الرئيسية » » و بدأوا يموتون ، أو يتذكرون الموت | غادة نبيل

و بدأوا يموتون ، أو يتذكرون الموت | غادة نبيل

Written By eft dongle on الجمعة، 16 يونيو 2017 | 7:44 ص

و بدأوا يموتون ، أو يتذكرون الموت 
كان الأطفال أول من رأى لاعبى البيانولا و القرداتية ، ثم البلاّنات و الببغاوات تأتى على مراكب فى الماء . عندما اقتربت الطيور التى تبلع كرات الزجاج وجدوها ورقًا. أصابهم الإحباط لكن البلاّنات بقين مع باقى الألعاب. كانت هواية الرجال الذين يدهنون شعورهم بالـﭭازلين التلصص عليهن و هن يسبحن عرايا ، بينما يشوون مخاصى الثعلب . اليهوديات كن يتكلمن بلثغة و شبق عن شعلان الخردواتى " عليه شويه شغر !". و حين تزوجت إستير من الفاتن بشَعره ، لم تكن الحرب قد قامت . شقيقها رأى الخال فى الحرب و أوصاه توصيل السلام لأخته . الآن كان فى جيش من تصفهم الأمهات :" ولاد الكلب ".
 تعلم الأطفال أن القرد اسمه ميمون و يمكن أن تنظر فى عينه و لا يهجم . لم يفهموا لماذا يبدو عجوزا و طفلا. لم يحبوا السلسلة المعدنية التى ربطه بها صاحبه .كيف يكون صاحبه و يفعلها ؟ لماذا رضعة القرد و عجين الفلاحة ، ثم أين العجين ؟ فى ذلك الوقت ، انتشر الرفاعية و الحجاج ، بالتزامن مع حشرة الخواجة. ثم عادت المراكب من حيث أتت .كانت قد رست لسنوات حتى نسوا أنها ليست منهم. اختفت ، دون كلمة وداع ، و بقيت الستائر خلف الشيش تنتظر مصابيح المساء . لم يكن شيئا يحدث .كان هناك روزنامجى واحد ، و البقالون يعدون البسطرمة الحمراء للتعليق . بعض الجَدات كانت تفوح كولونيا ٥٥٥ من آباطهن . الخياطون أهل حظ ، ظلوا يخيطون معاطف و قبعات ليست للبيع و كانت المنطقة تحتفظ بنسخة رملية على الشاطئ لكل واحد من السكان ، و تنجب النساء بعد الخامسة و الستين . كان شيئا يحدث . هناك حيث يحلو لعجوزان الجلوس تحت حبل غسيل مشدود بين فكرتين ، يخطف الموج الفكرة الثالثة . رجلٌ أعمى تنزل الدموع من مقدمة عينه ، كان دائم الارتطام – رغم عصاه – بمانيكانات الخشب عند الخياطين .كان يتعمد ذلك كى يشعروا بالحرج ، ثم يغنى" عملت معاه شُغل البِليباَه ". كان كل طفل يود لو يموت و يعرف ما البِليباَه. جَدة الأم كانت تفتح الباب بيد شهباء و تختبىء ، و صغار البنات يفرحن بالبطيخ الشِلْيَن ، فالأمهات ، بعد تحميص اللب ، ينقرنه فى أفواههن. مخلوطا بلعابهن، كأنه أثر قديم من مرحلة ما قبل الفطام ، أو كأن الريق هو كل ما يملكن توريثه عبر مئات السنين. لم يعرفن أن البنات لا يمضغن أولا بأول ، و ربما يبحثن عن ريق آخر ، لم يحاولن فتح الأفواه الصغيرة لرؤية ما يجرى تحويشه قبل الهرس ، فى جنة المساء فى الشرفة . البلاّنات كن يضعن الخنافس فى زيت المفتّقة ، مع السمسم و العسل الأسود.كن عاجزات عن الغيرة ، و لسن متصنعات لهذا. مع هذا لم تحبهن النساء . لم يلحظ الناس متى بدأ كل شىء " يتفرول" . الوجوه ، مناقيش الكعك ، الساعات ، قوالح الذُرة ، الأطالس ، مانيكانات الخشب ، الأفكار و البسطرمة. ربما بدأت المصيبة من لعيبة النرد فى المقاهى ، مع أن رمى الزهر كان نثرا بالإبهام ، يعنى ليس فركا. فى السابق حين كانوا ينظرون فى عيون بعضهم البعض ، كان كل منهم يرى تاريخ الآخر ، من أول السلالة . الآن لم يروا شيئا. الرسامون أخذوا أخواتِهم اللاتى يرسمن لمعارض العاصمة . فى الكتب شاهدوا تلك المِبولة الشهيرة ، التى أخبروهن أنها تحتاج المتحف كى لا يبول فيها أحد . رغم هذا امتدحوا شجاعة من كانوا يرسمون البيض فى شم النسيم و يمشون على قشره دون تكسير، و من يصبغون خراءهم بألوان زاهية ليتبادلوه كالكعك فى الأعياد ، منبهين على أن المتحف قد يكون هو المِبولة.
و بدأوا يموتون ، أو يتذكرون الموت . كانوا يموتون دائما لكن الآن بدوا أكثر موتا.لاحظوا أن الموت المتزايد تسبقه قصاصات اكتظت بها سلال المهملات . و لأنه لا يوجد بيت بدون سلة مهملات ، بدأوا يعثرون عليها مُكرمَشة كوصفة مبكرة لطريقة رحيل صاحبها. الحروف بدأت موتا موازيا لم ينتبهوا له فى الأول . بدأت النقاط فى كلمات الكتب تطير. و بسبب ضعف أبصارهم نتيجة الفَرْوَلَة ، لم يلحظوا الفرق بين النون و الفاء ، أو الخاء و الذال . توقفت المدارس و البوسطة و البنوك . كثرت مشاجرات ضاعفت قصاصات الموت بسبب غياب نقطة من ورق حساب البقالة . حين اختفت النقاط ، تآمرت عليهم اللغة والأرقام .كان الواحد منهم ما أن يبدأ الكلام مع صديق حتى يظنه الآخر يسبه .كان شيئا ملحميا يحرك كلمات مثل الجزاء/ الخراء أو الحُب/ الجُب ، حتى أعمى البِليباَه لما ضاعت نقاطه بدا محض مجنون .
 أحسوا أنهم يُعاقَبون على ذنب سيرتكبونه فى المستقبل ، لكن بدون يقين حدوث ذلك تضيع فكرة العدل التى كانت – على أية حال - بدأت تتفرول مع بقية الأفكار .لم يقدّروا بعقولهم أن الحنان كان حنانا و التدمير تدميرا إلا بفارق النقاط . كانت النقاط تملك كينونتهم ، صانعة الحقيقة ، تمنع عنهم العته و البكم. حاولوا جرد الكلام الذى بلا نقاط فى أصله ، و الآخر الذى ضاع بضياع النقاط ، و صدمهم أن ما تبقى قليل ، لأن الأسماء التى بلا نقاط فى أصلها زاد تكرارها و لم يعد أحد يعرف أحدًا . أُرْتِجَت عليهم كل كلمة و معنى عرفه البشر عبر تاريخهم الطويل. ضياع النقاط كان معناه أن لا أحد سيتعلم لغتهم أو يترجم أدبهم أو يشترى مسلسلاتهم . تم غلق المحاكم و فتح السجون ، و تحولت " أحراز " إلى أحرار. فتح ذلك الضياع جرفا على اللانهاية ، لا نقطة بآخر السطر تعنى أن لا آخر لشىء . الشعراء كانوا أكثر المتضررين رغم بهجتهم الأولية . من بينهم فتاة و رجل . أيام النقاط صرخت أمامه أنها تريد شيئا واحدا يكون حقيقيا ، و فى لحظة جاء رده" أنتِ ! . أنتِ برهان نفسك ". كان هذا مُخَيِّبا ، و حين غمغمت شيئا عن الإخلاص فى وقتٍ آخر ، صرخ هو كأبطال شكسبير : اعطينى أبدًا و أنا أخلص له !
لم يكن الأبد أكثر واقعية مثلما هو الآن ، و هم كائنات بنقاط محذوفة ، كائنات تخرَس و تُنفِّذ و تتفرول . بدا جارا قديما طال تجاهله و قد عاد – للمفارقة – لأن هذا هو وقته ، حين لا يرغبون فى الموت .
كانت النقاط الضائعة حكما بالموت بنفس سرعة الموت فَرْوَلَة . فشلت محاولاتهم تعلم لغة الإشارة. لم يفهموا لماذا تتحلل اللغة ، لغتهم هم بالذات ، و لم يعرفوا أنهم يحملون لها كل هذا الحنين إلا الآن ، و هم ينظرون إلى قراطيس ورق اللحمة التى استغنوا عن أكلها لتجنب مصير القصاصات . أصبحوا نباتيين بالإكراه ، و صُمًا. اختفاء النقاط من الأغانى دفعهم إلى إلقاء جرامافوناتهم فى الماء . كانت مفاجأة أن تطفو تلك التى تحمل أغنيات خفيفة و طقاطيق ، و تغرق الأخرى ذات الأغنيات الأطول .
عبء اختفاء النقاط جعلهم ثقلاء ، طفحت جلودهم ببثور" حمو النيل " كأن النقاط اختبأت تحته كحمصات . بالأوزان الجديدة لم يعودوا يهتمون بالملابس ، بدت النساء أشباحا يغطيها القطران . الكل يحب لون زِى الحداد. زادت البصبصة و الشبشبة . أصبحوا يَعدِمون كل بهجة ، يذبحون ذاكرة آذانهم بأيديهم ، و لم يهمهم الموانئ التى أُغلِقتْ ، و لا الأدوية التى توقفت صناعتها و لا المحلات التى اختفت أسماءها. ثم لما عادت السينما الصامتة ، زال الشك أنها النهاية . البكم الذى نتج عن عنف غياب لغتهم ، تحول إلى انتظار ، ثم إلى نسيان للنغم و الحب و الابتسام . و شاهدوا صامتين – بآخر عيونهم الذاوية - كيف أن القطار الذى تعودوا صفيره فى غرف نومهم ، صار يمضى للخلف . عرفوا أن كل العذارى رأين نفس المنام فى ليلة واحدة ، و منعهن البكم من روايته . و لم يعرفوا أن البنات رأين أنفسهن بملابس زفاف لم تمهلهن لتقبيل العرسان ، أن ثوب الفرح فى منام يعنى الفراق لأن رائحة قلوية فاحت لما بدأت نُسخُهم الرملية يُذوّبها الموج .
 ___________________________________________
• البلاّنات : وظيفة تضطلع بها نساء يقمن بنزع الشعر عن جسم المرأة
• الطقاطيق : الأغنيات القصيرة
• الخردواتى ( لغير المصريين ) من يبيع لوازم الخياطة من خيوط و أزرار
• البطيخ الشِّيلين : الذى تم استيراد بذوره من تشيلى
* المفتّقة : حلوى شرقية تعتمد على مزيج من البهارات و عسل القصب و السمسم و بعض الدقيق
* أحراز( لغير المصريين ) الأدلة المادية التى تحتجزها الشرطة فى القضايا
*الرفاعية: من يرفعون أى يستخرجون الثعابين من الجحور
التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.