الرئيسية » , » "بقايا ألبوم قديم لبرجوازي صغير": الشعر والنثر يداً بيد | جوان تتر

"بقايا ألبوم قديم لبرجوازي صغير": الشعر والنثر يداً بيد | جوان تتر

Written By eft dongle on الأحد، 2 يوليو 2017 | 12:23 م

لا يخفي الشاعر المصري علي منصور في ديوانه/ألبومه، الشعري/النثري الصادر مؤخّراً عن الهيئة العامة لقصور الثقافة في القاهرة ضمن إصدارات سلسلة أصوات أدبية، تحت عنوان: "بقايا ألبوم قديم لبرجوازي صغير" تأرجحه الواضح بين النثر والشعر وأحياناً يخلط بين الفنين كنوع من التحام أبديّ، النصوص مرتّبة كما ترتّب الصور في ألبوم صور العائلة، انتقالاتٌ بين أحياء مصر بجرعة تورية ليست غريبة عن الشاعر من خلال النثر والتذكُّر شعراً، بدءاً من المدرسة ومشاكساتها اللامنتهية وصولاً إلى الحاضر الذي يمتلئ بالحروب أينما ولّى الشاعر وجهه، ومن ثمّ مصوباً الرصاص على المعنى من خلال الانتقال السردي/الحكائي إلى استخدام الشعر لغةً يكتب بها.

السيرة الذاتية:
يغلب على الجزء الأول من "بقايا ألبوم قديم لبرجوازي صغير" أصداء ورجعُ صدى للسيرة الذاتية التي يقوم الشاعر من خلال اللغة المتوارية بالحديث عن ذاته الصغيرة بصيغة المخاطب، وكأن الأنواع الكتابيّة على اختلافها لا تكفي ليتكلّم الشاعر عن  ذاته المتشعّبة فيحاول جاهداً أن يكون لليومي العاديّ أثر لدى القارئ الذي تماثلُ حياته حياة الشاعر ولكن باختلافٍ طفيف في نسبة التفاصيل المعلنة، النص هو أن يكونَ كل قارئ، وهذا ما نجح فيه الديوان/العمل الشعري الأخير لعلي، ولعلّ ما يجذب الانتباه في أغلب النصوص المنشورة في الكتاب هو التسلسل الزمني للأحداث دون أي تواريخ أو أرقام إلّا نادراً للاستدلال على حدثٍ سياسي معيّن له كلّ الأثر التغييري، هكذا يغدو النص انسيابياً ويفصح عن نفسه بنفسه من خلال السرد والإيغال في الطفولة،  بأسماء يستعيرها الشاعر كي يغوص في عمق التفاصيل بلغةٍ نثريّة دقيقة، وبتقنية الرواية يتابع علي سرده بخط متوازٍ للمعنى سواء نثراً أم شعراً، ولم يأت عبثاً تسمية الكتاب بـ بقايا ألبوم قديم لبرجوازي صغير، فمفردتا بقايا وألبوم لهما دلالاتهما العميقة التي تتبدّى واضحةً من خلال قراءة النصوص المنشورة التي تشي فعليَّاً بالاستذكار البعيد للغلام الذي يتحدّث عنه الجزء الأول من الكتاب والذي يتحوّل طوراً إلى "علي" وأحياناً إلى "صالح" في إشارةٍ إلى الطيب صالح الذي يعشقه الغلام/الكائنُ الكتابيّ. 
إضافةً إلى الدفق النثري، ثمّة نظرة تهكّمية من خلال استخدام لغةٍ تُبعث على الابتسام ولا تدع للقارئ مجالاً إلّا أن يتبسَّم لذكريات طفولة شاعر، كما أنّ كل الأماكن والعناصر المتعلقة بالطفولة حاضرة وبشكلٍ جليّ، أن يلجأ الشاعر إلى كتابة السيرة بطريقةٍ بعيدة عن سرد اليوميات يعطي بعداً آخر لأسلوبيَّة الكتابة من خلال عدم الرهان على نوعٍ أدبي بعينه.
فوضى التصنيف:
لا شكّ في أن التصنيف الأدبي أمر مهمّ، التصنيفُ من خلال وضع علامةٍ ما على غلاف أي كتاب، ولكن علي اختار أن يكون الفضاء مفتوحاً للنثر والشعر معاً، ممزوجين أحياناً وأحياناً يغلب النثر على الشعر، لا سطوة لفنٍ على آخر  إلّا بثقة السرد في إيصال الإحساس وتوطيد الفكرة المحورية عبر اللغة والأسلوب المستخدمَين، وكآليّةٍ معتمدة يشعر القارئ أن لا فعل تعمّدي لذلك، إنّما النصّ أتى هكذا دون مواربةٍ أو إخفاءٍ لأي شيء، وبطريقةٍ ما يتغلّب الشاعر سرداً على التصنيف وأوالياته:
"جمل وكلب وحمارة شكلتهم أصابعنا من الطين وتركناهم هناك تحت وطأة الشمس، آه يا أصابع الصبي التي كانت «تنغبش» في الجدار وتشد قشة «التبن» من الطوب اللبن، لست وحدي الآن أمسح الدمعة التي ترجو: لا تضيعي أيتها القرية!!  المحراث أيضا ــ هناك في الركن ــ يجتر ذكرياته مع أسراب أبى قردان.".
الحَكَايا:
تتغيّر الأسماء في الحكايا النثريَّة، ولكن وشائج تتوفّر ما بين حكايةٍ/قصيدةٍ وأخرى عبر الشخوص التي تروي أو التي تنوب عن علي ككاتبٍ/خالق مهمة الرواية، وعلى اختلاف الأسماء تبقى محاولة الكتابة هي الوحيدة في إيصال المعنى المُراد، وغالباً ما يشير الشاعر إلى نفسه بمفردة "صاحبنا" التي يتواتر حضورها في أغلب النصوص النثرية ضمن الكتاب، يسرد الشاعر ذاكراً أسماء المدن والقرى في القاهرة، ومتكئاً على ذاكرته يستمرّ "صاحبنا" في الغوص بتفاصيل الماضي وذكر أصداء الشعر أيّام كان للشعر سطوته وشعبيته، سعادة الشاعر بنشر أول نص له في مجلة أيديولوجية تصدر في اليمن قافزاً على المحظورات بالنسبة لتنظيم سياسي "نسي الشاعر اسم التنظيم بالتحديد في ذلك الوقت"، حيث يمنع نشر شيء بالاسم الحقيقي، لعبة الأسماء تحضر إذن في جوهر النص أيضاً:
" راح يقول لأصدقائه زملاء الدراسة، ورفقاء قطار الضواحي، كم هو سعيد هذا اليوم، وأن سعادته لا يمكن أن توصف، وأنه قد دخل التاريخ.. بل ودخله من أوسع أبوابه؛ وكلما سألوه من أي باب دخل؟! قال: من حضرموت!! من اليمن!! من عدن!! ".
الذاكرةُ كحياةٍ أخرى يلتجأ إليها الشاعر وقت يشاء، كل ذلك عبر الكتابة التي تحتمل العديد من أوجه المعنى دونما توقّف، هكذا تغدو الحكايا على صلةٍ بالواقع الماضي الذي يصبح راهناً ملموساً آنَ القراءة، وبعيداً عن الحشو، يغدو الراوي رشيقاً في استخدام اللغة بعباراتٍ أنيقة كي يكون النص لصيقاً بالروح ومبعثاً على التذكُّر، مازجاً بين القصّ والشعر والنثر المطعِّم بالماضي وخيالاته.
القسوة:
تغدو النصوص أحياناً في المجموعة قاسية، مشاهدُ مكتوبة بطريقةٍ سينمائيَّة تحيل القارئ إلى مشهدٍ حقيقي يتواتر أمام حدقتيه بقساوةٍ عظيمة، وكأن عيناً مخرجة تتولّى السرد مستخدماً عدسة العين، عين الشاعر التي تصبح آلةَ نسخٍ تُبعَثُ الروح فيها كتابةً :
" إيه يا «صالح»، منذ متى قد تسللت إليك البرجوازية الصغيرة تلك وأنت لا تدري؟ منذ أن كانت البلهارسيا رفيقة طفولتك وصباك، أم منذ كانت أحلام اليقظة هي كل طعامك وشرابك؟ منذ مات أبوك وأنت دون الخامسة، ذات مغربية حزينة، حين عقره قط بري مسعور، بينما كان يسقي قراريطه العشر، أم منذ تصببت أمك عرقًا أمام الفرن، وهي تخبز للجيران؛ مقابل أرغفة عشر".
وثمّة أمثلةٌ/دلائلُ كثيرة داخل النصوص، فبمقدار الليونةِ التي تنساب بها الكلمات ثمة قسوة مشابهة من حيثُ الكمّ في الآن ذاته.
الشعرُ رهاناً:
على الرغم من سطوة النثر ضمن أجواء "بقايا ألبوم قديم لبرجوازي صغير"، فإن للشعر أيضاً حضوره البهيّ والذي يضفي على المجموعة نمطاً مختلفاً، حيث انتقالٌ من سردٍ مليءٍ بالذكرى إلى شعرٍ يفتح الأبواب على تخيّلاتٍ جديدة غير تلك التي كانت في الجزء الأوّل من الكتاب، إضافة إلى تواجد موضوعة الحرب، الموضوعة التي تملأ المنتوج الشعري والأدبي بشكلٍ عام في الآونة الأخيرة بعد اشتداد الأزمات في أغلب البلدان العربيَّة، ثمة دلائلُ على الحرب تتبدّى من خلال مجموعة من القصائد مثل النص المعنون بـ "قصيدتان من سورية"، ربما الغاية أنّه يمكن شعريَّاً اجتياز محنة سورية، لا بل محن كل الدول التي تعاني ويلات الحرب، إذن الشعرُ رهان للتخلصّ من أذيَّة الحرب نفسيَّاً، على الأقلّ من خلال الكلمات التي تشكّل النصوص وأبعادها الرؤيويَّة الحالمة: " الجثثُ انتهت من لمسات زفافها للتو،/التراب لوَّنَ الشفتين بقرنفل الدماء الساخنة،/والذراع المنثنية خلف الجذع/المأخوذ على غرة،/كانت تمد يدها لتهرش/البنايات التي تتهاوى تحت وابل القذائف، /راحت تفكر:أما من وسيلة أخرى،/لخلق فرص عمل..لعمال البناء!"


المصدر : ضفة ثالثة : العربي الجديد

التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.