الرئيسية » » النائم الذي لم أره | أحمد يماني | من ديوان منتصف الحجرات

النائم الذي لم أره | أحمد يماني | من ديوان منتصف الحجرات

Written By Hesham Alsabahi on الاثنين، 23 يناير 2017 | 11:32 ص


النائم الذي لم أره

























عالق في خشب السرير، اليد اليسرى تتوسد الرأس. حركة لطيفة ولا شك تجعل من وضع المتمدد بتخبطاته جسدا لا يلحظ، يلحظ فقط عند سقوطه على الأرضية، فيبدأ في وضع القدم اليسرى فوق اليمنى ثم اليمنى فوق اليسرى، يخفض الاثنتين إلى مستوى الفراش، فمنقلبا على الجانب الأيسر وضجرا على الأيمن.
أحيانا يبكي خطأ الطبيعة الممتد لكنه لا يبكي ولا يبتسم حقيقة، يرى خطأها الممتد في أجساد أخرى ويتألم هو.


























       ماذا يفعل بهذه الأعضاء الصغيرة الثائرة، هل يكومها بجانب الحائط؟ أم ينكش فيها عله يجد بين طياتها المتزاحمة شيئا يسليه. حبة كبيرة مثلا يدور حولها بإصبعين باحثا عن مركزها حاثا البياض المتكوم حديثا في منتصفها تماما على الخروج إلى النهار.



























عالق في خشب السرير يداوي العرق بملابس جديدة، يكوم المبتل منها في أحد الأركان ولا يخفيها عن ناظريه، يتركها قريبة منه، لا رائحة لها لكن رطوبتها تعينه على نوم آخر يقترب شيئا فشيئا.
































عالق في خشب السرير تهبط عليه قطط سوداء في غرفته المظلمة، تخمش قدمه أولا، في انتفاضة المذعور تكون قد وصلت إلى رأسه. الرأس الكبير يتخبط في ثلاثة أمتار مربعة هي كل ما لديه ولا يعرف ماذا يفعل. أخيرا يقبض القطط في الظلام ويطلقها وينتظر خمشات جديدة في ليال أخرى.
















في حديقة عامة ذات صباح شتوي أخبر صديقه أن لعابه الجاف غالبا سوف يزداد جفافا في أيام قريبة وأنّ على صديقه ألا يحزن عندما تكون نقطة اللعاب الأخيرة قد انزلقت إلى الداخل حاملة معها الكلمة التي ود أن يحتفظ بها من أجله.














                                     













صنع لنفسه أقماطا من القماش، حشاها قطنا وخاطها بنفسه لتناسب حركة رجليه القصيرتين. الماء الذي تسرب لن يعود إلى مكانه، ستشربه هذه الأرض الجديدة. كان يضحك متذكرا حكمة أمه: كبيرنا كصغيرنا. كانت الأقماط قد أذنت بعودته، لقد كان صغيرا جدا لدرجة أنه سيتلاشى نهائيا عما قريب.



























الذراع يجب إخفاؤه لأن عرقا نافرا فيه كان يقفز فجأة ودون مقدمات معروفة. العِرْقُ يصطدم بداية بخيط ينسل من القميص فيهيج أكثر. قطع الخيط بأسنانه وهدأ العرق قليلا. كان يجب أن يصحو فجأة ليكتشف أن العرق النافر هو أشياؤه المعلقة في الغرفة خلف الباب، أنه علقها بنفسه وتركها تدور هناك. كان يجب أن يصحو فجأة ويخبط الباب فتسقط كل الأشياء.



























كل امرأة جديدة عرفتها تركتُ له ليلة معها، يتشربها وحده. تفتح المرأة عينيها وتقول لي:
عيناك هذه الليلة أوسع من المعتاد، إن يديك... يديك... لا أعرف كيف أشرح لك الأمر. أبتسم فقط وأترك له أن ينصب شركه ويوقع بهنّ وفي الصباح يعود ثانية إلى البيت.


























يضع منفضة السجائر بجانب رأسه، لا تؤذيه الرائحة الميتة، يملأ أنفه بها ليس لأنه حزين بل لأنه لم يعد يفهم تلك النبضات المسرعة التي تباغته أحيانا. يحدق في رماد السجائر وأحيانا يدس إصبعه هناك، يهبط الكتل الصغيرة الهشة وينام بجانبها.



























حمله أخوه بين يديه وسار به تحت الشجرة، وضعه هناك ثم أغلق الباب بحجر كبير وسد منافذ الهواء. بعد أيام تألم فعاد ووضع الشجرة بجانبه، جعل رأسه على جذعها ويده تحت رأسه. وضع القدم اليسرى فوق الركبة اليمنى ثم أغلق الباب ومضى. بعد أيام تألم أكثر لكن الشجرة، هذه المرة، كانت قد تكفلت بالأمر وسدت كل منافذ الهواء.

























 الدم ذاهب في نزهة،
 ذاهب لالتقاط أنفاسه في جسد آخر،
 في جسد من أسلاك شائكة وزجاج
 وأنت تنتظره بلا كلمة واحدة،
 كان طفلك الذي تأخذه من يده على باب المدرسة وتذهبان للبيت،
 طفلك الذي لم يأت أبدا،
 لكنك كنت تأخذه كذلك وتربت على كتفيه.
 كان شوكة لم تنزعها بتاتا من عجينة طرية
 صنعتها أمك في يوم بعيد،
 بدورها لم تجف في أي وقت،
 كان أصدقاؤك،
 معك أم بدونك،
 كان حبا لهثت وراءه طوال الأيام
 وما إن تجده حتى تتصلب الشرايين ولا تسمح بدفعة ولو صغيرة،
 فتهجره ما إن يبدأ.
 الدم ذاهب الآن في نزهة طويلة
ذاهب إلى الشجرة
ذاهب إلى أوراقها الحمراء
التي تتساقط فوقك
الدم يعود إليك من جديد
وهذه المرة لن يغادرك بتاتا.





التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.