الرئيسية » , , , » حوار مع حميد العقابي | حاوره عبد الواحد مفتاح

حوار مع حميد العقابي | حاوره عبد الواحد مفتاح

Written By Hesham Alsabahi on الثلاثاء، 2 أغسطس 2016 | 3:42 م

حوار مع حميد العقابي


    
 
حاوره عبد الواحد مفتاح

الحوار مع الشاعر والروائي حميد العقابي في منفاه الاختياري (الدنمارك)، هو اقتراب يبتغي المزيد من الإنصات ومواصلته، لأن هذا المبدع المخضرم على طول ما خط في تجربته: التي تتجاوز الأربعين سنة، بغزارة إنتاج، واجتيازه لأكثر من مرحلة داخل مشروعه الكتابي، ذلك أنه يكتب الرواية بأدوات القصيدة، يفجر المسكوت عنه ويجتازه، منذ مجموعته الشعرية الأولى (أقول احترس أيها الليلك) مرورا بسيرته الذاتية (أصغي إلى رمادي) وما تلاهم من أعمال أدبية، تمتهن المشاكسة في اللغة والأسلوب، وهو يرسي لتجربة كتابية منفردة الاقتراب منها ومسائلة ما أحدثت من إبدالات في النص المعطى خاصتها، ما حدانا لنقترب منه أكثر في هذا الحوار  

 


س  : مساء الخير، وكفاتحة للنص كيف تجد هذا المساء ؟

ج  :
مساء النور، هذا المساء موحش جدا، منذ أكثر من أسبوع لم يتوقف الثلج عن الهطول، حتى أصبح المشهد كله بياضاً، ليس بمعنى النقاء بل بمعناه الموحش.

س  :
 
فاتحة النص الذي ورطك في عالم الكتابة ؟

ج  :
 

لا أدري، كل ما أتذكره هو أني كنت طفلاً مهووساً بالأشياء الغامضة والحوار معها بلغة صامتة، حتى كان أهلي يظنون أني مجنون وأهذي بكلمات لا يفهمونها.

س : ماذا عن تفاصيل الكتابة ؟

ج :
الكتابة عندي الآن فعل يومي، أمارسه في كل لحظات يقظتي. لا أعيش تفاصيل الكتابة بل أعيش التفاصيل اليومية وألعب معها ألعابي الطفولية، كأن تختبئ وأنا أبحث عنها وحينما أقتنصها أفرح، وأضحك مثل طفل.
 

س  :
 
نرى أنك تنشر بغزارة على الشاشة المضيئة الانترنيت. ماذا يعني الانترنيت بالنسبة لمثقف اليوم ؟

ج  :
قبل الانترنيت كان النشر في الصحف أو المجلات وسيلة لعرض البضاعة، أما الآن فقد تغير الأمر جذرياً، حيث أصبح النشر بالنسبة إلي جزءاً مكملاً للعملية الإبداعية، فالنشر أصبح ضمن العملية الإبداعية نفسها، فكما الحال في كتابة القصيدة أو القصة لإثبات وجود في هذا العالم، أصبح النشر اليومي بالنسبة لي كتابة ثانية للقصيدة ضمن الممارسة التي تُشعرني بأني مازلت على قيد الحياة أو كما أسميتها في إحدى قصائدي بأنها حفر في الحلم لكي أتيقن بأني ( سأزال حياً ).

س  :

ألا يقلقك مأزق القمة أو الأفق العالي للقصيدة التي اختبرت عند كل كتابة جديدة ؟

ج  :

على الرغم من مرور أكثر من أربعين عاماً على كتابتي للشعر، إلا أني لم استطع أن أمسك بناصية القصيدة، ولم أتعلم وسيلة لاستدراجها، سوى أني تعلمت الإصغاء إلى إيقاعها البعيد وهيأت نفسي لاستقبالها، لذلك حينما تأتي بغتة تنسيني كل شيء خارجها. لا أفكر مطلقاً بأي أفق للقصيدة سوى أني أحاول كل جهدي لملمة الأشعة المنكسرة بموشور اللاوعي والمحافظة عليها من التشتت.

س  :
يعمل بعض الشعراء على إعدام تجاربه الإبداعية الأولى وكأنها عبء وجب التنحي من تحت لحافه، ما مرد ذلك في اعتقادك ؟ وهل انتبابك الشعور نفسه في فترة من الفترات، وهل لهذا علاقة ما بالكمال ؟

ج  :

الإبداع وإنْ كان يعتمد على الموهبة ( بالمناسبة، أنا لا أعرف تعريفاً دقيقاً لهذه الكلمة ولكني أتحسسها وهي ربما مجموعة عوامل تتضافر في شخصية المبدع )، إلا أنه ( الإبداع ) خبرة تنتجها الثقافة والإصغاء إلى التجربة الحياتية والروحية، لذا فأن الموهبة الفطرية لها سقف محدد لا يمكن أن تتجاوزه لتحلّق أبعد، ولا يخلو أي إبداع من صناعة وحرفية، ومن هنا أرى أن من حق المبدع أن يلغي تجاربه الأولى وإن كانت في بعض الأحيان تحمل ملامح براءة وطفولة قد يفتقدها المبدع في كهولته. أما بالنسبة إلي فأنا مازلت أمزق مما أكتبه أكثر مما احتفظ به. لا علاقة لهذا الأمر بمسألة الكمال ولكن هي حالة طبيعية لتطور وعي الكاتب المستمر ونضوجه بسبب تراكم التجربة.

س
 

كيف تنظر إلى الشعر العراقي ؟ ماذا عن حاضره ومستقبله ؟

ج

الجواب الوافي على هذا السؤال قد يحتاج إلى كتابة مئات الصفحات، لأنه يتطلب استعراضاً لميزات الشعر العراقي وملامحه ومسيرة تطوره على الأقل في العقود الستة الأخيرة. الشعر العراقي حتى منتصف الثمانينات من القرن الماضي كان نبعاً ثراً من ينابيع الشعر العربي، وللـ ( مذهب البغدادي ) في الشعر تقاليد قديمة استطاعت حماية الشعر العربي من الانحدار نحو هوس التجريب المتهور الذي كان ولا يزال ( المذهب الشامي ) يمارسه في الشعر العربي، لكن ما حدث منذ منتصف الثمانينات، وضمن المحاولة الشاملة في تخريب الروح العراقية، ظهر جيل عراقي استهوته اللعبة الشكلية ووجد تأييداً من النظام السياسي العراقي لأنه وجد فيها طريقة لإلهاء الشاعر العراقي عن مهمته الجمالية الحقيقية بإشغاله بجنوح يدّعي أكثر مما يقول، فسادت في هذه المرحلة نصوص معبأة بالخواء الدّعي وبالصوت الزاعق ثرثرةً، لكني أثق في البيئة العراقية بأنها ولاّدة. أرى أن جيلاً جديداً من الشباب الآن يكتبون قصائد رائعة.
 

س

هل يطمئن الشاعر فيك لواقع فني ما، يحاول أن يبتعد قليلاً أو كثيراً عن الواقع المعاش ؟ وهل صار الشعر معك شكلا نقابياً أم شكلا ثقافياً ؟

ج

أنا ضد مقولة نيتشه بأن الفنون تجعل الحياة مستساغة. أنا أرى العكس تماماً. الفنون هي تقريظ للحياة. كلما عشتَ الحياة بعمق أصبحت أكثر قدرة على كتابة قصيدة جميلة أو رواية عميقة أو ترسم لوحة باهرة... لذلك أرى أن القفز على الواقع وهمٌ، وهمٌ كرّسه الفهم الديني للحياة، فتخيّل الشاعر نفسه نبياً حازَ على اليقين، فأعطى لنفسه الحق في التعالي والوعظ، وهذا الفهم ( للأسف ) سائد في الأوساط الأدبية العربية، لذلك تجد النرجسية والأنا المنتفخة عند الشاعر والتي أدّت إلى أن تتحول القصيدة إلى استعراض إدعائي شكلاني ممتلئ بخوائه، وكثر استخدام أفعال الأمر وصيغ النهي.
أنا أميل إلى الأدب الحسي المتواضع غير المتعالي على الإنسان بطبيعته الحقيقية، والذي لا يطمح إلى امتلاك أكثر من خمس حواس يستخدمها الشاعر بشكلٍ مهذب وعميق.

س
( أصغي إلى رمادي ) رواية وسيرة ذاتية رصدت فيها الفقروالحرمان والسجن والنفي والحرب والموت والحب، كيف تنظر إلى هذا العمل الآن ؟

ج

( أصغي إلى رمادي ) هو كتابي السردي الأول صدرت طبعته الأولى عام 2002، فبعد أن أصدرت خمس مجاميع شعرية توقفت لمراجعة تجربتي في كتابة قصيدة النثر. وجدت أني أتحايل على نفسي في كتابة قصيدة النثر، فاللجوء إلى السرد في القصيدة هو تعويض لغياب الإيقاع، لذلك فكرت أن أعيد النظر في ما كتبته كقصائد نثر. حوّلت بعضها إلى قصص قصيرة، وعدت إلى طفولتي الشعرية في كتابة قصيدة التفعيلة، لكني في الوقت نفسه اكتشفت في السرد متعة لا تقل عن متعة كتابة الشعر. خطر في ذهني أن اقتحم هذا المجال، فبدأت بكتابة فصول من سيرتي الذاتية . جمعتها في كتاب وأصدرته فلاقى إعجابا واهتماماً لم أكن أتوقعه وصدرت منه طبعتان. لهذا الكتاب وقع عزيز في نفسي لأني كتبته ببراءة طفل يركّب لعبته ثم ينثر أجزاءها على الأرض ليعيد تركيبها ثانيةً دونما قصد سوى المتعة باكتشاف ما فاته اكتشافه من أحداث مر بها.

س

العراق، الحرب، صدام حسين ماذا يعني كل هؤلاء الآن ؟

ج

العراق، الحرب، صدام حسين... هذه المفردات اللعينة هي التي شكّلت تفاصيل حياتي ولم أستطع التخلص منها. تصور.. أنا أقيم خارج العراق منذ 31 سنة ولكني مازلت أحلم كل ليلة ( تقريباً ) بأني عائد إلى العراق وشرطة صدام السرية تطاردني في الشوارع وأنا أركض.. أركض والقذائف تسقط بين ساقيّ، وحينما استيقظ أحمد القدر على أني أعيش بعيداً عن موتي بألآف الأميال، حتى وإن كان مكان إقامتي موحشاً.

س

الانتقال من بلد إلى آخر، من مدينة الكوت العراقية إلى جبهات الحرب مع إيران إلى اللجوء ومن ثم الانتقال إلى دمشق ومنها إلى الدنمارك، كيف تعيش آثار كل هذا المنفى ؟

ج

عام 1982 هربت من العراق مشياً على الأقدام إلى إيران عبر جبال كردستان. في إيران عشتُ ثلاث سنوات في معسكرات اللجوء التي لم تكن تختلف عن أبشع المعتقلات. خلال هذه المدة حاولت الهرب مشياً إلى أفغانستان وتم القبض علي من قبل ( المجاهدين ) ثم تم تسليمي إلى الشرطة الإيرانية ليلقى بي في سجن داخل سجن، حتى استطعت السفر إلى دمشق بعد أن قام أحد الأصدقاء بعمل دعوة لي. بقيت في دمشق ستة أشهر، كانت هناك معاناة تختلف عن المعاناة السابقة حيث عشت فيها الجوع الحقيقي والتشرد والنوم على الأرضفة، لحين وصولي بما يشبه المعجزة إلى الدنمارك. رحلة متعبة ولكن كما يقول كافافيس إن الطريق إلى إيثاكا منحتني تجربة لولاها لم أكن كما أنا الآن، فهي على الرغم من مأساويتها إلا أنها كانت تجربة غنية ولا تخلو من متعة وتمارين في تعلم المشي على طريق الإنسانية الحقيقي.

س

ماذا عن الجنس الحاضر بقوة في أعمالك الروائية ؟ حدثنا عنه.

ج

الكتابة عن الجنس أو عن الثالوث المحرّم ( الدين، الحاكم والجنس )، هو جزء من ممارسة الكاتب لحريته، ولكن هذا الأمر تحصيل حاصل وليس دافعاً للكتابة، فالكاتب الذي يحرص على حريته ولن يساوم عليها مهما تكن الظروف لا يضع في حسابه اهتماماً للتابوهات، وحتى اختراقها لا يأتي لغرض المشاكسة أو الاستفزاز بل هو لا يضع في حسابه سوى الصدق. الدافع الأساسي في الكتابة عن الجنس أو الدين هو أن هذه التابوهات تشكل الجوهر الأساسي للإنسان، وكل كتابة تبقى ناقصة إذا تجاهلت هذا الأمر.
في رواية ( الضلع) التي صدرت عن دار الجمل عام 2005، تناولتُ مسألة الكبت الجنسي وتأثيره على الشخصية العراقية، ولم يكن الجنس هو المحور الأساسي أو الوحيد في الرواية بل جاء موضوع الكبت الجنسي كملمحٍ من ملامح الشخصية المستلبَة التي شكّلها الأب والحاكم ورجل الدين فتحولت إلى شخصية انهزامية، سلوكها الحياتي كله عبارة عن عملية استمناء ليس جسدياً فقط، بل هي تستهلك حياتها في ممارسات إيهامية لكي تهرب من مسؤوليتها في المواجهة لتحقيق طموحها الإنساني الحقيقي.

س

هل الحرية أن تعبر عن نفسك أم أن تعبر عن قيد الآخرين ؟

ج

أنا لا أرى نفسي على طرف معادلة يشكل الآخرون طرفها الآخر، بل على العكس تماما. أنا والآخرون في طرف واحد، لذلك لا اكتمال لحريتي مع عبودية الآخرين.

س

في كلمات :
محمود درويش : موتسارت الذي لا أملّ سماعه.
العراق : عذابي الجميل.
الدنمارك : عزلتي الفاتنة.
حميد العقابي : عدوي اللدود الذي أشفق عليه ويشفق عليّ.








التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.