الرئيسية » , , , » ماري كار: لماذا أكتب؟ | ترجمة: ريوف خالد

ماري كار: لماذا أكتب؟ | ترجمة: ريوف خالد

Written By eft dongle on الجمعة، 21 يوليو 2017 | 4:18 م

أكتب لأحلم، لأتصل بالآخرين، لأوثّق، لأوضّح، لأزور الميْت. لديّ نوع من الحاجة الفطرية لترك بصمة في العالم، بالإضافة إلى أنني أحتاج النقود.
أكون قلقة معظم الوقت أثناء الكتابة. توجد تلك اللحظات العظيمة إذ تنسى أين أنت ومتى اعتلت أصابعكُ المفاتيحَ، لا تشعر بشيء لأنك في مكان أخر. لكن هذا نادرًا ما يحدث، غالبًا ما أضرب بيديّ على صدر جثة.
الأوقات المريحة تأتي متقطعة، قد تستمر لخمس دقائق أو خمس ساعات، لكنها، أبدًا، ليست طويلة جدًا. الأوقات الصعبة ليست صعبة كليًا لكنها صعبة إلى حدٍ ما ومن الممكن أن تستمر لأسابيع. أثناء العمل على “مخمورة” قمت بتمزيق ألفي صفحة مكتملة. الصلاة جعلتني أجتاز هذا، وهي ما يجعلني أجتاز كل شيء. عادةً ما أمرض كثيرًا بعد أن أنهي كتابًا. حالما أتمّه وأضعه جانبًا ويرقد جسدي، حين لا يكون هنالك حقن كورتيزول وأدرينالين. إنني أمرض. لدي نظام مناعي متوسط السوء، وعليه فهو لا يساعد.
كل ذلك يعني أن الكتابة تبدو كهبة بالرغم من كونها غير مريحة بالمرة. أشعر باستمرار أنني محظوظة. بالنسبة لأغلب الكتاب، هنالك امتداد من قرابة العشرين سنة أو تزيد حيث لا يستطيعون الكتابة لانشغالهم بسبعة وثمانين شيئًا آخرًا. في الواقع، العام المنصرم لوحده هو العام الذي لم أرعَ فيه ابنًا بالإضافة إلى التدريس. عليّ العديد من المطالب لأقوم بأشياء لعينة أخرى – التجوال وإعطاء المحاضرات- لكنها ليست فظيعة.
إذا لم أستطع الكتابة سأحزن جدًا. أظنني سأقوم بعملٍ ما له علاقة بالبدن. قد أكون معلمة يوغا أو مدربة في صالة رياضية أو معالجة بالمساج. بالطبع لا شيء من هذا سيعالج حاجتي للكتابة، هذا يبرر استمراري في الكتابة.
أكتب مخمورة، أكتب بوعي.
لقد تركت الشرب منذ عشرين سنة. كتبت أول كتابين شعريين وأنا ما أزال أشرب. راجعت الكتاب الثاني في مستشفى المجانين. أدركت أنني سأموت ما لم أتوقف عن الشرب، لا أعرف تمامًا كيف سيكون ذلك، لكنني أدركت أنه لن يكون لطيفًا. لم أكتب أبدًا في الخمسة عشر شهرًا الأولى التي تلت انقطاعي عن الشرب. لم أتمكن من التركيز.
في كل مرة أجلس فيها أشرع في البكاء، عقلي يتعذب كثيرًا ليجد مكانًا يستقر فيه. كان الصراع أن أتوقف عن الشرب بالإضافة إلى العديد من المشاعر التي نشأت وكنت قد تهربت منها. تعرف أن الطريق الوحيد للخلاص منها هو تجاوزها، لكنك لا تمتلك مجموعة المهارات اللازمة لذلك. إنه اختبار بالنار. الأشخاص الذين يتركون الشرب يظهرون إيمانًا أكثر من أي قسيس. نقف على بعد خطوة من جرف يهوي بنا إلى جحيم. ظلام حقيقي.
حين ذهبت إلى مستشفى الأمراض العقلية بعد أن قطعت الشرب، تقدمت كتابتي بقفزة عظيمة، أو على الأقل بدأ الناس يدفعون الكثير في سبيلها. كنت أكثر وضوحًا وقلبي أكثر انفتاحًا، أكثر ادراكًا لنفسي، وأكثر ارتيابًا حول أهدافها الخاصة، أكثر نضجًا.
كان لدي مشرف روحي، الذي كان بدوره قد انقطع عن الشرب، قال لي:’ لقد جربتِ مضادات الاكتئاب، لقد جربتِ العلاج النفسي، لقد جربتِ عقار الهلوسة إل. سي. دي. والكوكايين، سكرتِ حتى النخاع. ماذا لو كان حل كل مشاكلكِ أن تُنمّي ممارسة روحية، وأنتِ لم تجربي قط؟ بعد هذا بست أو سبع سنوات، تحوّلتُ إلى الكاثوليكية. منذ ذلك الوقت، قل اكتئابي بشكل كبير وقلّت أنانيّتي بشكل ملحوظ. صدق أو لا تصدق، كشخص يكتب مذكراته، أي جسارة لأقول هذا، لكنها الحقيقة. انخفض قلقي حول أناي، مما جعلني كاتبةً أفضل.
خرافة الكاتب الثري الشهير.
قبل أن أصبح أستاذة، أدرتُ حانة. اشتغلت موظفة استقبال. كانت لديّ مهنة تجارية طريفة في مجال الاتصالات السلكية واللاسلكية. في بداية انقطاعي عن الشرب، كنت على الاحتياط كمحررة لدى مجلة “هارفارد بزنس ريفيو” ويدفع لي مُقدّم. بدأت التدريس حين كنت حاملًا بابني الذي يبلغ الآن الخامسة والعشرين.
درَّستُ مقرّرًا في “هارفارد” مقابل خمسة آلاف دولار. درَّست مقررًا في “تافتس” مقابل ثلاثة آلاف دولار. درّست مقررًا في “إيمرسون” مقابل ألف وخمس مائة دولار. طيلة الخمس سنوات التي درّست خلالها في الأقليات الأكاديمية حول بوسطن، لم أستطع العيش بتلك المكاسب. لذلك، استمريت في كتابة مقالات حول التجارة لصالح مجلة “هارفارد بزنس ريفيو”. لم يطوّر هذا العمل من قدراتي الكتابيّة قيد أنملة، لكنه مكّنني من الاستمرار في الأكل، ما مكّنني بدوره من الاستمرار في التنفس.
حتى اللحظة، لا أُعيل نفسي من مهنتي ككاتبة، إنما كأستاذة في الكلية. لم أتمكن من دفع الرهن من إيرادات كتبي. الأسطورة التي تقول بأنك تحصل على الكثير من المال حين تنشر كتابًا، ما لم يكن للكتاب قبول شعبي، غير صحيحة بالمرة.
بدءًا من سنتي الخامسة، قُدّمت دائمًا على أنني كاتبة. ليس لهذا علاقة بالدخل. لقد أخبرت الناس دائمًا بأنني شاعرة إذا ما سألوني ماذا أعمل، وهذا ما استمريت في إخبارهم به حتى الآن.
التحرّر من الجرّافة.
بالنسبة لي، أفضل توقيت هو آخر اليوم، حين تتم الكتابة. تكون قد كتبت ونسيت. كتبت أطول ممّا توقّعت. حين تكون قد أُخذت كثيرًا بالكتابة حتى تأخر الوقت. تحرّر نفسك من الجرّافة.
أُلزم نفسي بالكتابة يوميًا لعدد معيّن من الساعات أو الصفحات. سواء كانت ست ساعات أو صفحة ونصف. إذا كتبت طيلة اليوم ولم أكن قد تقدّمت لأنني مستمرة في الكتابة والحذف، أنتهي إلى التوقف بعد ست ساعات. بعدها، أنهض لألتقي بشخص لن يتحدث معي حول الكتابة. ست ساعات أو صفحة ونصف، أكتفي بما يأتي أولًا.
فيما يتعلق بكتابيّ “مخمورة” وَ “كرز” في النهاية، ازدادت الصفحات إلى ثلاث يوميًا، ما استغرقني وقتًا طويلًا. القدر الذي أُنجزه في يوم يعتمد على أي قدر أنا بائسة. أثناء كتابة “مخمورة”، أعرف أن هذا قد يبدو جنونيًا، كان عليّ أن أقوم بالكتابة مستلقية، لأنني إذا لم أقم بذلك، ينهار ظهري. استطعت التمدّد على سريري، هذا البدعة، وحاسبي المحمول عليه دون أن أشعر بإصابة الإجهاد المتكرر.
لم يكن الاستلقاء وحده ما صعّب الأمور.
كان كتاب “مخمورة” الكتاب الأصعب من بين كل ما كتبت، فأنت تكتب عن طفلك وأبيه وقضايا روحيّة في عالم علماني. سيعتقد الجميع أنك أحمق لأنك أصبحت كاثوليكيًا، تتحدّث عن المسيح دون أن يهتم أحد بهذا. بدا أن العديد من النقّاد أحبّوا هذه الفصول. بالنسبة لي، يُعد هذا انتصارًا. لا أظن أنني بدّلت اعتقاد أحد، كما أن هذا لم يكن هدفي. كان هدفي أن أقدم وصفًا لما تبدو عليه تجربة روحية. لأُعيد خلق تجربة شعوريّة من الهلع حينما لا تألف ذلك.
الرب يعين.
قبل أن أباشر مشروعًا، أصلي للرّب إذا كان هذا ما يريده مني أم لا. لا أحصل على إرشادات مكتوبة، لكنني أحصل على نوع من الإجابة بالموافقة أو الرفض. لست كالقديس بولس يقود الرب يدي، سيكون هذا عظيمًا لكنه لا يحدث لي. أقوم بعملي كما يقوم به أي كاتب، وهذا يعلل شعوري بالقلق والهلع.
في الأيام السابقة، حلي لأغلب المشاكل يتضمن الكحول والأسلحة. لدي نزعات شديدة الأنانية والفساد. أحتاج المساعدة لأتصرف بشكلٍ أفضل ممّا أتصرف عادةً. في لحظةٍ ما، كنت أعمل بجهد على “مخمورة” وكان هذا مؤلمًا جدًا. صلّيت: “ربّاه، هل يُفترض بي أن أقوم بهذا؟ أم أن عليّ أن أبيع شقّتي وأُعيد نقودهم؟”. على نحوٍ واضح تلقيت من الرب نوعًا من الموافقة، أو من داخلي، من يدري؟
فخورة بنفسي لأنني واصلت العمل رغم الصعوبات وأتممته، لدي شعور بالاعتزاز حيال هذا دون أن أعتمد بشكل كليٍّ على النتاج، بل من أجل جلدي على عملية الكتابة. لقد كلفتني الكثير من المثابرة من جانبي لأنتهي من الكتاب. لقد دفعوا لي الكثير من المال، وحصلت حقيقة على مراجعات عظيمة. وليس عليّ أن أقول هذه القصة بعد الآن. لقد انتهيت، وقد كُتبت.
تمر بي أحيانٌ أسأل الرب فيها أن يمنحني الشجاعة لأكتب الحقيقة ولا يهم ما هي. لا يختلف هذا عن مقولة همنغواي:” أريد أن أكتب جملة صادقة واحدة.” ونعم، يقول الناس أنني أخدع نفسي فيما يتعلق بالرب، لا أعيرهم بالًا وينجح هذا.

النشر ليس ما عهدناه.
حاليًا لا أحد يعرف حقًا كيف يبيع كتبًا، الأسلوب كله يتغيّر. ولا أحد يعرف كيف يكسب نقودًا من هذه الصنعة بأي طريقة مضمونة. لهذه الصنعة ذهنية شعبية تتيح لنجمٍ تلفزيوني تافه أن ينشر كتابه التافه ويبيع ثلاث ملايين نسخة بغلاف مقوى، ثم لا تسمع به مجدّدًا. كل الطاقة موجهة إلى تلك الكتب ذات الرواج الشعبي لمردودها الأكثر مباشرة والأقصر فترة.
يقول الناس أنها نهاية الرواية منذ همنغواي، لا آخذ الأمر بجدية. أعتقد أن الناس تقرأ أكثر مما اعتادت أن تقرأ. لديك أشخاص أكثر يقرؤون كتبًا أسوأ، وما زالوا يقرؤون الكتب. حاليًا، أقرأ بواسطة جهاز الآي-باد خاصّتي، وأشتري كتبًا أكثر من السابق. إذا أحببت كتابًا، أبتاعه أيضًا بغلاف جوخ أو غلاف مقوى لأنني أريد دعم متاجر الكتب.

كم من الوقت تستغرقني كتابة هذه الكتب. سأنظر إلى المسودات الأولى لطلابي، لكن لو قال لي أحد الأصدقاء “لقد كتبت ثمانين صفحة.” وسألني أن أقرأها سأقول: “كم عدد المرات التي كتبتها فيها؟” لأنه في الغالب يوجد تقريبًا صفحة ونصف تستحق الحفظ. أغلب الكتّاب لا يرغبون بالتنازل عن كلماتهم. في أي وقت يسألني أي أحد أن أحذف شيئًا أجيبه: “عظيم”. أمر غريب آخر: إذا ما انبثقت إصابة الإجهاد المتكرر فيمكنني أن أوضع خارج نطاق الخدمة. لذلك أكتب بيدي.
سيُصدم قرائي بمعرفة…
أفضل وقت على الإطلاق؟ الآن.
لقد انتهيت من كتابة القصائد الغنائية لألبوم “قريب” للموسيقي رودني كرويل، شاب نشأ في قطاع “غرين بلت” ذاته الذي نشأت فيه. لقد حاول رودني إقناعي لأقوم بهذا لسنوات. وأخيرًا، استسلمت واستمتعنا بالعمل. متحمسة جدًا لهذا.
بالإضافة إلى ذلك، بعت عرضًا تلفزيونيًا يدعى “مخمورة” لشركة هوم بوكس أوفيس. هذه السيدة اتصلت بي وقالت بأنها أرادت كتابة سيناريو. قالت بأنه بإمكاننا كتابته سويّة وكتبناه. كانت تجربة عظيمة، القيام بهذه الأعمال التعاونية ممتع حقًا بالنسبة لي. كتابة الأغاني والبرامج التلفزيونية التجريبية، أي شيء يبدو أسهل بكثير من كتابة الكتب. منها تحصل على نقود أكثر وتبذل طاقة أقل. أنت تحاول أن تكتب أفضل من الأشخاص الذين يكتبون للتلفاز، وهذا سقف منخفض في الحقيقة. كما أنني مبتدئة، لهذا إن فشلت فليكن.
كنت أعمل جاهدة ليجتاز ابني الكلية. لكنه الآن يبلغ الخامسة والعشرين ويمكنه أن يعيل نفسه. لهذا عليّ التدريس لفصل واحد فقط. لم أحصل قط على هذا القدر من الوقت الحر في حياتي. أذهب إلى صالة الرياضة يوميًا. كما لو أن العالم قد أزهر منفتحًا.
حكمة ماري كار للكتاب.
• الاقتباس الذي علقته على لوحتي أثناء كتابة “مخمورة” لصموئيل بيكيت، إنه مجدٍ بحق: “حاول دائمًا، افشل دائمًا. مهما يكن، حاول مجدّدًا، افشل بشكلٍ أفضل.”
• أي أحمق يمكنه أن ينشر كتابًا. لكن، إن رغت بكتابة كتاب جيّد، عليك أن ترفع السقف أعلى من سقف السوق. الأمر الذي لن يكون بالغ الصعوبة.
• أغلب الكتاب العظماء يعانون، وليس لديهم أيّة فكرة إلى أي مدى هم رائعون. غالبًا، الكتاب السيئون واثقون جدًا. كن مستعدًا لتصبح طفلًا، كن ليليوبتيان في عالم غوليفر ، فتاة المضرب في أستاد يانكي للبيسبول. إنها الطريقة الأكثر إثمارًا للكينونة.



المصدر موقع تكوين
التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.