الرئيسية » » مهما كبرت سيظل عمري 47 | زياد خداش

مهما كبرت سيظل عمري 47 | زياد خداش

Written By Hesham Alsabahi on الخميس، 19 يناير 2017 | 11:58 ص

مهما كبرت سيظل عمري 47


وكأنني كنت هناك في العام 1947، بعد عام سيحتل اليهود فلسطين، هأنذا أحذّر
شعبي وأمتي، كونوا مستعدين؛ فثمة في الأفق هجمة أغراب طاحنة، ستغيّر وجه الأمة والتاريخ هذا لعب مع الذاكرة، لعب أهوج وسخيف وضروري للبقاء على قيد لذة التخيّل وبراءة الجمال. لا أريد أن أكبر، لا أريد... أريد أن أظلّ ذلك المقذوف للتوّ من ظلام ما، إلى ضوء ما. ما أسرع أن يتحوّل الضوء إلى ظلام آخر، فأقذف منه مرة أخرى وهكذا، من ظلام إلى ضوء ومن ضوء إلى ظلام، تلك هي كينونتي الخشنة، وهويتي العصبية والذهنية العصيّة على التحدّد. سعادتي في انقذافاتي، وبطولتي في الاستسلام لها، والتمازج معها، أنا المقذوف والقاذف، أنا الظلام والضوء، وما بينهما من ظلال شجية الطعم، أريد أن أبقى ذلك الذي ينتظر دوماً تلك العناية من شخص ما، والمهيّأ أبداً للتدفق حباً على إنسان ما، ذلك الحب من امرأة ما، تلك النهاية التي لا تنتهي في رواية ما، تلك الأصوات غير المفهومة في ليلة ما، لا أريد أن أكبر لا أريد... أريد أن أبقى ذلك الطفل الذي يخيب ظن ذاته والمحبين به، الذي يفاجئ ذاته والآخرين بإحساس جديد، بخوف غير مبرر، بهوس مضحك، بإفراط في كراهية أو حب، يتنقل من حضن إلى آخر، يبول بحرية على ملابس الآخرين، ويرضع من أمهات كثيرات، ويبصق على وجهه في المرآة، ويشتم الغرباء في الشارع، لا أريد أن أكبر، لا أريد... أريد أن آكل بيدي العشوائيتين وبنهم منفلت و(أشروط) على صدري وملابسي، دون حساب لنظرات المحيطين بي في المطعم، أطيل شعري، وأحرّض طلابي على إطالة الشعر أيضاً، أمشي حافياً في الشارع، أثرثر بمحبة مع سكارى نزلة البردوني في منتصف الليل، أتذكر بوجع صديقي العجوز (زبال) منطقة الشرفة الذي مات تمزقاً تحت عجلات شاحنة، وأشرب في صحته فنجان قهوة سادة. أندم لأني قسوت على بنت تحبني حباً تقليدياً، ثم أندم على ندمي، أواصل صداقة الله بأسلوبي، ولا آبه لأسئلة الناس: "إنت شو عملت في حياتك"؟ أجيبهم سراً: لقد أنجزت الكثير من الأعمال المهمة التي لا تمت إلى عالمكم المحدد بصلة: ابتسمت كثيراً في وجوه أطفال كثيرين، أحببت أمي كثيراً، عانقت أصدقاء يبكون، بعد أن كسر الحب قلوبهم، أو خطف الغياب آباءهم، نهضت في صباحات كثيرة مبكرة ولمست رائحة البدايات البيضاء، حلمت ومازلت بالعودة المعرفية والحضارية والجسدية إلى الأندلس، تقاتلت مع أغلى الأصحاب، على حب امرأة طويلة القامة، كتبت قصصاً عذراء سكنت في نهود وقلوب نساء كثيرات، خدعت آخرين خداعات بسيطة غير مؤذية، وتم خداعي من آخرين خداعات كبيرة مدمرة، كذبت كثيراً على أمي وأستاذي ونفسي وأصحابي وحبيبتي، قطفت قبلات كثيرة من شفاه كثيرة بالقرب من بحار كثيرة، في مدن كثيرة. أحببت الله كثيراً وأثرت إعجابه، تعلمت لغة الشجر وهمت عشقاً في نبتة الطيون. لا أريد أن أكبر، أريد أن أضحك بصوت عال على كلمة (استقرار) كلما صفعني أحد بها، أفتح نصف عيني وحدي في الفجر وأتحسس فراشي حولي حتى أتأكد من عدم وجود أجسام غريبة، بجانبي، فأتشظى متعة من فرحي وحريتي وصمت بيتي، أريد أن أحب كل يوم امرأة دون أن أتركها، بل أدعوها بصدق وعَتَه وقلة أدب، لحب المرأة الجديدة معي، أريد أن أزور مدناً جديدةً وألامس بعيني أسطحاً مختلفةً للبيوت، طريقة أخرى في تربية الحمام، وأغرق في أنهار جديدة، وأتعرف إلى طرق غريبة في البكاء والعشق والموت والرقص، أريد أن تدق آخر دقات قلبي وأنا ألعب مع نص أو زهرة، أو حفلة أو سفر أو كتاب أو طفل، لا أريد أن أكبر لا أريد... أريد أن أظل كما أنا، صديق الكلاب والكتب والأطفال، أغضب بسرعة، أرضى بسرعة، أرى بسرعة، أبكي بسرعة، أحب بسرعة، أسأم بسرعة، أهرب بسرعة، أكتب بسرعة، أتدفق بسرعة، آكل بسرعة، لكنني لا أريد أن أموت بسرعة. أريد أن أمسك يد الموت، آخذه في جولة بسيارة صديقي أسامة الفاخرة، ثم أسلمه نفسي هناك عند دوار الطيرة المشرف على ظلام قريتي المبددة، ويعود أسامة إلى بيته مطمئناً إلى أنني أبكي على أطلال رائحة قريتي، لا أريد أن أكبر، لا أريد... أريد أن أصحو فجر كل يوم، لأشهد بغرابة متجددة على تلك اللوحة – الأغنية - الرقصة المخيفة التي يخرج فيها فم الضوء رويداً رويداً من ذهن العتمة. من هذا الذي يطرق باب جسدي عند ضفة الثانية عشرة من ليل الثلاثاء بيدين ملطختين بالليل والصمت؟ آه إنه عامي الطازج، انقذافي الرائع العائد، طفولتي السامقة، اُدخل أيها الـ47، فهذا بيتك ومطرحك، معطفك وجسدك، عريسك وقتيلك، لماذا تقف عند الباب؟ اُدخل لصاً مكشوفاً، ورب أسرة آمناً وأميناً، رسول موت، رسول حياة، اِئتلف مع اختلافي واختلف مع ائتلافي، واسكن قلق قلبي وحرائق ذهني وأنخاب روحي واشتعالات جسدي وأصوات كتبي. تقدم، تقدم واخطفني، خذني إلى هناك، إلى حيث لا ذاكرة
التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.