر يسلخ أفخاذ الشعر ليعري بسكاكينه موتاً وجثثا وأشلاء تشكّل وجه العراق.
باريس-عمّار المأمون.


يُلملم أشلاءً، أصابعاً، سيقاناً، أكباداً مهترئة من البكاء، ليشكلّ بنصلٍ غير مسنون لوحة لعراق ما عاد يشبه إلا الموت، ليجزّ اللوحة بعدها واضعاً رأسها على ظهر دجلة ليطفو بعيداً يتأمل تلويحات من بقوا على ذمة الموت أحياء، رؤوس تطفو، رؤوس معلّقة، شِعر على ألسنتها أن تعالوا، الرأسُ أخف إن فقد الجسد، الشاعر العراقي كاظم خنجر، يكتب في ديوانه  “نزهة بحزام ناسف” الصادر عن دار مخطوطات هذا العام يوميات موته المُؤجل، شهادته على أشلاء تتشابه لربما إن أعاد تكوينها شابهت أخاً أو أباً أو عراقاً كان.

قبل أن نبدأ نزهة الشرّ مع خنجر، نرى ما يدعوه بـ”ختم الكتاب” علامة بصرية لأصابع/ رصاص تخفي وجهاً، وسم أن ما نقرأه ممهور بأصابع مقطوعة ورصاص، التشكيل البصري المرتبط بالوسم، الختم، يعني أننا أمام وثيقة تحمل مرجعية شبه رسميّة، وثيقة أن الموت متصالح مع الشاعر وقد مهره صلحه بختم ما، ما نقرأه له شهود، لا يتغير، ثابت كانفجار لا يتفاوت قتلاه إلا بالأسماء، الوسم هو تكثيف بصري لما هو قادم، صيغة أيقونية كوشم على الأجساد أن ما سنقراه له صاحب، له شاعر أو شعراء، إلى جانب ضحايا كانوا يوماً آباءً وأمهات وأطفال، وأن أولئك القتلة/ الشعراء مازالوا مبتدئين في تشغيل ماكينة الموت، يقول فيهم خنجر “نحن قتلة صغار/أصغر من قطرة دم/ نقتل من أجل الحكايا والقصص”.
شعرية الانفلات
في ديوان خنجر يفقد الجسد حيويته كوحدة عضوية وظيفية، يتفكك أشلاءً بفعل الموت، ليأتي الشعر كإبرة صدئة بيد أمّ تحاول ترتيب اللحم المتهتك، لتجمع تكويناً عمن رحل، جسداً، ولو حتى ناقصاً، لعناق حتى لو دون يدين، وكأن الكلَ يحتضن الكلَ، كتلٌ من اللحم تشعّ ذاكرة وحباً، في مواجهة الحرب ومفرزاتها الحديديّة، خنجر يتأمل في نزهته أرضاً يباباً، تتمشى تُهم الموت بين كائناتها، اللحم البشري بتشققاته ودمائه يتغلل في المدينة وشخوصها، كَمزارِع للذاكرة بذارها الكُلى والأعين والشفاه.
 الجسد المتشظّي معادل  شعري للحنين، بوصفه دفقاً عاطفياً تجاه ما هو متناقض، ناقص لا يكتمل، منسحباً نحو النسيان كل يوم، مقومات هذه الذاكرة/الحنين هي الأشلاء، لكل حكايته ومروياته الصغيرة، وخنجر ينسج حكايته وحكاية هذه الأشلاء شعراً لا لشيء، بل كترويض للذاكرة لتعديل عصبوناتها في الدماغ كي لا تبقى موتاً أو سواداً أو دماً.
منمنمات الحرب والموت
“هل يمكن لهذه القليل أن يكون أخاً”، يطرح خنجر هذا التساؤل وهو يحكي كيف يلملم أشلاء أخيه علّها تشابه ما يعرفه، كيف اُختزل حضوره بكتلة من لحم، تنسحب حالة الأخ هنا كمعادل شعري عن الجميع، أمن المَعقُل أن يكون الجميع ضحايا، أيمكن أن نجمع في أكياس كل أحبتنا ونتبادلها. في نزهة بحزام ناسف، نقرأ ألفةً مع الموت، مفرداته أكثر حناناً، حتى الجسد أصبح أقل أهمية ككل، تكفي يد مقطوعة للمصافحة، شفة للتقبل، رئة وكبد ليقوم العزاء.
العنصرين الأكثر فعالية في نزهة كاظم هما الرأس والسكين، السكين كأداة مجازيّة وفعلية للفصل، لخلق الحد، للتباعد، وككائن شعريّ هي النصل الذي يجترح المسافات بين اليومي والشعري، وكأن خنجر بسكين/نصلٍ يشحذ أشلاء الضحايا، يفصل موتها عن موته، النصل يفض بكارة التفاصيل اليومية ليستخرج منها الشعري، ليكون بكراً، يغسل بمائه دماء اليومي، النصل هو سبيل للانعتاق، أما الرأس، قمّة الحضور، فهو هدف السكين، أن يطفو يعني أن يفعل الموت فيه ما عجزت عنه الحياة، الرأس المقطوع في نزهة خنجر هو شِعر صرف خام، موتيف يتبدل ويتغير شكله، الديوان نفسه هو رأس مقطوع، لا جسد له، أشلاء فقط، فالرأس فقد موضعه الطبيعي، عيناه تحدق في العراق وأهله منتشرةً في تفاصيلهم اليومية، في أكفهم، وجباتهم، في قهوة الصباح، الرؤوس في عالم خنجر هي تفعيلة القصيدة، كل انقطاع، هو سكون لالتقاط النفس.
معجم للقتلة
تحضر مفردات الحرب و الموت في الديوان بوصفها يوميّة، تتبادل كما التحيّة، الصدمة تكمن بإلفتها، تخللها للطقوس اليومية لتحولها لفاجعة، نعم من الطبيعي أن ترى رأساً مقطوعاً، أن تجد ساق طفلةٍ في السوق  وأنت تشتري الخضار، أو أن يلعب أطفال بأصابع مقطوعة، وهذا يحيلنا للعنوان، الاحتمال بالانفجار، الاحتمال بأن النزهة ستنتهي أي لحظة، الحزام الناسف يحرر صاحبه، جاعلاً إياه يتغلغل في أقصى التفاصيل منفجراً، ليعيد ترتيبها، ليحيلها ذاكرة وأيدٍ وشعر.
ما يكتب عنه خنجر هو زمن ما بعد الموت، مدن ما بعد الهزائم، يكتب عن جسد وعراقٍ يُنتهكان، لا حلول ربانية أو إلهية، بل مجرد ردم يومي لبكارة تسيل، لاحتمالات التهاب الموت لأن الجرح لا يندمل، يكتب خنجر : “متقابَلين، نرفع الجثث إلى حوض السيارة؛ أنت تتحدث عن الثقل وقوة الرائحة، وكثيرًا عن جمع الأعضاء المتناثرة، وأنا أضع عيني على فوهة العمى وأنظر إليها بعينٍ واحدة، وأتفحص زوجتي النائمة، هل ما زالت تتنفس؟.. أقود السيارة مثل بناية محروقة تنطفئ وحيدة. حتى النار عندما لا تجد اهتمامًا تموُت على عجل”
التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.