الرئيسية » , » من جماليات النص الشعري عند محمد القليني | علي منصور

من جماليات النص الشعري عند محمد القليني | علي منصور

Written By Hesham Alsabahi on الخميس، 30 مارس 2017 | 1:29 م

من جماليات النص الشعري عند محمد القليني
علي منصور
بيسر بالغ نستطيع أن نتلمس عددا من جماليات النص الشعري عند الشاعر محمد القليني ، وذلك من خلال قراءة ديوانه الأول :(أركض طاويا العالم تحت إبطي)، الصادر حديثا عن دار العين للنشر.
أولى هذه الجماليات تتمثل في المخيلة الطازجة للجملة الشعرية ، والتي تكاد أن تكون ( قلينية ) خالصة ، أى لم نعهدها من قبل لدى غيره من الشعراء ، ومن هنا فقد منحت القليني صوته الخاص فجاء ديوانه الأول بمثابة علامة فارقة تؤرخ لجيل شعري جديد.
والتدليل على ذلك يسير ، والأمثلة لا حصر لها ، خذ أى نص ، ولو بشكل عشوائي ، وستضع يدك بسهولة على ما نقول  ، خذ مثلا نص :( يا بائع الأقفال)

يا بائع الأقفال ..دلني على قفل قوى
أغلق به ذلك الباب في ذاكرتي،
الباب الذي تجتازه حبيبتي القديمة كل مساء
لمجرد أن تقوم بطلاء حنجرتي
بالأغنيات الحزينة!
يا بائع الأقفال ..لا تدعني أتعثر كل صباح في ضحكة
تتركها حبيبتي عمدا على السجادة
ولا تدعني أشتري كل يوم فنجانا جديدا
لأني لا أستطيع أن أغسل أحمر شفاهها
الذي تلطخ به فنجان قهوتي
وهى ترشف آخر قطرة فيه
يا بائع الأقفال !
يا بائع الأقفال !
يا بائع الأقفال !
هى إذن مخيلة غير مألوفة ، جاءتنا بنص شعري غير مسبوق  ، ما جعلنا نطلق عليها مخيلة طازجة . فلعلها المرة الأولى التي نصادف فيها جملة شعرية تجمع بين ( بائع الأقفال ) وبين تداعيات الحب وأطياف الهوى . بين ( بائع الأقفال ) و ممازاحات الحبيبة القديمة المواشاة بالمناوشات المحببة . لا وصف يليق بهذه المخيلة  قدر المخيلة الطازجة .

ثاني هذه الجماليات نجدها في الصياغة الرشيقة للجملة الشعرية ، وأعني بالصياغة الرشيقة  البعد عن الغموض الذي يودي بنا لغياهب الطلاسم ، والبعد أيضا عن المباشرة التي تذبح النص بسكين السطحية الفجة . ومن هنا جاءت  رشاقة الصياغة  بطول الديوان وعرضه ، وجرب ذلك على أى صفحة تفتحها عرضا ، وإن أردت ألا تذهب بعيدا فأعد قراءة  يا بائع الأقفال وستعثر على ما نقول .

ثالث هذه الجماليات يكمن في خفة الروح الساخرة للجملة الشعرية (القلينية) ، وهذه الجمالية أوضح ما تكون في كافة النصوص !! وعد مجددا  ل ( يا بائع الأقفال ) ، وتلمس روح السخرية الخفيفة بين الغناء الحزين الذي تدفعنا إليه الحبيبة القديمة ، وبين ضحكتها التي تتركها عمدا على السجادة . بل إن من جمال هذه الخفة ، ولذة السخرية الجميلة في هكذا تشكيل شعري لتدفع القارئ للتعاطف مع الحبيبة القديمة ومع ( بائع الأقفال )  ليظل الباب مفتوحا ، الباب الذي تسعدنا درامية الحركة من خلاله . تلك الدراما التي تطيل عمر الحب ، وعمر النص .

جمالية رابعة من جماليات النص الشعري عند محمد القليني تتمثل فيما يمكن أن نطلق عليه براءة الرؤية  في الجملة الشعرية ، أو المعادل الموضوعي للفطرة الإنسانية السليمة ، فنحن بإزاء شاعر ذي روح طيبة ، وسريرة نقية ، وموهبة خالصة  لافتة . اقرؤوا معي هذا النص بعنوان ( حكمة ) ،


على عكس كل الشعراء ..
أنا لا أحب القمر .
في صباى شاهدته يكشف
صدر جارتنا العفيفة لمغتصبيها .
ولا أحب السحب
فقد تقيأت إحداها فوق رأس جدي العجوز
وهو يهرول لشراء دواء
لأمي المسجاة على طاولة الموت .
لكني أحب الله
وأعلم أن له حكمة
من أن تمطر سحابة
في المكاء الخطأ
ومن أن يضىء القمر
طريق أشخاص سيئين .

كأنه موسى والخضر في آن ، ذلكم محمد القليني ، يرى الفيزيقا والميتافيزيقا ، الظاهر والباطن ، بروح شفيفة تحلق فوق العالم فتبصر تناقضاته ومع هذا تملؤها سكينة عالية ، أو ما سبق أن أطلقنا عليه البراءة الرؤيوية .
ثمة يقين دفين يهيمن على روح القليني ، يمسح الغشاوة ويمنح السكينة ، يبصر الشر و يحث- بخفة - على مقته ، ويمنح الرضا - كي لا نسخط ، ولا نقنط - بل يدعونا  للتصالح مع النفس ، ومع الآخر. ثمة أرواح أخري تستدعيها لنا رؤية القليني ، غاندي مثلا ، أو ربما طاغور.



خامس هذه الجماليات ، وقد لانستطيع حصرها ، يتمثل في المفارقة الفنية في الجملة الشعرية ، ولا يكاد يخلو من ذلك نص من نصوص القليني ، إلا أن نص ( شظايا حلم ) يأتي مثاليا في الاستشهاد به ، إقرؤوه معي هنا ، وتأملوا السطور الأخيرة منه ، ولا تفوتنكم مفردة ( النفاق ) في السطر الأخير ،  ستصلكم هذه المفارقة الفنية الفارقة بكل تأكيد ، وستقولون معي : سلام على القليني في الشعراء الخالدين .

 ( شظايا حلم )

هل تقبل ماكينة تصوير الأوراق
أن أتمدد داخلها
وأطبع منى عشرات النسخ؟!
قولوا لها إن واحدا مني
لا يكفي لصد طعنات الموسيقى
وأني أريد أن يكون هناك
نسخ إحتياطية مني
كى أستخدمها عند الحاجة.
كأن أستعير من إحداها خدا
بدلا من ذلك الذي صفعته امرأة جميلة
استوقفتها في الشارع ذات مرة
لأعبر لها عن امتناني لجمالها،
أو أن أستعير منها قدمين
أضيفهما إلى قدمي اللتين
لا تمكنانني من اللحاق بأحلامي السريعة،
أو أن أبقى في العمل
برائحة عرقي المقززة
وملابسي التي اتسخت بالهموم
وأطلب من نسخة نظيفة مني
أن تذهب لتحتسي العصير مع حبيبتي
في كازينو يطل على النفاق مباشرة.


القفز من نافذة العمر ، نص آخر من نصوص القليني ، تتجسد فيه بقوة المخيلة الطازجة ، والصياغة الرشيقة ، وخفة الروح الساخرة ، والرؤية الإنسانية البراء ، والمفارقة الفنية المدهشة ، والقيمة الشعرية العالية ( التضحية ) وغير ذلك من كل عناصر التخليق الشعري الفاعل ، اقرؤوها بقلب مفتوح لتزدادوا سموا ، أو اقرؤوها بقلب غافل عله يرق ، ثم يدق .


لي ورقة قديمة نشرتها قبل أكثر من عشر سنوات وطرحت فيها رؤيتى الخاصة عن شعرية ( القيمة ) في النص ، ودعوت من خلالها للتكريس لمحورية ومركزية ( القيمة ) في النص الشعري على أن تتضافر كافة العناصر الأخرى من مخيلة وتشكيل وموسيقى ومفارقة وسلاسة سرد وبساطة مفردات وغير ذلك من أدوات التخليق الشعري لإحياء القيمة العالية ، أو تنحية القيمة الوضيعة .
هذا الديوان ( أركض طاويا العالم تحت إبطي ) يكاد أن يكون التحقيق الأمثل لهكذا رؤية ، ربما بشكل أجمل مما حاولته أنا عبر مجموعات شعرية بلغت العشر مجموعات .
سأضرب لكم مثالا واحدا ، كى لا أطيل
لا يخفى على أحد الآن هذه الصرعة الإستهلاكية التي تهيمن على السلوك البشري والتي تزداد يوما بعد يوم وتشكل نهما لا سبيل إزاءه لتمهل أو تريث فضلا عن تدارك أو تفهم !!
وجميعنا يدرك الآثار السلبية على المستوى الإنساني لهكذا نزعة جعلت الحياة ذاتها نسخة  Disposable
أو كما يقولون كيلينكس !!
محمد القليني رصد هذه المعضلة رصدا شعريا رائقا وبسيطا وبخفة مدهشة دونما تعقيد أو تقعر أو تفلسف  ، وذلك عبر نص قريب ومتاح ويكاد يبدو- من فرط سلاسته - أنه نص عادي ، بينما هو التعبير الشعري الأرقى لأزمة أقل ما توصف به أنها أزمة ( العولمة ) المتوغلة  ، العولمة التي لا ترى سوى حاجات الجسد ، ولا تعبأ سوى بحاجات الجسد ولا تلبي سوى حاجات الجسد بينما الروح غريبة ، مشردة ، ليس أمامها من سبيل سوى العجز والسحق والتشويه !!

اسمي محمد القليني
أكتب الشعر
وأعمل في شركة ملابس.
ليس بين الأمرين أى تعارض
فثمة مخزن كبير
أكدس فيه قمصانا مستوردة
يتهافت الناس على شرائها.
وثمة قلب أكبر
أخزن داخله قصائد
لا تجد لها مشتريا.



حقا إن هذا الديوان ليس سوى نافذة شعرية تطل على نهاية مأساوية للعالم !! يحق لنا أن نحتفي به وبصاحبه ، ويحق لنا أن نفرح فرحا حقيقيا بميلاد صوت شعري مصري لافت وأصيل .

التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.