الرئيسية » , , , , , » ديلان توماس، أوج القصيدة إلقاؤها | ديمة الشكر

ديلان توماس، أوج القصيدة إلقاؤها | ديمة الشكر

Written By eft dongle on الخميس، 20 يوليو 2017 | 3:52 م

جدارية الشاعر في حانة الجواد الأبلق في نيويورك (Getty)
تلمع أسماء شعراء وتنطفئ أخرى، وإن كان السبب في غالب الأحيان موضوعيًا، نتيجةً لأمرٍ صحيح دائمًا : غربلة الزمن، فإن أحايين أخرى تفتح باب الفضول؛ لماذا اشتُهر هذا، وانطفأ ذكر ذاك؟

قد يرتبط انطفاء الأسماء الشعرية ولمعانها، بأمور "خارجة" عن الشعر، كثيرٌ منها يتعلّق بالسياق والعصر، كأن يكون رائجًا و"على الموضة"، (مثل عبد الوهاب البياتي الذي لم يبقَ منه شيء يُذكر)، ويتعلّق كذلك بالحياة الشخصية، التي في حال الشعراء تحديدًا تؤدّي دورًا حاسمًا، إذ إنها "الغرفة / المشغل" التي منها سيطلع كل شيء تقريبًا، وهي بمثابة "مصفاة/ مرآة" و"طريقة في النظر"، وعالم ضيق وشاسع في آن. هي البؤرة التي حولها ومنها كل شيء يكون.


الفضول مثلًا حيال حياة سيلفيا بلاث الشخصية، صار بحدّ ذاته مصدرًا للنقد الأدبي ودليلًا لقراءة قصائدها. أمّا أخبار أبي الطيب المتنبي وقصص "نبوءته"، فدونها العديد من الكتب، تتفحص في "قدرات وملكات" الشاعر الأشهر في لغة الضاد، زد على ذاك، الفضول الذي  لم يُرو عن اللواتي توجه إليهن بغزله البديع المبثوث في ثنايا غير ما قصيدة. مع ذلك، فإن في أشعار بلاث والمتنبي ما يروي كلّ غليل، على نحو تبدو فيه الحياة الشخصية والسياق والعصر وما هو رائج، أمورًا متممة مكملة.

من هذا الباب، يمكن ولوج عالم الشاعر البريطاني ديلان توماس (1914-1953)، وأشهر شعراء مقاطعة ويلز في المملكة المتحدة، إذ من الصحيح إنه حاز شهرةً معقولة عندما بدأ بنشر قصائده في عمر مبكّر ولفت إليه أنظار أهم الشعراء وقتها مثل ت. إس إليوت وإديث سيتويل، إلا أن ذلك لم يؤدِ على ما يبدو إلى إعطائه تلك "الدفعة" الحاسمة، الشبيهة بالعصا السحرية في قصص الجنيات.

تآكلت حياة ديلان وتصدعت، فزواجه العاصف والسريع والمشتعل من كيتلين ماكنامارا، كشف إلى حد كبير النزق والاستسلام للإبيقورية لدى كليهما. الشابان اللذان تعارفا في حانة، كان الخمر ثالثهما على الدوام، إن صح التعبير. وكان أيضًا وراء حفلات الشجار بينهما، ووراء الإشاعة المحيطة بموت ديلان، من أنه قضى نتيجةً لإفراط في شرب الخمر. واتضح بعد سنوات أنه قضى بذات الرئة، هو الذي كان طفلًا عليلًا ومصابًا بالربو، فضلًا عن أن العام السابق على وفاته شهد أكثر من موتٍ وفقدٍ في حياته. 


على أن هذا الجانب المشتعل في حياة ديلان، صار أيضًا موضوعًا رئيسًيا في فيلم سينمائي عنوانه "على حافة الحب" يصور الحياة "اللاهية الصاخبة" إبّان الحرب العالمية الثانية. 

راحت الأمور في جلّها تتبعُ الخمرَ السائل بلا هوادة في حياة ديلان القصيرة، التي كانت والحق يُقال شقية، إذ إنه لم يستطع كسب عيشه من الأدب مطلقًا، وكان هو وزوجه في شبه حالة عوز، يتنقلان من مكان لآخر ومسكن لمسكن، من دون استقرار، ولا أدلّ على ذلك من الرسائل المرسلة إلى إليوت متوسلًا المساعدة. طغى الخمر على كلّ ما في حياة الشاعر الذي كانت قصائده صعبة وفي أحايين أدنى إلى السريالية والهلوسات.

مع ذلك، ثمة شيء هرب من الصورة القاتمة حقًا لديلان وحياته الشقية المشتعلة بؤسًا، شيء غير متوقع راح يطلعُ ويشفّ عن موهبة ذات قيمة مضافة لكلّ شاعر: موهبة الإلقاء.

مصادفة ربما، صار ديلان توماس يسجل بصوته لإذاعة البي بي سي، وشيئًا فشيئًا، اجتذب جمهورًا راح يتوسع، خاصة أن ديلان صار يكتب نصوصًا لأفلام وبرامج أخرى.

صوت ديلان جميل، والأجمل منه سماعه يلقي شعرًا، كذا تصير قصيدته الشهيرة التي كتبها في رثاء والده Do Not Go Gentle Into That Good Night (لا تمضِ برقة في ذلك الليل الطيب)، أعلى وأرق، خاصة وأن ديلان لا يتورع عن قراءتها مقطّعة متراقصة النغمات وفاقًا مع عروضها. 

ديلان أول شاعر يسجل قصائده على إسطوانات الفينيل. ولعله من الشعراء القلائل الذين حصلوا على وظيفة بسبب صوته وإلقائه المؤثر والجميل.

صوت ديلان طيّر شهرته إلى بلاد العم سام، ففي عام 1950، دُعي الويلزي الإبيقوري إلى تلك البلاد الشاسعة الواسعة، التي كل ما فيها : "على نطاق واسع" و"ضمن مدى شاسع" وبـ "حجم كبير". رحلات ورحلات لأمسيات وإلقاءات في كل مكان. صحيح أن القائمين على سفرات ديلان الأميركية، وصفوه بـ "الضيف الصعب"، إلا أن ذلك لم يمنع البتة من استضافته مجددًا. صار صوت الشاعر ندّا لقصيدته. وهذا أمرٌ أساسيّ فأوج القصيدة إلقاؤها.


اليوم ثمة جائزة باسم ديلان توماس، وثمة الفيلم، وثمة التسجيلات التي يقال أيضًا إنها ألهمت جون لينون بكتابة الأغاني.

ثمة القصائد بالطبع، وأكثرها بقاءً تلك التي ألقاها ديلان بصوته وأسلوبه، فسرت كهرباء ما شعرية بالطبع، دفعت أيضًا السير أنطوني هوبكنز إلى إلقاء Do Not Go Gentle Into That Good Night.


المصدر : ضفة ثالثة : العربي الجديد

التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.