الرئيسية » , » قراءة في قصيدة عبد الرحيم الخصار | عبد الواحد مفتاح

قراءة في قصيدة عبد الرحيم الخصار | عبد الواحد مفتاح

Written By Hesham Alsabahi on الجمعة، 30 سبتمبر 2016 | 10:04 ص

قراءة
في قصيدة عبد الرحيم الخصار             

                                                        عبد الواحد مفتاح

قصائد عبد الرحيم الخصار، من الإلتماعات القليلة التي تَملكَت تميزا واقعا لقصيدة النثر، مما يُحكم أصالة نوعية لها عن باقي مفاهيم الأنواع الكتابية الجديدة الأخرى.
هذا حاصل ما كان يَنتابني مع كل قراءة جديدة لقصائد هذا الشاعر، خاصة الأخيرة (ديوان بيت بعيد). وهو ما أجد له تَقاطعا مع مجموعة من القراءات، سواء المغربية منها أو المشرقية لأعماله.
سياقيات الحديث عن قصيدة هذا الشاعر، وغلواء ما يتسرب إليه من انزياح نحو اقتناص ما يتناثر عنها من عافية الضوء ولمعانه، يقتضي مهارة أسلوبية غير مستعملة، عاملها لغة فاخرة عن أي اختبار للركوب على ما يُثمنها من أدوات فاحصة، وحدها تكون سندَ ما أرفعه محاولا إضاءةً، قد لا أجيد إشعالا كاملا لها، غير أن لملمت محاولات لذلك تبقى كافية للتدليل على دِفئية ما تطبعه هذه القصائد داخل قلبي.
فالكلمة الشعرية هنا، وعينَيها اللامعتين بالخيال، تجد أنها مسلوبة عن البلاغة المتعاقد عليها، كلمة تسوق ترانيمها بدلال ناعم.
هذا ما يجعل رنين معدنها يَشع في نفاذ كامل لما ركّبَه إياها، وهو شاعر متماه مع قصيدته، يكتبها بحبر القلب وغير قليل من صدقه، ارتضى لنفسه ومتنه الإقامة خارج الأنساق الشعرية واللغوية المتواضع عليها.. يكتب صاحب (نيران صديقة) قصائده دون أن يحتدم نموذجا تحقق نصغها عليه. لا مجال في معجمه للبلاغة الاستعراضية أو صولجةَ تلاوينها الداخلية، لهذا تجدها يانعة تتدلى عن أقانيمه الداخلية البكر.
أما على مستوى عمود القصيدة الناعم فيتخذ سردية النثر طبقته التكوينية، كبنية نصية نوعية تخضع لمأزق التفجر الشعري حاضنها.
لا يعوزني الوعي النقدي أن هذه الورقة تتخذ منحى جانبيا لما يُراد لها.. هنا تتخلى الكتابة عن اليد التي تكتب إلى اليد التي ترى.. اليد التي ترتعش.
خلفيات عديدة بحوزتي، حول تدبير الفعل القرائي للقصيدة التي تتخذ من النثر بساطها، لكن كثافة التفاصيل وما يتعلق بأهدابها من شحن دلالي في قصيدة هذا الشاعر، تجعل ملاحقة القراءة إياه تجري بساقي نعامة وتلهت.
أفتح ديوان (بيت بعيد) فيندلق الشعر.
الكلمات ورنين أوزانها، الجملة السطرية ومَشْهديتها التي تلهم بعضها البعض. يحلو لي أن أزرع كلمات هنا ترفرف سعيدة في أرجاء فرحي بهكذا قصيدة دون أن أسبل لاهتبالها انعرجات مأهولة بتكنيكات منهجية سائدة المدرسية كامنها.
تستند بانورامية المشهد داخل هذه القصيدة على مجازية المفارقة، وهو ما يسيل بحسيته نحو السطوع، مخمورا بهاجس الشاعر وفرادة شاغله. وهو شأو ذاتية ما ينطبع وجنوح قصيدة النثر أو القصيدة البيضاء (المسؤولة عن ضياع الميثاق المشترك بين الشاعر ومتلقيه) عبر تراكمها على تجاوز التعميم والتقنين في لا إدعاء، أو انتساب لمحور يسندها، أبدا متحولة في اللانهائي مسبولة لتوق شاعرها على اختبار تكنيكات غير مختبرة بفحوى لا مكامن لأسر انطلاقتها.

فما يخلق هذا التوثب الحار، أن هذه القصيدة منذ خطوتها الأولى لمحاورة جدعها، لم تلقي بالا لفكرة النموذج، وإن كان هذا المعتم مطلبا لما يحمله كثيرون، من تصورات وأفكار دوغمائية قبلية، تتحكم في أفق الانتظار منها، فقصيدة النثر كالصوت الحقيقي للجماليات الجديدة، لم يكن غير شعراء قلائل (ننظر بعينين واضحتين لأحدهم هنا) ممن تملكوا إضرام الشعر النادر في مضمارها، عكس أسماء عديدة سرعان ما تملك الإرهاق تجربتها.
فالتجريب كسمة ركيزة في التعاطي مع هذه القصيدة، يجعل التعب ومشاقه هو فقط رديف كل عمل غير ناضج لا قدرة له على الإضاءة والتميز.
لم يستطع الخطاب النقدي بالمغرب، الذي يجعل من قصيدة النثر مجال اشتغاله، إلى وقتنا الحاضر، ترسيخ تقاليد بانية، وهو ما مكّن، على حسب ما أرى وأدافع، إلى تهذيب شكل القصيدة عندنا بعيدا عن الأسئلة المتعلقة بأهداب مدرسة هنا أو نهج هناك. وهو ما أسس أيضا لحالة من الفراغ جعلت الشعراء يفجرون طاقاتهم الكامنة بعيدا عن أرطال التصورات القبلية والنظم المنهجية.. صحيح أن راجعَ هذا يعتمل والتباس أسئلة هذه القصيدة وإبهامها أحيانا، وهو ما يجعل اشتباك الرؤى والمفاهيم تندلع عبر اختيارات فنية بائنة، ما لا يدلل على استلال الشعرية من الفوضى، بقدر ما عاشت هذه القصيدة في حالة من التواطؤ النبيل نحو استتباب أمرها- أقصد شعرها- في اطمئنان هادر.
فاستبدال اقفالية الوزن بكاملية النثر، في القصيدة الحديثة، ما يجعلها تشكل مجرى شعري واقع بكليته في انفجار متعدد للأشكال والأنواع، باستبدالات جريئة أحيانا، كما نتلمس هنا في هذا النموذج الذي اخترناه لتوثب شاعريته برغبة مشروعة، في الثورة والانطلاق، وهي ثورة لا كبيرَ خوفٍ من شاحنية فاعلها، عن أي تَوشيح بالفوضى، وإن كان الهذر ركيزتها، بقدر ما هو الخوف من أي نظام (هو) قاصر وعقيم، به تجعد بياضها.
قصيدة عبد الرحيم الخصار، المأخوذة برسوخ وحدتها العضوية، لِتسيح في مساحاتها الحرة الآهلة بالإنتباهات  العميقة، فَتَنبسط على الكتابة العابرة للأنواع والمخصوصة، بآلية التشغيل النثري للسرد الشعري  بمتغيرات صيغتها المفتوحة، ما يوفر لها عنصر الإشراق بميكانيزمات غير متواضع عليها.
فسلاسة البسط، وانعراج اليومي والذاتي -اندغاما بنسغها- يجعلها قصيدة مرسلة التباريح.
بفاتنية وارفة تَلمست العتبة الأنيقة للعزيز وديع سعادة، التي عمّدت ديوان (بيت بعيد) لأتحسس الاطمئنان الماثل للاختبار النبيه الذي وسمها به، وهو ما يحقق لها أفق العتبة بشكل واقع لكامل أعمال هذا الشاعر.
يقول:
"أحسبُ أنَّ ورقة حطَّت على كتف عبد الرحيم الخصار فحوَّلها ملاكاً، وأنَّ دمعة في عينه جعلها كوناً، وأنَّ لهاثاً في فمه صار عاصفة، وأنَّ طفلاً في قلبه شاخ قبل أن يكبر، وأنَّ موتى كثيرين يتجوَّلون في عروقه. أحسبُ أنَّ عبد الرحيم الخصار "عشٌّ قديم على غصن شجرة مريضة بالحنين، يواصل التغريد وفاءً للطائر الميت".اسم جديد سيبقى في ذاكرة الشعر العربي: عبد الرحيم الخصار"
  الإنصات لصاحب السعادة وديع يجيء دائما مفعما: الهدوء إليه وهو يضمر داخلك نوتات نادرة.

 مع كل قراءة لأعمال الخصار، تقفز إلى ذهني تلك الجملة التي كانت سببا مبكرا للانتباه لنصوص أنسي الحاج، حيث كتب أدونيس في رسالة له (فيما أتذكر أرجو أن لا تخونني الصياغة): معك يصير شعرنا حركة طليقة .. فعلا حرا، تناقضا مدهشا أعني يقترب شعرنا معك أن يكون شعرا) هذه الكلمات وانسيابية فطنتها بها استعير جذوة النظر لتجربة هذا الشاعر النبيل.

التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.