الرئيسية » » المكان في الشعر / الشاعر في المكان | رفعت سلام

المكان في الشعر / الشاعر في المكان | رفعت سلام

Written By موقع يوم الغضب on الأربعاء، 15 فبراير 2017 | 12:15 م

المكان في الشعر / الشاعر في المكان







هي المرة الأولى التي أتأمل فيها الأمر. قبل ذلك، كنت أمارسه، أعيشه، دون أن أفصله عني- ولو مؤقتًا- كـ"موضوع" قابل للنظر والمساءلة.
إذن، ما أصعب الأسئلة التي تدفعك- دفعًا- إلى محاولة اصطياد الغائم، واقتناص ما يستعصي على القنص، وحبسه في قفص من كلمات.
ومن أين لي بالأجوبة الشافية على أسئلة لم يسبق أن طرحتها على نفسي، كأنها انتهاك لمنطقة محرمة، أو إشهار لعلاقة سرية مصونة. كأنها كذلك، دون أن أدري لماذا (هل من الضروري أن أدري؟!). وربما كان ذلك مكمن التواطؤ بيني وبين نفسي على الصمت الداخلي على هذه العلاقة. كأنه نسيان، أو غفلة. كأنه. ولعله الخوف الغامض من تحويل الحميمي- بمجرد التعامل معه كـ"موضوع"- إلى اعتيادي، فاتر، فاقد لوهجه الخاص. ولعله، ولعله، ولعله..
فالمكان ليس مساحة مشغولة بأشياء صامتة، حيادية، مستقلة (هل توجد- أصلاً- مثل هذه الأشياء المكتفية بذاتها، ذاتيًّا؟). وأنا لستُ الزائر، العابر السياحي، الذي يكتفي بانزلاق بصره على السطح. وإلاَّ.. فلماذا لم تأخذني- من نفسي- زيارات المتاحف والآثار باذخة الروعة التي شهدتها- وأشهدها- في مصر وخارجها؟ لأنها- بالضبط- كذلك، بالنسبة لي، وأنا- أيضًا- كذلك، بالنسبة لها.
هي تلك الفجوة-الهوَّة التي تهدد كل مَن يحاول عبورها إلى الضفة الأخرى بالسقوط. لعلها فجوة التاريخ والزمن. ولعلها فجوة/هوَّة اليقين في استغنائها المطلق المتعالي عنك، وعجزك- في الوقت ذاته- عن تكوين علاقةٍ، ليست من طرف واحد، معها.
فالمكان علاقة مع الذات. أسكن إلى المكان، فيسكنني. وكل خطوة أخطوها فيه هي خطوة اكتشاف وكشف، دون أن أدري أنه- مع كل خطوة لي فيه- يدخلني، في السهو، خطوةً خطوة. ففي انشغالي به، أسهو عن أبوابي المحصنة، فتنفتح له- على المصراعين- ليدخل سريًّا، الهوينَى، بمناخاته وأصواته وناسه وأبنيته وروائحه ولحظاته الوجودية المتحولة، وبي، في اشتباكي مع عناصره.
وقتها، أكون مأخوذًا بدخولي فيه، واكتشاف الموقع الملائم لي لأُطل منه على العالم، تممهيدًا للاشتباك الفاعل معه. وقتها، يكون منهمكًا- كنملة- في التسلل إليَّ من جميع المسام، بلا حفيف أو رفيف يجاهر بحضورٍ ما. وقتها: هو وقت حضوري، ووقت غيابه. كأن بصيرتي معطلة، أو منحسرة، وكأن بصري عملي، يومي، بلا أعماق أو أبعاد. وكأن المكان ساحةُ ممارسة عملية، محايدة وباردة.
كأنه- وقتها- كذلك.
فلماذا يشتعل- إذن- حضورًا صافيًا في غيابي عنه؟
حضوره فيَّ مرهونٌ بغيابي عنه. لا.. ليس الأمر كذلك. فلا بد أن له حضورًا سريًّا فيَّ يشبه الغياب، عندما أكون حاضرًا فيه. حضورٌ كامنٌ، خفيٌّ، صامتٌ وساكنٌ، مُفسحًا لي- من نفسه- لتحقيق حضوري المنفرد، بلا منافسة، أو مزاحمة.
فإذا ما سلختُ نفسي منه- نهائيًّا، أو مؤقتًا- إلى مكان آخر، خرج مما يشبه الغياب إلى سُدة الحضور الطاغي المؤرِّق. لا يُفلتني للجديد، بل يزاحمه فيَّ شرسًا، مُلحًّا، لجوجًا، مُخرجًا لسانه لي في إغاظة متشفية، متحدية. كأنه يقول: ها أنت قادرٌ على التحرر مني خارجيًّا؛ فهل تملك التحرر مني داخليًّا؟ لقد غادرتني- ذلك ما تستطيعه- لكني لم أغادرك؛ فتأمَّل! فتحررك مني ليس مرهونًا بك، بانتقالك في المكان؛ هو مرهونٌ بي، بأن أقفز منك، من ذاكرتك ووعيك، إلى الخارج، إلى النسيان.
هكذا، أمضي مثقلاً بالأمكنة الماضية، منذ بيت الميلاد، المسكون بالعائلة والعصافير، في مواجهة الحقول المزروعة بالأذرة والقمح والعفاريت الليلية الصغيرة، إلى كهوف مجاهدي "عمر المختار"، المحفورة في قلب "الجبل الأخضر" الليبي، التي وجدتُ نفسي وسطها، مع شاعرين ليبيين صديقين، مساء العام الماضي.
وجوهٌ مكدودة، ووجوهٌ مسترخية، شوارع من حجر عتيق، وشوارع من زجاج، نهر يمرق، وحقول قمح وفول وبرسيم وقطن، وحقول أذرة تغطي صباي، وتنطوي على مجهول آسر يُغويني بالدخول، وسوقٌ مراكشي يعج بالحواة والسَّحرة والمنجمين والعصر الوسيط، وأزقة بغدادية، وقاهرية، ورباطية، وطرابلسية، متشابهة وغير متشابهة، ورائحة بهارات، رائحة عطن، رائحة عرَق المكدسين في صندوق يجري على أربع، ودخان شواء الذُّرة على حافة حقلٍ ما، ودخان الفُرن البيتي، وأنا أركض في الأزمنة محملاً بالأمكنة الماضية.
أمكنةٌ محكومةٌ بوجوه أحبائي- وأنا بينهم- في الزمن المنقضي. لا تأتي الأمكنة وحيدة، منفردة، بل يأتي بها وهجٌ غابر، لحظة وهج غابر انبثق بيني وبين أحدهم أو إحداهن، فتضيء الذاكرة. لا تأتي جرداء، مقفرة، بل مفعمة بالتواصل مع الآخر، والحميمية، وربما بانشطارهما الأليم.
تتقلص التفاصيل الهامشية، تضارية الجغرافيا المادية، ليتكثف حضور المكان في الذاكرة والقصيدة في إيماءاته السرية: رائحة حريفة أو ناعمة، قصاصة ضوء أو ظل، صوت يكسر حالة ما أو يخترقها، لفحة ريح عابرة، أو ارتجالية ما من أحد العناصر. إيماءة تختصر المكان، وتستحضره كاملاً، في عمقه الجوهري، ممتزجًا بحضور الذات داخله، أو حضوره داخل الذات.
لا يأتي المشهد المكاني مكتملاً بتفاصيله، في القصيدة؛ بل كمناخ، أو صوت، أو رائحة، أو ظِل، أو لمحة وامضة. لا أشياء، بل إيقاعاتها الدفينة. لا جغرافيا، بل علامات فارقة في تاريخ الروح، في انتقالاتها عبر الأمكنة. لا أمكنة، بل ما يتقطر منها- عبر الزمن والتحولات- عبقًا، له مذاقه المعتَّق الخاص، بلا حنين.
نعم.. لا حنين إلى المكان الماضي. هي- ربما- الرغبة في معاينة التحول، وتأمل آثاره، واستشعار فجوة الزمن التي لا تتوقف عن الاتساع.
فجوةٌ أو هوَّةٌ تفتح فاهَا مظلمًا بلا أغوار، أقف على حافتها مبهورًا، والمكان القديم- بتحولاته التي لم أحضرها- ينتصب على الحافة المقابلة، مستقلاًّ، لا مباليًا. تُرى، هل هو نفس المكان؟ وهل أنا.. نفسي؟ فإين- إذن- خطاي القديمة، الساعية على أرضه، وبين أركانه؟ هل أفتش فيه عنه، أم أفتش فيه عن نفسي؟ أم أفتش فيه وفيَّ عن آثار الزمن؟
ولا رغبة في عبور الهوَّة المظلمة إلى الضفة الأخرى القديمة. لا رغبة. إنه الانفصال والانقطاع. ولا علاقة للمنطق- أو الاختيار العقلي- بذلك. بلا أية حسابات، من أي نوع. ولعل تلك الهوة تكئة أو تبرير. لعلها لو لم تكن، لخلقتها خلقًا.
أيضًا، ليس العدَاء. ربما كان الفتور. وربما كان الخوف من التكرار، التكرار في ذاته، كاحتمال ضمن احتمالات. وقد يكون النفور الغريزي من "العاطفية" البائخة، التي تشبه المستهلكات، وأخشى من أن تفرض نفسها على مشاعري.
والأهم.. أنني لن أعثر في المكان- مجددًا- على وجوه أحبائي ورفقائي القدامى، لن أعثر إلا على الحقيقة: أنهم قد رحلوا إلى أمكنة أخرى متباعدة، وإلى تحولات أخرى مفارقة، حيث لا يتبقى سوى أطلال الأمكنة والأشخاص. فما الذي يمكنك أن تفعله مع الأطلال؟ (لن تملك الإحساس بالانفصال المطلق عنها، فتعجز- بالتالي- عن تحويل اللقاء الغريب إلى هزليةٍ ما أو "مسخرة"، من قبيل البكاء عليها "من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ")؛ وما الذي يمكنها أن تفعله لك؟ وما الذي يمكنكما أن تفعلاه، وبينكما هوَّةٌ مستحيلة من غرابة، وخيطٌ مشدودٌ لا يريد أن ينقطع، كحبل سُرِّي سِرِّي؟
كأن المكان- هنا- رحم، يحتضنك زمنًا من الأزمنة، حتى إذا ما انزلقتَ منه إلى خارجٍ انغلق في وجه العودة، دون أن ينقطع حبلُه-حبلُك السُّري. حالةٌ من الاتصال المقطوع، حالة من الانقطاع الموصول، عصيةٌ على التكييف النهائي. لا نهائي. فكيف يمكن القبض على المراوغ، المنفلت أبدًا؟ لا ضرورة لذلك.
لكن المكان له آنيَّـتُه. له جغرافيا الآن ذات الذُّرَى والقيعان والسراديب والكهوف والسهول والصحارى. وله ما يسكن تضاريسه من كائنات. له حضور الآني وسطوته.
لكن الحضور لا يتحقق من خلال ذات المكان، كأشياء وجوامد؛ بل كعلاقات حية متفاعلة بحيوات المكان. علاقات اشتباك متشابكة، لها أبعاد ومستويات. لا فتور، ولا حيادية أو لا مبالاة (ذلك يعني أن الذات غير مكتفية بذاتها، غير منغلقة على نفسها). ولا قبول، أو رضًا، أو استنامة.
فالمكان- بذلك- ساحةٌ لاشتباك، وأرضٌ لمعركة. والأسلحة المشرعة المشروعة، وغير المشروعة، بيد كل القوى والعناصر المحيطة بي. طرفٌ أنا في اشتباك يشغل المكان كله (ليس المكان- هنا- مدينةً، أو بلدًا؛ ذلك هو المكان الجزئي المباشر. فالمكان يشبه- في هذه الحالة- مجموعة من الدوائر العديدة المتقاطعة، التي تتسع باتساع العالم). والمكان كله ساحة معركتي واشتباكي، أي أرض تحققي الأعلى. فتحققي داخلي- بمصطلح الفلسفة- التحقق بالقوة، وفي المواجهة والالتحام التحقق بالفعل.
هكذا، تتحقق الذات في العالم/المكان خلال اشتباكها مع عناصره وقواه. والاشتباك شمسٌ تُضيء كوامن الذات وطاقاتها الداخلية، تحفزها على التفتح، تنضجها، وتضيف إليها. ثمة طعناتٌ تجيء من بعض الجهات، بخاصة الآمنة الخادعة، لكنها- وهي العابرة- تزيد من صلابة الجسد والروح، ولا تنزف غير الدماء الزائدة.
بدونها، يتبدى الوجود الذاتي في المكان/العالم هشًّا، قابلاً للانخلاع السهل. بدونها، تتبدى الأرض رخوة، لا تحتمل ثقل الذات المهددة بالانغمار.
بذلك، تفرض الذات ذاتها على المكان/العالم كفاعل أصيل، لا مفعول به؛ كحضور لا تملك أية قوة القدرة على تغييبه، بما هو حضور نافذ في العمق، واصل إلى أفق قادم، وإن يكن- آنيًّا- غير مرئي.
ولا يتحقق ذلك إن لم تمتلك الذات بصيرة الكشف عن العناصر المواتية في المكان، العناصر المهمَّشة، المغيَّبة، المقموعة، وبصيرة الكشف عن الأفق التالي، المحجوب بالغيوم والدخان. فتلك العناصر هي الرصيد، وذلك الأفق هو الهدف.
ذلك يعني أن عناصر المكان ليست كتلةً واحدةً، مندمجةً، مصوبةً نحو اتجاه واحد، أحادي. ويعني أن الغيم المرئي ليس الأفق، وأن الأفق المرئي يخفي خلفه أفقًا لا مرئي، تدركه البصيرة وتعرفه معرفة حدسية، وإن قصَّر البصر عن الوصول إليه.
تعددية العناصر، تعددية التوجهات المتضاربة، المتماسة، المتقاطعة: هي واقع المكان. ولا حيادية. فالحيادية- ذاتها- انحياز.
فهل يمكن تشخيص هذه العلاقة مع المكان بصفتها علاقة انتماء، لا جدال فيها؟
لا أدري.
فالصفة حاضرة في الموصوف. والموصوف حاضرٌ كأقوى وأعمق من كل صفة، وأعصى على الاختصار.
فما أهمية أن نصف، طالما كان الموصوف مُشرعًا فينا خارج كل عبارة؟
ذلك هو السؤال.

أبريـل 1992


التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.