الرئيسية » » حفار القبور | محمد منصور

حفار القبور | محمد منصور

Written By GPP LTE on الأحد، 17 ديسمبر 2017 | 8:11 ص

حفار القبور
سيأتي من بلادٍ لا تنامُ..
بظلٍّ ليس يمحوه الظلامُ..
ذبابُ الموتِ يعلوه كَتَاجٍ،
وفي عينيه يُحتضَرُ الحمامُ..
يعاملُ فأسَهُ بِـحنانِ أمٍّ
على طفلٍ يعذبه الفطامُ..
يسير وتحته الأحجارُ تبكي
وأشجارُ الخلودِ لها كلامُ..
يسير بظهره المحنيِّ هَونًا
عصاه بكفه اليمنى غلامُ..
يفتش في القبورِ عن الخطايا،
فيفزع من هواجسه الرخامُ..
ولا يدري بأنَّ الموتَ يحمي
ودائعه لترتاح العظامُ..
وأنَّ قبورَنا تحنو علينا
كما تحنو على البدو الخيامُ..
سيأتي لا يدل عليه شيءٌ ما سوى أنَّ النجومَ هَوَتْ من الأعلى كما تهوي الثمارُ، وكان موجُ الليلِ يلطم صخرةَ الضوءِ الضعيفةَ. كانتِ الريحُ التي ترتاحُ فوقَ النخلِ نائمةً، وتحلم بالخريفِ لكي يحررها من الصيفِ الثقيلِ. وليسَ من أحدٍ يمر على المقابرِ حين يأتي الليلُ خوفًا من مشاكسةِ الشياطينِ الشقيةِ. كان للأسلافِ حقُّ الراحةِ الأبديةِ: الأسلافُ كانوا مثلنا قبلَ المماتِ؛ عيوبهم مرئية، حتى إذا غابوا رأيناهم أرقَّ وأجملَ. التاريخُ سيناريو الحروبِ، كأنه التاريخ -هذا الوحش- سوف يموت مصعوقًا إذا دامَ السلامُ..
لذلك جاء حفارُ القبورِ بوجهه الدمويِّ يبحث كالمؤرخِ في العظامِ كأنها كتبٌ ومخطوطاتُ أعداءٍ. لذلك جاء حفارُ القبورِ وخلفه الماضي ككلبٍ يلهث. الماضي يئن ويدرك المأساة كاملة، ويخشى أنْ نُصابَ بلعنةِ النبشِ المقدسِ مثلَ حفارِ القبورِ؛ سليلِ أحفادِ الأبالسةِ القدامى: من أَحَبُّوا العالم الأرضيَّ حتى الموتِ، فانقضوا عليه ليهدموه، وفوق أنقاضِ الحياةِ بَنَوْا معابدهم وصَلُّوا للأبالسةِ القدامى، ثم صاموا.. 
فليس الحقدُ عكسَ الحبِّ دومًا..
لأنَّ الحبَّ آخرهُ انتقامُ!


التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.