الرئيسية » , , , » هزيمة خالد فهمي | رشا الأطرش

هزيمة خالد فهمي | رشا الأطرش

Written By Hesham Alsabahi on الخميس، 1 يونيو 2017 | 6:38 ص

تبدو قراءة "مدوّنات" المؤرّخ المصري، د.خالد فهمي، حول هزيمة حزيران/يونيو1967، ممتعة ومفيدة، لأكثر من سبب. المتعة الواضحة الأولى تكمن في أن فهمي، ومن دون إلغاء موقفه السياسي، يورّط قارئه في موضوعيته البحثية واحترافيته التوثيقية، التي ما زلنا دون تكريسها منهجاً للأدبيات السياسية والتاريخية على المستوى العربي عموماً، والمصري خصوصاً، إلا في استثناءات معدودة ومعروفة. وذلك، لا سيما في ما يتعلق بمؤرَّخات العسكر و"زعماء الأمة الخالدين" والإيديولوجيا التي، ورغم تكسّرها على رؤوس العرب مرات كثيرة، خلال تاريخهم القديم والحديث، ما زالت تُغلَّف بالحنين والشعارات والحميّة القبَلية تارة، وطوراً بالنفي الانفعالي، دون المراجعة والبحث النقديَين.

لكن، ثمة طبقة ثانية من المتعة، سرعان ما تطفو على سطح القراءة، إذ ينبري خالد فهمي إلى ما يسمّيه "اجترار" المصادر المتاحة عن حرب 67، وعن أسباب الهزيمة العربية وتفسيراتها، بعد ستة أيام كانت أقرب إلى الفضيحة منها إلى الانكسار. يهمس فهمي لقارئه بالسرّ الذائع: هذه هي المصادر التي سمحت لنا بها السلطة، وعلينا أن نعتمد على أنفسنا في فلترة تحيزات كتّابها، وتفادي أفخاخ أهوائهم وميولهم. ثم يُجري عروضاً قصيرة لأشهَر التفسيرات، متربصاً بها، لتبيان عوارها التعس، منطقياً وتاريخياً.

وإذ يبدو فهمي مستمتعاً بما يحققه، وبسهولة نسبية، فإن نَصَّه، وعلى طول الخط، لا يكفّ عن تسريب ما يشابه هتافاً مطلبياً مُضمراً: من حقّ المصريين، أفراداً وشعباً، الاطلاع على السجلات المحفوظة في دار المحفوظات المركزية للقوات المسلحة، وفي رئاسة الجمهورية، ورئاسة مجلس الوزراء، وغيرها من المؤسسات السيادية، "فنحن أفراد الشعب الذين ما زلنا ندفع ثمن هذه الكارثة".

ورغم أن عدد الكتّاب والنقّاد والمثقفين الذين بلّوا أيديهم في محمد حسنين هيكل، ما عاد يُستهان به، وصفة "مهندس البروباغندا الناصرية" باتت، تقريباً، توازي الاحتفالية الدائمة بـ"الأستاذ" كمرجع/سُلطة في التاريخ المصري الحديث، إلا أن فهمي يبدو مقاوماً بشدة للانزلاق إلى غواية تمزيق هيكل بالكامل. هكذا، يمرّره فهمي في "مُنخل" مضبوط، بحيث يعرف متى يركن إلى إحدى وثائق كُتبه، ومتى يبدده طحيناً مسوّساً في الهواء. وإن بدَّده، فبمزاج ساخر من تلك "الألعاب السردية" التي درج هيكل على استخدامها لتعمية القارئ عن تفصيل زمني أو حرفي أو مشهدي قد يقلب المعنى رأساً على عقب، وليس لمصلحة عبد الناصر بالطبع.

وبسبب حجب الوثائق والسجلات الرسمية، حول حرب الأيام الستة وغيرها الكثير من المحطات الأساسية في التاريخ المصري الحديث، لا يتعالى فهمي على.. الأدب. يلجأ مثلاً إلى رواية عصام دراز، "قصة حب من يونيو 67"، وغيرها، ليضيء على مشاهد الحشد العسكري المصري، قبيل الضربة الاستباقية المعروفة، وهي التي كانت توازي مشاهد الانسحاب المُذلّ مأساويةً. فالتحشيد، كما الانسحاب، تم بقرارات أقرب إلى العشوائية والمزاجية والفردانية، وباستهانة بالعدو تقارب الجهل، كلّلها الإهمال في دراسة مكامن الضعف العسكري المصري. بل وخدم العدوَّ أيضاً، الحسٌّ الأمني للاستخبارات المصرية التي أنفقت معظم مواردها وطاقاتها في التجسس على ضباط الأسلحة المصرية كافة، تحسباً لنمو بذرة انقلاب، بدلاً من رصد إسرائيل. فالعسكر مُنفّذ الانقلابات، لا يخشون أحداً بقدر ما يخشون تقويض زملائهم لسلطتهم الجديدة. وهكذا، وقعت الحرب، وحلّت الهزيمة، فسقط 10 آلاف جندي و1500 ضابط، وأُسِر 5000 جندي و500 ضابط (وفقاً لخطاب عبدالناصر نفسه يوم 23 تشرين الثاني/نوفمبر1967). ودُمّر سلاح الطيران المصري بشكل شبه كامل، وتُرك عتاد الجيش في الصحراء شاهداً على كارثة قومية لم تتسبب فيها "مؤامرة امبريالية استعمارية"، بل إدارة وطنية رثّة متَوَّجة بجنون العظَمة.

في مقابلة مطوّلة أجريتُها مع الدكتور خالد فهمي، لمناسبة الذكرى السنوية الثالثة لثورة 25 يناير، سألتُه:
في كتابك "كل رجال الباشا"، تُبيّن أن العملية القتالية الأولى التي انخرط فيها الجيش النظامي الحديث، تمثّلت في قتل المصريين، عندما اندلعت ثورة على سياسة التجنيد في العام 1824... وفي الكتاب نفسه، تسعى إلى إثبات أن المشروع "النهضوي" لمحمد علي (جيشاً ومؤسسات) لم يكن وطنياً مصرياً، بل خدمة لبقائه في الحكم، واستمرارية أسرته الحاكمة من بعده. فأي تقاطعات اليوم، مع التاريخ هذا؟

فأجاب فهمي آنذاك: "نعم، يمكن رسم تقاطعات.. لكني سأفعل ذلك من خلال أسئلة: هل عندنا اليوم، كمجتمع مصري، القدرة على مساءلة على هذا الجيش؟ هو جيش مَن؟ وأهداف مَن يخدم؟ هل من حقنا كمجتمع وشعب أن نتساءل في شأن قدرتنا على مراقبة أدائه؟... هذه أسئلة صعبة، وفي صميم السياسة. واستحضر فهمي يوم 30 مايو/أيار 1967، قُبيل الحرب، لمّا جمع عبدالناصر، قادة الجيش ووزير الحربية عبدالحكيم عامر، فسألهم: هل نحن جاهزون للحرب؟ فقال له عامر: "برقبتي يا ريس".. فرأى في الواقعة هذه نموذجاً معبّراً عن غياب تام لأي تساؤل مجتمعي نقدي للجيش، من إعلام أو نقابات أو رأي عام. وقال لـ"المدن": "كانت الهزيمة محتمة لأننا لم نكن جاهزين، لكن المسألة هنا ليست في الهزيمة نفسها، بل في عمقها وشكلها".

ويبقى لقارئ مدوّنات خالد فهمي الأخيرة، رسم المزيد من التقاطعات، من جيش محمد علي، إلى جيش عبد الناصر/عبد الحكيم عامر، إلى جيش عبد الفتاح السيسي. فالذكرى الخمسين لهزيمة حزيران/يونيو67، التي تحلّ بعد أيام، ليست مجرد رقم ذهبي، بل إرث ثقيل رابض على الحاضر، ولا يبدو للمستقبل فكاكاً منه. والكلام نفسه ينسحب على جيش حافظ الأسد وسلالته، وجيشَي صدام حسين والملك حسين، وفدائيي ياسر عرفات قبل مليشيات "حماس" و"فتح"...


التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.