الرئيسية » , » وداعاً إيف بونفوا | جمانة حداد

وداعاً إيف بونفوا | جمانة حداد

Written By Unknown on الخميس، 14 يوليو 2016 | 9:27 ص

وداعاً إيف بونفوا

جمانة حداد

 الاخبار فى 11 تموز 2016

عندما ردّ الشاعر الفرنسي إيف بونفوا على رسالتي الأولى لعشر سنين خلت، فعل ذلك بخطابٍ مكتوب بخطّ يده لا أزال أحتفظ به بعناية وغيرة بين اوراقي الثمينة. خطابٌ لغته "رسمية" رغم بساطتها، توحي على غرار كاتبها الوقار والهيبة والكلاسيكية. لذلك كان ذهولي عظيما عندما أدرتُ الكومبيوتر في احد الصباحات، على عادتي، لكي أستشير علبة بريدي الالكتروني، فوجدتُ فيها "إيميلا" منه! لا بدّ أنها سكرتيرته، فكّرتُ ساعتذاك، إذ لا يمكن التكنولوجيا أن تكون قد طوّعت عادات رجل بهذا العمر.

تراسلنا، الشاعر وأنا، بضع مرّات، إلى أن زرتُه يومذاك في الكوليج دو فرانس حيث دأب على التعليم منذ العام 1981. برهبةٍ دخلتُ حرم ذلك المعهد التاريخي، وبالرهبة نفسها صعدتُ السلالم، محاولة الطيران بكل ما أوتيتُ من خفّة أو وهم خفّة كي لا يزعج وقع خطاي هدوء المكان الجليل. ما إن جلستُ في مكتبه المضاء بنافذة يلوّنها خفر الشمس الباريسية، حتى رحتُ أنظر من حولي بتركيز: أنظر وأعبّ التفاصيل بنهم وأسجّلها في ذاكرتي، متلصصة ولصّة على السواء. هذا قلمه الذي يكتب به بخطّه المائل كما لو أنه ينحني من قممه المشرفة على سهول الكون؛ ذاك مشجبه الذي علّق عليه سترتي بعدما ساعدني في خلعها بحركة جنتلمان حقيقي؛ وها على الرفوف كتبه التي غالبيتها قديمة، والتي أهدى إليَّ بسخاء واحدا منها مزيّنا بتوقيعه في نهاية لقائنا، بعدما رضخ لإصراري على اختيار نسخة مائلة الى الاصفرار رغم بحثه عن واحدة جديدة يقدّمها. ابتسم لي ابتسامته الدافئة الهادئة التي تذكّر بابتسامة جدّي افرام، ذاك الجدّ الذي لم يكتب كلمة شعر واحدة في حياته، لكنه كان ليكون شاعرا بالتأكيد. كان ليكون لو...
أوّل ما حدّثني عنه إيف بونفوا، "آخر الكبار"، هو كيف تسرق الحياة اليومية باحتراف ولؤم وقت الكتابة. في تلك اللحظة نظرتُ في عينيه، وشعرتُ بحجم القلق الذي يعانيه جراء هذا الموضوع: قلق حامل التقدمات، الراكض لكي يسبق فوات الأوان، عارفاً ان الأوان سيفوت لا محالة. حدّثـني عن هجسه بتبدد الزمن، لكنه لم يفعل ذلك بكآبة مَن تقدّم في السن، بل بصفاء الانسان الحكيم المشغول بفكرة حضور الكائن في العالم وتأثيره فيه عبر العصور.
"الشعر هو السبب الوحيد الذي يستحق أن نكتب لأجله في هذا الليل المدلهمّ الذي يسجننا"، كتبتَ يوماً أيها الشاعر. كل تعقيب على كلامك هذا يبدو لي الآن ترفاً فاحشاً لا يسعنا أن نتحمّل أعباءه.


التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.