الرئيسية » , » أمريكا وقصائد أخرى | كلود مكاى | ترجمة وتقديم عبد السلام إبراهيم

أمريكا وقصائد أخرى | كلود مكاى | ترجمة وتقديم عبد السلام إبراهيم

Written By Hesham Alsabahi on الاثنين، 3 أبريل 2017 | 12:11 م


أمريكا
وقصائد أخرى


كلود مكاى
ترجمة وتقديم عبد السلام إبراهيم

  كلود مكاى ( 1889 – 1948 ) شاعر و كاتب جامايكى , كان شيوعيا فى بداية حياته مما جعله يبادر بزيارة الإتحاد السوفيتى . و حضر المؤتمر الرابع للحزب الشيوعى الدولى فى موسكو . و هناك قابل زعماء بلشيفيين ، مثل ليون تروتسكى . لكنه لم يكن عضوا حقيقيا فى الحزب الشيوعي .
  اندمج مكاى فى نهضة هارلم فكتب ثلاث روايات " العودة إلى هارلم " 1928 التى كانت من أفضل المبيعات , و التى حصل بها على جائزة هارلم الذهبية فى الأدب عام 1929 , و " قاع الموز " 1933 . كما قام بتأليف مجموعه قصصية " مدينة الزنجبيل " 1923 , وكتابات سيرة ذاتية ،
  و "طريق طويل من البيت " 1937الذى كان من أوائل الكتب التى نشرت خلال نهضة هارلم .ديوانه " قصائد مختارة " 1953نشر بعد ذلك .
   كان مكاى الأصغر فى العائلة . فى سن الرابعة بدأ التعلم ، و فى سن السابعة أرسل ليعيش مع أخيه الأكبر الذى يعمل مدرسا حتى يحصل على أفضل فرصة من التعليم المتاح ، مما جعل مكاى يصبح قارئا نهما و بدأ كتابة الشعر فى سن العاشرة ، بينما كان يخضع للتعليم تحت إشراف أخيه درس أعلام الأدب الكلاسيكى الانجليزى و الفلاسفة كما درس العلوم . فى عام 1907 قابل والتر جيكيل الذى أصبح بالنسبة له معلما و ملهما ، شجع مكاى لكى يركز فى كتاباته .أقنع جيكيل مكاى ليكتب بلهجته المحلية ، وساعده فى نشر ديوانه الأول " أغانى جامايكا " فى عام 1912 . كانت تلك القصائد أول ما نشر بلهجة الباتوس المحلية ( كلمات انجليزية بتركبات أفريقية ) .
  ديوانه التالى اسمه " أغانى شعبية للشرطى " ظهر فى نفس العام و الذى بنى على خبرته كشرطى فى جامايكا . صدم مكاى بسياسة التمييز العنصرى الذى قابله فى تشارلستوم فى كارولينا الجنوبية فنشر قصيدتين فى عام 1917 فى مجلة سفن أرتس تحت اسم الياس ادواردس لكنه استمر في العمل كنادل فى السكك الحديدية . في عام 1919 قابل ماكس ايستمان وأصدر مجلة المحرر التى عمل بها مكاى رئيس تحرير تنفيذى و التى نشر فيها قصيدة من أشهر قصائده " لو كان لا بد أن نموت " خلال الصيف الأحمر وهى فترة تميزت بالعنف العنصري الحاد ضد ذوى البشرة السوداء فى المجتمعات الأنجلو أمريكية .

مكاى ونهضة هارلم :
  نهضة هارلم أو حركة الزنوج الجديدة تشير إلى ازدهار الحياة الثقافية للأمريكيين ذوى الأصول الأفريقية خلال 1920 و1930 . على الرغم من أن تلك الحركة تركزت فى هارلم التى تجاور مدينة نيويورك إلا أن كتاب زنوج ينطقون باللغة الفرنسية من أفريقيا ومستعمرات الكاريبى والذين يعيشون فى باريس قد تأثروا بها .
  فى عام 1917 جاء هربرت هاريسون الأب الروحى لرديكالية هارلم فأسس رابطة الحرية أول هيئة سياسية وصحيفة " الفويس " أول صحيفة لحركة الزنوج الجدد . وعلى الرغم من أن كل من الهيئة والصحيفة كان لهما تطلعات سياسية إلا أن لهما تأكيد هام على الفنون والأدب . فتبنت الصحيفة مبدأ الشعر للشعب وكان بها أقسام لإصدارات الكتب ، أما فأصل النهضة يعود إلى أنها خرجت من رحم التغييرات التى حدثت فى المجتمع الزنجى الأمريكى منذ إلغاء العبودية . فحدثت نهضة موسيقية خصوصا فى موسيقى الجاز ، وتأسس أول مسرح لنهضة هارلم ، وشهد عرض ثلاث مسرحيات للمسرح الزنجى كتبها كاتب مسرحى أبيض وهو ريدجلى تورينس ومثلها ممثلون زنوج ، وكتب شعراء زنوج قصائد ونشروا دواوين ولحن ملحنون تلك القصائد وغنيت فى أنحاء أمريكا . ومن أهم الأسماء التى كان لها دور بارز فى نهضة هارلم شاعرنا كلود مكاى ، والممثل تشارلز جلبن ، والكاتب المسرحى جون ماثياس ، وجوزيف كوتر سيمون الابن ، والشاعر لانجستون هوز ، وكونتى كولن ،  والروائى رودولف فيشر .
    كان مكاى علما بارزا ، ظهر كواحد من أوائل الأصوات الفدائية لنهضة هارلم . فيعتبر من أوائل الشعراء الرواد فى الحركة ، فقصيدته " مرفوض " والتى ضمها فى ديوان " ظلال هارلم " 1922 كانت صوتا متميزا فى الشعر وصرخة ذات صدى كبير  . كتب مكاى قصائد غنائية لوطنه جامايكا ، والتى تتناول الحب والاغتراب . كما فى قصيدة " المدارات فى نيويورك " وقصيدة " راقصة هارلم " .
  إن نبرة الكثير من أعماله وصفت بأنها ضمير الثورة ومناهضة العنصرية . كان مكاى مدافعا عن الحريات المدنية ومناهضا للعنصرية . أصدر بعد ذلك كتابة " عاصمة الزنوج " 1940 ، ثم أصدر ديوان " قصائد مختارة 1953 .      

  أصدر مكاى ديوانين " الربيع فى نيو هامبشاير " 1920 . ثم زار بعض الدول مثل انجلترا فمكث فيها بعض السنوات ، ثم روسيا وأماكن عديدة فى أوربا ثم أخيرا المغرب . عندما نشر ديوانه " ظلال هارلم " فى عام 1922 عرف بأنه اتجاه جديد فى الكتابة الأفرو أمريكية ، والتى تعبر عن الغضب وموقف التحدى تجاه سياسة التمييز العنصرى الأمريكى . فكان وصول مكاى لأمريكا قد جعله فى مواجهه مع العنصرية التى تتسم بالعنف والتعسف ، فصدم واستشاط غضبا لما رآه ومر به ، فعبر عن ذلك بقصيدة نالت شهرة كبيرة وهى قصيدة " لو كان لابد أن نموت " التى اقتبسها ونستون تشرشل فى الحرب العالمية الثانية ، وقصيدة " أمريكا " و " المدينة البيضاء "
  إن تناوله لتك الموضوعات كان جديدا فى الشعر الأفرو أمريكى . لأن مكاى يكتب كرجل يواجه ما تقدمة الحياة وكشاعر يريد أن يشارك فى تلك الخبرات ويتفاعل معها . خدم شعره أغراضا سياسية واجتماعية ، لكنه سبر أغوار قطاع عريض من خبرات الحياة الإنسانية .


أمريكا

بالرغم من أنها تطعمنى خبز المرارة،
وتغرز فى حنجرتى ضرسها النمرى
تسرق أنفاس حياتى، أعترف
أحب هذا الجحيم المزروع الذى يختبر حياتى!
عنفوانها يتدفق مثل المد فى دمى
يمدنى بالقوة فأنتصب مواجها كراهيتها
اجتاحت ضخامتها كيانى كشلال .
كثائر يواجه ملكا فى مملكة،
أقف بين جدرانها دون أن يتمزق الخوف
أو الحقد أو كلمة ساخرة
أحدق بحزن فى بطن الأيام المقبلة،
فأرى بأسها وعجائبها الجرانيتية هناك،
تحت لمسة يد الزمان المعصومة،
مثل كنوز لا قيمة لها تغوص فى الرمال.



ألفونسو، يتزين لينتظر عند المائدة

ألفونسو فتى برونزى ملون وسيم
ذو طبيعتان مغايرتان ومدهشتان
الطبيعتان عاصفتان ومرعبتان
لكنهما تخلفان البهجة
عيناه خلقتا لتأسرا ألباب النساء

يغنى ألفونسو عند البئر المجيد
أغنية الخمر القديمة ويطرق على الكئوس
يفتش بشغب ويثب بشكل رائع
يقبل فتيات غير مرئيات بمرح

صوت ألفونسو ذو موسيقى
تأسر أجسادنا المتمايلة  وتسرق قلوبنا  
وعندما يرتقى ، يغنى بصوت عال
كلمات ذهبية نادرة دون نشاز

لكن، يا ألفونسو! لهذا السبب أنت تغنى
أغنيات حالمة عن رجال هانئين وأماكن أثرية؟
قريبا ستهاجما صرخات الجوع
ورجال بيض وجوههم مالحة.


مدارات نيويورك

الموز ناضج وأخضر وجذور الزنجبيل
الكاكاو فى الأفران وكمثرى التمساح
واليوسفى والمانجو والجريب فروت

جلست عند النافذة أجتر ذكريات
عن أشجار الفاكهة المثقلة الواقفة فوق غدير منخفض أغنى
وأوقات الفجر الندية ، وسماوات زرقاء غامضة
فى صفحة بركة فوق التلال

أصبحت عيناى معتمتين ولن أستطيع التحديق،
اجتاحتنى موجة شوق،
وظمأ للجداول القديمة المألوفة،
تنحيت جانبا وأطرقت برأسى وأجهشت بالبكاء.


عن برودواى

عندما كنت شابا وقدماى المهملتان
أتباطأ فى الشارع المبهرج
فوق مائة لافتة صائحة
ذرفن توهجهن الرائع الساطع
فوق الحشد السعيد
وصفوف العربات التى تسوقها الجياد
كم أنت رائعة يا برودواى .. لكن
قلبى ، قلبى يشهق من الوحدة .

رغبة عارية متشبثة بالعاطفة
تتهادى فى رداء نحاسى
من مسرح إلى كبارية وحانة
يستقى قوس قزح ضوءه من وهج برودواى
المرح خارجة والمرح داخله :
أقف محدقا كأننى أحلم
فى برودواى ، برودواى الساطعة .. لكن
قلبى ، قلبى يشهق من الوحدة .


الحاجز

لا يجب أن أحدق فيهما
عيناك يوم يبزغ فجره
لا يجب أن أرقبك وأنت تولين الأدبار
فشمسك طريق مضئ

أسمع لكن لا يجب أن ألتفت
النبرة الساحرة
التى تزمر كصفحة النهر
تأتى من حنجرتك المتلعثمة

لا يجب أن أنطر إلى صفحة وجهك
فالحب يطلق شرارته بعذوبة
لأن هناك الحاجز العرقى
فأنت بيضاء وأنا زنجى



بعد الشتاء

يوم ما عندما تذرف الأشجار أوراقها
وأمام صفحة الصباح البيضاء
الطيور المرتعشة تحت الإفريز
تحتمى فيه من ظلام الليل
سنولى وجوهنا صوب الجنوب يا حبيبتى
صوب جزيرة الصيف
حيث ينبت الخيزران فى بستان مغشوش
وحيث تبتسم السحالب[1] ابتسامة عريضة

وسنبحث عن التل الهادئ
حيث نعتلى شجرة القطن
ونتقافز فى الغدير البللورى الضاحك
ونقلد دندنة النحلة
وسنبنى كوخا هناك
بجوار مكان فسيح
بخيوط سوداء وأجراس زرقاء تعصف بالجوار،
وسراخس لا تذبل .


البلاتو

كانت نظرة فضية يغلفها القلب
لخط بحرى غامض بعيد جدا
يُرى فى يوم ذهبى أبيض ساطع ،
فجعله عزيزا وجميلا عندك .

وأحبته لورا من أجل المرتفع الصغير
حيث النار المشتعلة قاحلة ومظلمة
بسبب ظلال الشمس المحتضرة
تأملت الطاحونة الخشبية المقدسة

بينما دانى يحب العشب المتسامق الساتر
حيث يتمدد فى ليلة جافة صافية
ليسمع ويرى ما تعرضه السماء بمهارة،
العشاق السعداء لعبور الوادى

لكن أوه! أحببتها بسبب القمر المستدير الكبير
الذى تأرجح خارجا من السحب وارتفع فتلاشئ،
يحترق بالشوق والنعومة المجيدة
يضئ الزهور الأرجوانية لعطر حزيران.


الماعز البرى

أوه هل لك أن تكسونى فساتين حريرية
وتأوينى من البرد
وتغلق بيدين ناصعتين سجونى اللامعة ،
وتشترى لى سلاسل ذهبية ،
وتمنحنى .. بشكل وديع كى أحقق رغبتى ..
الأبناء المنحوسون لرجال ..
لكن الماعز البرى مقيد بتل عال
يتدلى فى القلم النائم فى العشب .


المراهَقَة

ذات مرة فى وقت متأخر من المساء
الساعة الرابعة تطوى صفحة النهار
وردى وأبيض لون الصلوات وتحت القمر العائم
أتمدد فى سكينة  ورقاد جميل .

وفى الفضاء الرحب أغمض جفونى
نصف عاريا للعوالم المشعة فوقى ،
جاء السلام مع النوم وكان النوم طويلا وعميقا .
سيق دون مشقة ، عذبا كالحب الأول

لكن الآن لا يوجد بلسم .. أو دواء أو عشب ضار أو خمر ..
يمكن أن يأتى براحة حقيقية تبرد حمى جسدى ،
أو يلطف المحلول الملحى الحامضى فى فمى ،
الذى يضيف الملح لشرابى وهكذا للأبد .



ظلال هارلم

أسمع خطوات متعثرة لفتاة
فى حى هارلم الزنجى عندما يرخى الليل سدوله
أرى الفتيات المتبديات ينحنين
ويساومن على نداء الرغبة
آه ، الفتيات السوداوات المنتعلة أقدامهن
يطفن خلال ظلام الليل من شارع إلى شارع !

خلال الليل الطويل حتى الاستراحة الفضية
ليوم لا تعرف الأقدام الصغيرة السوداء الراحة ،
خلال الليل البهيم حتى يتقشر الجليد الأخير
الذى يقع من السماء على صدر الأرض الأبيض
الفتيات المعتمات ذوات الأقدام المنهكة يمشين
برقة من شارع إلى شارع .

آه ، إنه عالم قاس وصارم ذلك الذى
 أصاب وجه الفقر بالخزى
قد دفع الأقدام الصغيرة الهيابة للوحل ،
الأقدام البنية المقدسة لبنى وطنى الساقط !
آه ، يا قلبى ، الأقدام المذعورة فى هارلم
تتجول من شارع إلى شارع .


المدينة البيضاء

لن أعبث بها أو أنحنى قدر بوصة
عميقا فى غرفات قلبى السرية
أتأمل مقت حياتى المديدة ودون إحجام
أحتملها بنبل وأنا أعيش دورى
وجودى سيكون هيكلا ، قشرة ،
لو وجدت تلك الأحاسيس السوداء التى تملأ كل جوارحى ،
وتجعل فردوسى فى الملأ الأعلى جحيما ،
هل نقلت لى دما حيويا أبديا .
أرى المدينة الشديدة البأس ضبابا ..
القطارات المهيمنة التى تخترق الجماهير المثقوبة ،
الأقطاب والأبراج المدببة التى تبخرت قبلاتها ،
الميناء المحصن الذى تعبر من خلاله السفن الهائلة ،
أتأمل المد وأرصفة الميناء والجحور ،
مذاقهم جميل مثل قصص الحب الطائشة التى أمقتها .


الشعر

أتعثر أحيانا كزهرة عصفت بها الريح
وأحاول أن أخفى روحى المعذبة منك
أحنى رأسى فى إذلال عميق
أمام رعد قوتك الصامتة
أفر أحيانا أمام نورك المشتعل
كما أفر من خيال مطاردة الموت
وأرهب أنفاسك العاتية
مسارات الريح ستعصف بى إلى ليل مطلق
أخاف أن يبتلعهم ..
قصص الحب التى تجرى فى دمى
عاطفتى ومتعتى على وجه الأرض ..
فُقدت للأبد فى كأسك السحرى !
أخشى ، أخشى قلبى البشرى الصادق
أن يهلك فوق صخرة الفن المتغيرة !













[1] - زهور ذات ألوان بديعة .( المترجم )

التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.