الرئيسية » , , , , , , , , » ويليام زينسر: الكتابة غير الأدبية بوصفها أدبًا ترجمة: نهى الرومي

ويليام زينسر: الكتابة غير الأدبية بوصفها أدبًا ترجمة: نهى الرومي

Written By Hesham Alsabahi on الأحد، 16 أبريل 2017 | 6:13 ص


ويليام زينسر: الكتابة غير الأدبية بوصفها أدبًا

ترجمة: نهى الرومي
في إحدى عطلات نهاية الأسبوع، قبل عدة سنوات مضت، ذهبت الى بافلو للحديث في
 مؤتمر للكتاب، نظمته مجموعة من الكاتبات في المدينة. كانت النساء جادات فيما يتعلق بمهنتهن، وكانت الكتب والمقالات التي كتبنها مفيدة وقيمة. وقد طلبن مني أن أشارك في برنامج إذاعي لأعلن عن المؤتمر، سيتواجدن مع المذيع في الاستديو وأكون معهم على الهاتف من شقتي في نيو يورك.
حان الموعد المسائي ورن هاتفي، حياني المذيع بالبشاشة المتكلفة التي يُعرف بها. قال إن بصحبته في الاستديو ثلاث سيدات لطيفات، وكان متشوقًا لمعرفة رأينا في الوضع الحالي للأدب، والنصائح التي نود تقديمها لمستمعيه، وهم أدباء مثقفون، ولديهم طموحات أدبية. وقعت هذه المقدمة على مسامعنا كالسيف، ولم يكن في جعبة أي من السيدات الثلاث ما تقوله، وكان هذا الصمت هو الرد الأنسب في ظني
طال الصمت، ونطقت أخيرًا: “أعتقد أن علينا أن نكف عن استعمال كلمة “أدب” أو “أدبي” أو “أدباء”. أعلم أن المذيع يملك فكرة عن نوع الكتاب الذي ننتمي إليه، والأمور التي أردنا مناقشتها، لكنه لم يملك أي مرجعية أخرى. قال: “أخبروني عن آرائكم حول التجربة الأدبية في أمريكا في يومنا الحاضر؟”، استقبل هذا السؤال بالصمت أيضًا. قلت أخيرًا: نحن هنا لنتحدث عن حرفة الكتابة.
لم يفهم، وبدأ يستدعي أسماء كتاب مثل إرنست همنجواي وسول بيلو وويليام ستايرون، الذين نعتبرهم مؤكدًا عمالقة في الأدب. وأوضحنا أنهم لم يمثلوا نماذج كتابية بالنسبة لنا. وذكرنا أشخاص مثل لويس توماس وجوان ديديون وجاري ويلز. لم يسمع بهم المذيع من قبل.  ذكرت إحدى السيدات كتاب توم وولف ”أشياء حقيقية” ولم يكن قد سمع به. أوضحنا له أنهم كتاب أثاروا إعجابنا بقدرتهم على تطويق محاور  وقضايا اليوم
سأل المذيع: ألا ترغبن بكتابة  مادة أدبية؟، أجابت السيدات الثلاث بالتعبير عن رضاهم المسبق بمخرجاتهم الحالية. قاد هذا إلى سكتة أخرى، وبدأ المذيع باستقبال المداخلات الهاتفية من مستمعيه، الذين أبدوا اهتمامهم بحرفة الكتابة وأرادوا أن يعرفوا كيف تعاملنا معها. سأل المذيع عددًا من المتصلين: “لكن ألا تحلم في  سكون الليل بكتابة الرواية الأمريكية العظيمة؟” ولم يحلموا بذلك، لا في سكون الليل ولا في أي وقت آخر.   كان أحد أردأ برامج الإذاعة الحوارية على الإطلاق
تلخص القصة موقفًا سيفهمه أي ممارس للكتابة غير الأدبية. البعض منا، أولئك الذين يحاولون الكتابة جيدًا عن العالم الذي نعاصره، أو يعلموا الطلاب أن يكتبوا جيدًا عن العالم الذي يعاصرونه. المحبوسون في تعريف زمن ولى، حيث ما زال الأدب يعرّف بأشكال تصنف من “الأدب” بمعايير القرن التاسع عشر: الروايات والقصص القصيرة والقصائد. لكن الرجاحة الكبرى لما يكتبه الكتاب ويبيعونه في وقتنا الحالي، ما ينشره ناشرو الكتب والمجلات، وما يطلبه القراء، هو غير الروائي
يمكن توثيق النقلة بكل أنواع الأمثلة، أحدها هو تاريخ نادي “كتاب الشهر”، عندما موّل هاري شيرمان النادي عام ١٩٢٦، لم يملك الأمريكيون مدخلًا للأدب الجديد الجيد، وكانوا يقرأون الرديء، مثل بن-هور. كانت فكرة شيرمان أن أي مدينة يوجد فيها مكتب بريدي، يوجد فيها ما يكافئ المكتبة، وبدأ يرسل الكتب الجيدة الجديدة، للقراء حديثي الانضمام حول البلاد
كان معظم ما يرسله روائيًا، قائمة الخيارات الأساسية التي يختارها النادي متخمة بالروايات بشكل كبير، إلين غلاسكو، وسنكلير لويس، وفرجينيا وولف، وجون جالزورثي، وإلينور وايلي، وإغنياتسيو سيلونه، وروزمود ليمان، وإيديث وارتون، وسومرست موم،وويلا كاثر، وبوث تاركينجتون، وإسحاق دنس [المعروفة بكارين بلكسن أو سيولا: المترجم]، وجيمس جول كوزنس،ثورنتن وايلدر، سيغريد أوندست، وإرنيست همنجواي، وويليام سارويان، وجون ب. ماركواند، وجون شتاينبك، وكثيرون غيرهم. كان هذا ذروة الأدب في أمريكا. بالكاد سمع أعضاء نادي “كتاب الشهر” أي شيء عن الحرب العالمية الثانية. ليس قبل أن تصل إليهم عام ١٩٤٠ في كتاب “السيدة مينيفر” رواية باردة المشاعر عن بدايات معركة بريطانيا معركة جوية من معارك الحرب العالمية الثانية، شنها هتلر لاحتلال الجزيرة اابريطانية، 1940
تغير كل شيء مع ظهور بيرل هاربور. أرسلت الحرب العالمية سبعة ملايين أمريكي عبر المحيطات وفتحت أعينهم على الواقع: على أماكن جديدة ومواضيع جديدة وأحداث جديدة. وتعززت هذه الظاهرة بعد الحرب من خلال ظهور التلفاز.  سئم الناس الذين كانوا يشاهدون الواقع كل مساء في غرفة المعيشة من إيقاع الروائيين البطيء وتورياتهم الكنائية. تحولت أمريكا في ليلة وضحاها إلى أمة ترتكز عقليتها على الحقائق. وبعد ١٩٤٦ طلب نادي ”كتاب الشهر”، وبالتالي تلقى، بشكل أساسي، المواد غير الروائية
جرت المجلات في التيار نفسه. ”ذا ساترداي إيفنينج بوست” (مجلة مساء السبت). التي طالما لقمت عقول قرائها نظامًا غذائيًا دسمًا من القصص القصيرة لكتاب بأسمائهم الثلاثية :كلارينس بادينجتوت كيلاند، أوكتافوس روي كوهان. انعكست الآية في مطلع الستينات. إذ خصصت المجلات 90% من مساحتها للمقالات غير الأدبية. وقصة قصيرة واحدة فقط لكاتب ذي اسم ثلاثي، لكيلا يشعر الأوفياء للزاوية بالتخلي. كانت بداية حقبة ذهبية للكتابة غير الأدبية/غير الروائية، ولمجلة ”لايف” خاصة، لنشرها مقالات متقنة أسبوعيًا في ”ذا نيو يوركر”، مما رفع سقف الصنعة من خلال توليد أعلام في الكتابة الامريكية الحديثة، مثل ”الربيع الصامت” لرايتشل كارسون، و ”بدم بارد” لترومان كابوتي، ومجلة هاربر، التي أطلقت بدورها قطعًا استثنائية مثل ”جيوش الليل” لنورمان ميلر. أصبحت الكتابة غير الأدبية تمثل الأدب الأمريكي الجديد
لا يوجد في الحياة -الماضية والحاضرة على حد سواء- اليوم، مجال يصعب فيه على القراء العاديين أن يقرأوا لرجال ونساء، يكتبون بكل جدية وجمال. فزد على هذا الأدب الحقائقي كل الضوابط التي اعتبرت فيما مضى أكاديمية بحتة، كالأنثروبولوجيا والاقتصاد، وعلم الاجتماع، الذي بات اختصاص الكتاب غير الأدبيين، والقراء متعددي الاهتمامات. وأضف كل الكتب التي تدمج التاريخ والسيرة الذاتية، التي ميزت الكتابة الأمريكية في السنوات الأخيرة: ”ترومان” و“الطريق بين البحار” لديفيد ماكلوغ، و “صانع القرار: روبرت موسى و”سقوط نيويورك” لروبرت كارو، و ”أمريكا في عهد كينج”  لتايلور برانش، و ”حياة نيويورك هيرالد تريبيون وموتها” لريتشارد كلوجار، و ”صنع القنبلة النووية” لريتشارد دوريس، و ”من بيروت إلى القدس” لتوماس فريدمان، و ”أرض مشتركة” لأنثوني لوكاس، ” ثيودور ريكس” لإدموند موريس، و ”الأرض الموعودة” لنيكول ليمان، و ”شبح الملك ليوبد” لآدم هوكشيلد، ”والتر ليبمان والقرن الامريكي” لرونالد ستيل،  “منكن عابد التماثيل” لماريون إليزابيث رودجر، ”ضريح لينين: الأيام الأخيرة للإمبراطور السوفييتي” لديفيد ريمنك، و ”ميليفيل” لأندرو ديلباكو”، ”دو كونينج: أستاذ أمريكي” لآنالين سوان ومارك ستيفن. يتضمن سجل كتاب أدب الكتابة غير الروائية -باختصار- كل الكتاب المحملين بالمعلومات ممن يقدمونها بعنفوان ووضوح وإنسانية
لا أزعم بموت الكتابة الروائية. مؤكد أن للروائيين قدرة على أخذنا إلى أماكن لا يستطيع أن يسافر إليها كاتب آخر، في المشاعر العميقة والحياة الداخلية. ما أعبر عنه هو أني ضقت ذرعًا بالأنفة التي ترى أن الكتابة غير الروائية مجرد مسمى آخر للصحافة، وأن أي مسمى للصحافة يعد كلمة بذيئة.  فبينما نعيد تعريف الأدب، لنعد تعريف الصحافة، الصحافة هي أي كتابة تظهر للمرة الأولى في أي صحيفة دورية، أيًا كان الحزب الذي تنتمي إليه. كتب كتابا لويس توماس الأولان ”حياة خلية” و ”قنديل البحر والحلزون” ، كتبا للمرة الأولى كمقالات في مجلة نيو إنجلاند الطبية. وعلى مر التاريخ في أمريكا، الصحافة الجيدة تغدو أدبًا جيدًا. مينكن ورينج لاندر وجوزيف متشل وإدموند ويلسون وغيرهم من الكتاب الأمريكين الكبار عملوا صحفيين قبل أن تقدس أسماؤهم في كنيسة الأدب. قاموا بما يجيدونه وحسب، غير مكترثين بكيفية تعريفه
على كل كاتب في نهاية المطاف أن يسلك الطريق الأنسب له. بالنسبة لمعظم من يدرس الكتابة، تلك الطريق هي الكتابة الروائية. تمكنهم من الكتابة عن ما يعرفونه أو يلاحظونه أو يكتشفونه، هذا بالنسبة للفتيان والطلاب خاصة. سيكتبون بتلقائية أكبر عما يمس حياتهم الشخصية، أو ما يجدون في أنفسهم قابلية للكتابة عنه. يكمن الدافع في قلب الكتابة. إذا كانت الكتابة غير الأدبية هي موطن كتابتك الفضلى، أو تدريسك الأفضل للكتابة، فلا تتراجع متأثرًا بأنها من سلالة دنيا. الفارق الوحيد المهم هو بين الكتابة الجيدة والكتابة السيئة، الكتابة الجيدة تعد كتابة جيدة مهما كان الشكل الذي تتخذه، وكيفما سميناها

المصدر موقع تكوين
التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.