الرئيسية » , » الأيل الناري الشهيد ومدن الثّلج الشّاهدة | هوشنك أوسي

الأيل الناري الشهيد ومدن الثّلج الشّاهدة | هوشنك أوسي

Written By Hesham Alsabahi on السبت، 31 ديسمبر 2016 | 11:53 ص

الأيل الناري الشهيد ومدن الثّلج الشّاهدة
إلى الشاعر عبد الستار نورعلي





السّديم نيرانٌ مقعَّرة، والليلُ يلتهم خطاهُ الباكيةَ، وظلالُ المطرِ الطِّفلِ، في اعوجاجهِ الدَّامي صوبَ قرنيك.
السّديم الحلمُ، فخٌّ متأهِّبٌ لقنصكَ بشَعرِ الكرمانجيّات اللائي يغسلنَ نهودهنّ بطلع التّين الأسود والرُّمَّان.
السّديم الكليمُ الحليمُ العليم، بسطَ أكفَّهُ لصوتكَ المتهدِّجِ الضّالع في إذكاءِ شبق الجِّن والإنس، منتظراً أن تدُسَّ قرنيكَ في جمهرةِ السحب التي تكلِّلُ عاناتِ الكرمانجيّات اللائي يغسلن نهودهنّ بطلع التِّين الأسودِ والرُّمَّان.
السديمُ اللازوردُ يجتاحُ دمكَ وطناً.. وطناً مُوقظاً مارداً للصمت وآخرَ للكلام البرتقالي. فينيقاً للكُرد، وآخرَ لغرقِ الصليب في دم الحسين. شتاءً للبكاء، وآخرَ لـ"هولير". درباً للسُنونو نحو محراب "عليّ"، وآخر للكراكي المنتحبِ صوبَ مقبرةٍ أخرى في السديمِ الناري المقعَّر الوعر.
*   *   *

غابةٌ تستدعي النار للغناءِ فيها.
نارٌ تستدعي الرِّيحَ للرَّقص معها.
ريحٌ تستدعي الوحلَ للعويلِ معها.
وحلٌ يستدعي الدَّمَ ليعبرهُ دونَ مثاقيله البكماء.
دمٌ ألقى مثاقيله في آبارٍ حمئةٍ، ناكصاً مواثيقهُ المبرمةَ والزَّمن.
زمنٌ مغاليقُ أودى بإرثِ أقرانكَ من الأيائلِ الشعراء، التي اعتركتْ على من يودعُ ترياقه في رحمِ الغابةِ التي استدعت النار للغناءِ فيها.
فلا تبعدْ أكثر من اقترابي منك، ولا تقتربْ أكثر من ابتعادي عنك. خشية أن يشي بكَ المطرُ الذي خاصمني، مذ خاصمتني الجهة الزَّرقاء.
لا تبتعد أكثر من اقتراب الموت منِّي، ولا تقترب أكثر من ابتعاد الحلم عنَّي، فأنا مستدعيكَ لتذيبَ الجليدَ المعشِّشَ في رئتي. 
*   *   *

الفجرُ، مِشجَبُ تعاويذِ الزَّنجبيل المنقوعِ في الشاي، ومرآته.
الفجر، لفافةُ تبغكَ المُمسَّدِ بالوحشةِ التي تلفُّك بتلابيبِ الغربة.
أتفيك قطعةٌ من بغداد، أمرِّرها لكَ الآن في هذا النصّ، لتسوحَ بين أخاديدِ المساءِ المتلألئة، وشعابِ مهرجاناتِ الكرومِ الشَّاعرة، ومآبن الوجدِ القتَّالِ القتيل..؟.
كم زقاقاً من "الكاظمية" تكفيكَ واحد، اثنان، ثلاثة... ـ لتشيّدَ من عويلِ "العامرية" خيمةً للوجع في خاصرة "استوكهولم"..؟.
كم عرجوناً عتيقاً من العراجين الحانيةِ على دجلةَ في بغدادَ، كم نخلةً، كم من السعفِ المضمَّخِ بعبقِ القهوةِ البغداديّةِ تفيك لبناءِ كوخٍ هناك، في عواصم الضباب والجليد..؟.
كم "كربلاءً" وحلبجةً تفي لاحتضان أنينك..؟.
الفؤوسُ التي أودت برأسي هناك، هي ذاتها التي أودت برأس الحسين. فمتى ستنهي الفؤوس حصدَ الرُّؤوس في جنوب الله وشماله..؟!!.
*   *   *

بودِّي الارتماء في غبارِك الصائلِ مقتفياً أثرَ ركبتيَّ الضائعتين في لُجَّة الليل هناك.
بودِّي سؤالك عن "كِفري" و"كلار" و"بامرنيه" و"آمدية" عندما صادفتكَ معصوبة الأعين، وأنت جائلٌ في أدغال "الألب" و"البيرينيه" باحثاً عن عيني كركوك. ماذا همست في رُكَبِكَ حتّى تكتب لي..؟!.
بودِّي نثرَ ضغثٍ من كلام الدرباسيّة في مهبِّك، لكن، أخشى أبراجَ كنائسها ومآذنَ جوامعها، وشاهداتِ قبورها، رميكَ في حزني..؟.
بودِّي إهداءكَ البعض من بيضِ الحجل الكليم، الذي كنتُ قد واريته عن أنظار وعولِ "بوطان" المائيَّة، لكن، أخشى أن ترفضها..؟.
كم بودِّي إزاحةَ الطعناتِ عن دربك، لكن، دروبُكَ المنهوبةُ، لا تسعفني..؟!.
*   *   *

أرِحْ ظلَّك هنا...
هنا، متاعٌ للظِّلالِ المنكوبة.
أرِّخ حزنكَ هنا...
هنا، مصلّى للأحزانِ الآبيةِ التأريخَ سِفراً.
أودعك ظنونكَ هنا...
هنا، خزائنُ الظُّنونِ الضَّالة، والمرشِدة، والتَّقيَّة، المَنهيّ عنها.
اغرسْ أسئلتكَ هنا...
هنا، مشتلُ الأسئلةِ الضَّروس، المفترسةِ لموجيبها. 
دارِ نيرانكَ عن هنا...
هنا، مأوى وخفايا أسرار النار القدِّيسةِ وذاكرتها الفاسقة.
أخرجْ قرنيك من هنا...
لئلا تسقط السَّماء على مكاشفاتِ النرجس والزَّنبق والنحل.
صوِّب ضرباتِ حافرك الخامس إلى هنا...
كي يرتدي مسائي مساءكَ قصيدةً.. قصيدة.
مرِّر غناءك الكهرمانيَّ من فوقِ هنا...
فما زالَ السُّنونو منتظراً إياب غنائك.
استعذ بهنا من شرِّ هنا...
إن كنتَ تودُّ ألاَّ يبتعني الليلُ مرةً أخرى.
استغفرْ لهنا من إثم هنا...
هذهِ وصيَّةُ دميَ المراقِ على عتبات الكوجر، لأيّ أيلٍ من الأيائل المجنَّحة، قبل أن تأخذني معكَ إلى حيثُ تحتارُ الأنهارُ النَّاريّة، أين تتَّجه، ما إنْ تلمح قرنيك ملوِّحاً بعشقي لقتلى العشق، مؤذناً بالقيامة المائيّة الثَّانية الكبرى.
*   *   *
احترابُ التُّرابِ للتُّراب على إرث النّار الممسكةِ بمصائرِ الطَّير، المدوِّنةِ لبلاغةِ الماءِ وشعائرها على أسفار من خميرِ صلصالٍ آثمٍ مُسجَّى بألغازِ الورد وخرافاته، هو ما ألقاني في مهبِّكَ، سائلاً لهيبكَ الطَّهور.
لهيبك الطَّهور، إمامُ الأساطير الهوجاءِ الماكثةِ حنايا الأبد.
حنايا الأبد، أقفاصٌ مرصوصةٌ بكلامِ الملائكة، وقواريرُ مترعةٌ بمغازلاتِ إناثِ الجنِّ الشَّبقِ لذكوره، وجُعَبٌ مرصودةٌ برؤى الجبالِ المخاتلةِ، المختلية بالثَّلجِ خلفَ بدعهِ، للتَّداول حول جُعَبٍ أخرى ملأى بقطوف المطر من طيش الشُعراء الكُرد، قد اختفت من خزائن الآلهة.
خزائن الآلهة، مآقي الفجر وصلواتهِ عليَّ.
خزائنُ الآلهة، معقلي الذي هيَّأتهُ ليَ كشوفكَ عن تعاليم الصَّخرِ للكُرد.
تعاليمُ الصَّخر، مِعراجُ الغيمِ صوبَ كلامِ الشُّهداء وحشرجاتهم. فاسحل بِدَعَ الثَّلجِ المغناجِ عندكَ خلفي، وشُدَّ رحال كروبك الآبدة نحوي. فلثلجنا بدعٌ، أنتَ عالمها، وتجهلُها الآلهة.
مازلتُ بانتظاركَ هناك...
لا تتأخَّر أكثر...
*   *   *
دمشق - 27/10/2005    

التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.