الرئيسية » » مدوَّنات الشارع المسدود | عاطف عبد العزيز

مدوَّنات الشارع المسدود | عاطف عبد العزيز

Written By GPP LTE on الاثنين، 18 ديسمبر 2017 | 6:47 ص

مدوَّنات الشارع المسدود




اللّحْظَةُ التِي يَقِفُ فِيها لُطفِي عَشُّوش بجِرْمِهِ الضَّخْم فِي عَرْضِ الطَّرِيق، لِيُقسِمَ أمامَ 

الجَميعِ بِتُرْبَةِ أُمِّهِ، أنَّ أحَدًا لَن يَمُرَّ سَلِيمًا مِنْ شَارِع سَعيد، ستكونُ هيَ اللَحْظَةَ التِي 

سينبَثِقُ فِيها شُباكٌ ذو ضِلفَتيْنِ خَضْراويْنِ خلفَ شَجرةِ التُّوتِ العَالِية، الشَّجَرةِ التِي 

اعتَادَتْ أن تَبِصَّ إليْنَا مِن آخِرِ الشَّارِعِ .. ثُمَّ تختَفِي.

أجلْ، انبثقَ شُباكٌ سَوفَ يُصبِحُ فِيما بَعْدُ مَطَلًّا لِفَتاةٍ ذاتَ شَعْرٍ بُنِّيٍّ فَاتِح، تَتَأرْجَحُ تَحْتَ 

طَلعَتِها دَوْمًا، سَلَّةٌ مِن قَشّْ.

الخَطَرُ بَدَا دَاهِمًا، لَكِن ما مِنْ شَيْءٍ آنَذَاك، كانَ بِوِسْعِه إثنَاؤنا نَحْنُ المَهْوُوسِـينَ 

بِأَطْيَافِ الضَّوْء، عَنِ الوُصُولِ إلَى جَنَّةِ التُّوتِ الحَمْرَاءِ، التِي بَقِيَتْ تُخَايِلُنا مِنْ مَكَانِها 

البَعِيدِ فِي بيتِ شوِيكَار، ذاتَ الأصُولِ العُثمَانِيَّة! لا أحّدَ مِنَّا حَتَّى الآنَ، بمَقدُورِه أن 

يُفسِّرَ كيْفَ تَطوَّرَتْ بِنا الأمُورُ إلَى الحَدِّ الذِي صِرْنا عِندَه مُوقِنينَ تمَامًا، مِن أنَّ البِنْتَ 

المُلوَّنةَ تلك كانتْ تُلوِّحُ لَنا فِعلًا، بَلْ .. وبِمِنْدِيلٍ أَبْيَض.

علَى هذا النَّحْوِ تَفَاقَمتِ المُشكِلَة: جَمَعتْنا الأمَاسِيُّ في بَيْتِ فَتحِي أبو المَجْد، لِنِضُمَّ 

الأسَى إلى الأسَى، فِي القُلُوبِ الصَّغِيرة، بِتْنا نُثرثرُ فِي اللَّيالِي علَى مَسْمَعٍ مِنَ النَّخْـــلَةِ 

العَتِيقَةِ صَــــدِيقةِ الجَمــــِيع، والتِي راحَ مَيَــــــلانُها يَزدَادُ يَوْمًا بعدَ يَوْم، تَحْتَ وَطْأةِ 

الطُّلوعِ والنُّزولِ فَوْقَ الجِذْعِ الخَشِن، ثمَّ أصْبَحتْ مَعَ الوقْتِ، أهَمَّ ما يُميِّزُ بَيْتَ 

المُستشَارِ أبي فتحي، ذلِكَ الرَّجُلِ الغَامِضِ الذِي كُنَّا نَتَسمَّعُ أخْبَارَهُ، ولا نَرَاه.

أتاحَتْ لَنا تلك المِحْنةُ التِي اختارتْ أن تُوزِّعَ نَفْسَها عَلَينا بالتَّسَاوِي، أن نتسَاءلَ للمَرَّةِ 

الأُولَى عَن هَذا الـ (سَعِيد) الذِي تَسَمَّى بِاسمِهِ شارِعُنا المَسْدُود، وبَاتَ مَسْئولًا عن 

تَعَاسَتِنا، وكَيْفَ صَارَتْ أحْلامُنا تُراوحُ علَى مَسَارٍ قَصِيرٍ حَرِجٍ كَهَذا، انْحَشَرَ بينَ التُّوتةِ 

من نَاحِية، وذِراعِ لُطفِي ولِسَانِهِ مِن ناحــــيةٍ أخرى، خَـــاصَّةً وأنَّ الشَّــــــتائِمَ التِي 

ورِثَها الوَلَدُ عن الأفظاظِ العَامِلِينَ في فُرنِ والدِهِ،

كانَتْ حَريصَةً علَى أن تَمَسَّ بشَكْلٍ أو آخَرَ، فُرُوجَ الأمَّهَات.

شَخصِيًّا، فَقدْتُّ فِي سَبِيلِ الغَرَامِ سِنَّتِي الأمَامِيَّةَ، بَلْ كِدْتُّ أفْقِدُ أُخْرَى، رُشْدي صَدِيقُنا 

أيضًا فَقدَ واحِدةً، أمَّا ضِيَاء نَصْرِي، فقد ضَاعَ مِنهُ عَامٌ دِراسِيٌّ كامِلٌ مِن جرَّاءِ 

طُمُوحَاتِه، التِي سَرعَانَ ما اصطَدَمتْ بكَرامَةِ ابنِ الفرَّان، وانكَسَرتْ علَى صَخْرتِها 

ذِراعُهُ اليُمْنَى.

فِي الضُّحَى الصَّيفِيِّ الرَّطْب، كَانَ لَنا أن نَرَى المُستَشَارَ لِأوَّلِ مَرَّة: كَـــــهْلٌ نَحِيلٌ 

يُقرفِصُ بِجَانِبِ الجُثَّةِ، واضِعًا رَأسًا بَيْنَ كَفَّيْن، بَيْنَما يَنتَشَرُ مُخُّ الصَّبيِّ فِي حَوْشِ البيتِ 

إثْرَ السَّقْطَةِ المُدَوِّيَة، كَأنَّ لَوْحَةً قَامَ عَنْهَا كاندِنِسْكِي فَجْأةً، قَبْلَ أن يُتِمَّها. وَرَاءَ الرَّجُلِ 

بقلِيلٍ، كانَ يُمْكِنُ للعَابِرِ أن يَلْمَحَ الأمَّ الصَّعِيدِيَّةَ، وَهِيَ تَرفعُ تُرابًا إلَى شَعْرِها الأشْيَب.

المَشهَدُ الذِي كُنَّا نَظُنُّهُ غيرَ قابِلٍ للتَّكرَار، أبانَ لَنا عن شكْلِ الحَيَاةِ التِي تَنْتظِرُنا بَعْدَ 

المُنعَطَف، وأتاحَ لنا أن نَرَى أحْلامَنا، وهِيَ تَتَلفَّتُ حَيْرانةً أمَامَ الحَائِطِ السَّدِّ، باحِثةً عن 

مَخْرَجٍ مِن شَارِع سَعِيد.

شَيْءٌ غامِضٌ وضَئِيلٌ ظَلَّ يَضْمحِلُّ فِي الزَّوَايا المُعْتِمةِ مِن يَومِها، بَعْدَ أن صَارَ واضِحًا 

كَيْفَ أخْفَقَ صاحِبُنا الصَّغيرُ فِي إقنَاعِ نَخْلَتِهِ،بِأنَّ التُّوتَ الأحْمَرَ، أطْيَبُ مَذَاقًا .. مِنَ البَلَح.




التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.