الرئيسية » , » إطلالة على قصيدة طه عدنان | عبد الواحد مفتاح

إطلالة على قصيدة طه عدنان | عبد الواحد مفتاح

Written By Hesham Alsabahi on الخميس، 29 سبتمبر 2016 | 12:03 م

إطلالة على قصيدة طه عدنان            
  عبد الواحد مفتاح 
 

نكاد نتفق جميعا، على كون قصيدة النثر كسبت إجماعا شعريا، ذهب بها بعيدا عن مساءلة البدايات، أو فتح نقاش اللامفكر فيه داخل الأطروحات الأساسية، المُنشئَة لهذا المولود الفني الذي عاش الآن، ما يتجاوز المائة سنة، رغم أنه لم يحبُ بعيدا خارج الدوائر الضيقة لمتداوليه، والمجلات الخاصة لفنانيه، حيث لم يحقق ذلك الطفحان العام، بعيدا عن نخبة متتبعيه، شديدي الالتصاق به، فبانفصاله عن سؤال الغنائية، يكون قد طلّق أحد ركائز الشعر العربي القديم، وهي الحفظ وسهولة التداول والاقتباس، داخل أجناس أدبية أخرى. إلا أن ما يحسب لها رغم ابتعاد شعرها لضرورته الهشة، عن هموم الجماهير والقضايا الاجتماعية والسياسية لهم، هو خلق جماليات غفيرة جديدة كلها، والذهاب بالقول الشعري إلى حدود الحافة، بالانزلاق على منعطف الجملة الحدسية لشاعرها.
الملاحظات عن قصيدة النثر، قد تحتاج أكثر من ورقة، إلا أن أشدها وقعا، أنها السبب المباشر لهذه الجحافل الخطيرة من الشعراء الرديئين، والشاعرات الكبيرات في السن، فيما قصائدهن مازالت في مرحلة الحبو. إنه من الممتع جدا أن يكون لنا كل هؤلاء الهواة من كتبة الشعر، على ألا يُستغل التباس المفاهيم، ونسبيَتها، في وقت نجد بعض النقاد- لا سامحهم الشعر- يضعون كامل البيض في سلة واحدة.. فمع اِنتفاء القواعد الضابطة والمباشرة داخل هذا الجنس التعبيري، واحتفاله بالرمز والسريالي، نجد كثيرين مستسهلين، ومنتشين من حالة الفراغ الإعلامي المتخصص، والأقلام النقدية الجادة، ما يجعل المتلقي يهيم كثيرا إلى أن يجد نصا جيدا. هذه الخواطر وغير قليل غيرها ما حصل لي عند صدامي الأول بديوان (أكره الحب) لطه عدنان،
هذا الديوان كان هائل الكرم. طرح فني ينمي جمالية قصيدة النثر، ويحدث الرغبة بها. تكمن القيمة المعرفية لقصيدة طه عدنان، في قدرتها الفائقة على جعل من الشعر التجربة القادرة على إيجاد المبررات الأخلاقية، والفكرية، في كنف تحوير الوجود إلى علة للفعل الجمالي.
إن طموح أي قراءة يتحدد بمدى مساهمتها في تجاوز الجاهز إلى الممكن.. إلا أن فضيلة هذه القصيدة الخالية من الجاهز، مهد الالتحاق مباشرة في ممكنات استأثرت باهتمامي، وتملكت علي حواسي، وانفعالي، وتخللت إعمالي حولها، لأن الرؤية التي تسكن الشاعر، وتستوطن باله قد صار لها هذا الطفحان الانتشاري، هذا الأفق الخاص الذي تضل أي ممارسة قرائية لها، هي إزاء خطاب يتعذر الإمساك بدلالته الإرسالية، ليس لغموض فيه وإنما لبياض رائع عليه.
ليس بالخافي عني أن طه عدنان، من المواكبين الجيدين لحركة النقد، ويسعى إلى الإفادة منها، وفاء بالحاجة منه وطموحا إلى مزيد من الإبداعية والثراء، إلا أن اشتعال ذلك على صفحة القصيدة، (المعانات الحرفية والمفاهيمية) لا تجد شيئا منها يطفو على وجهها، فهذا الشاعر ليس من المصابين بعسر الهضم، لهذا تجدها من حيث طبيعتها الإبداعية تتأبى عن القراءة الخطية، فهي متعددة texte pluriel نص بصيغة الجمع، يبتغي تركيب syntaxique يقتضي مباشرة التلقي السمعي، لعمليات أشكال المعنى (formes sens) ومن تم الانخراط في تردداتها الجمالية، فهي لا تحمل في ذاتها دلالة جاهزة ونهائية، بقدر ما هي فضاء دلالي رحب، وإمكان تأويلي لا يتحقق من دون مساهمة قارئها. إن حقيقة هذه القصيدة عندي ليست معطى قبليا كما أنه ليس جوهرا قابعا في زاوية من زواياها، يلزم البحث والتقصي عن حَلَقاته المفقودة، ولكنه عوض ذلك مجموعة من العناصر والعلامات النصية، المتحالفة بقوة، من أجل صياغة جديدة للتجربة الجمالية، عبر الإشراقية الحُلمية وطرح ممكنات أخرى أمام هذا النمط الفكري والشعري المعرفي، الذي نصطلح عليه بقصيدة النثر.
مسايرة النفس الجديد لهذه القصيدة، باختراقيتها أنسجة الحلم والجنون واللاعقل، في رحلة التنقيب عن صياغات للوجود، في قوالب جمالية بالشعر، أو بمعنى أكثر حرفية قدرتها على تحويل الأشياء واللغة، مع المكونات الكسومولوتية للعالم إلى هرمونات للشعر، هو ما يشدك لها فالشعر عينه في قصيدة هذا الشاعر، هو نفسه، في نصه البياني وهو ما يطرح علي سؤال: كيف نحدد للنظرة له خارج القصيدة حين نصف به؟ في حال قبول الشعر خارجها؟ وهو الواقع، شعرية طه عدنان سيولة فَعلانية طليقة ما بات يغريها الإطار الشكلاني الذي تنعم به، داخل التوصيفات النقدية. وهو بهذا يضفي قيمة دينامية على هذا المسوغ الجمالي، التأملي للوجود.
تقتضي تجربتنا مع هذا المتن الاندهاش إزاءه، الأمر يصير له مثل عملية ميكانيكية من الصعب أن تضع قدميك على أرض هذه القصيدة، دون أن تصاب بعدوى بياض حالتها. هذه التي عَوَدها شاعرها بمكر صنعي نفيس، إيجاد الأنساق المفهومية التي بإمكانها اِلتقاط النَفس الجمالي، في رحلتها الحُلمية. اليوم نحن نعرف أن الخيال يتحول إلى قيمة علمية، وتقنية، بلورة اختراعات عديدة، إحدى أعجبها القنبلة الذرية، على طرف نقيض يقف الشعر، الذي يلعب الخيال عامله تلك الطاقة التي تعطي الحياة للعِلة اللغوية والمادية. الخيال أجنحة كما يوظفه طه عدنان، في حين هو أيضا ينتج أوبئة في المختبرات العلمية محكمة الإغلاق، لإشعال عدوى الحرب التي تجترنا جميعا. هي وظيفة الشاعر أن يخلق للروح منافذ أخرى، فيما يشبه الشطح الصوفي، فقصائده تفرض أن يعيد الناقد والقارئ على السواء من جديد الحياة الداخلية، والعميقة لمبدعها، كأننا نتنزه في روحه وأرخبيل وجدانيته الطليقة.


التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.