الرئيسية » , » ابستمولوجيا النص بين الشعرية والمقاصد في ديوان "الطازجون مهما حدث" | دراسة نقدية للتشكيلية التونسية/ خيرة مباركي

ابستمولوجيا النص بين الشعرية والمقاصد في ديوان "الطازجون مهما حدث" | دراسة نقدية للتشكيلية التونسية/ خيرة مباركي

Written By Hesham Alsabahi on السبت، 21 مايو 2016 | 1:27 م

ابستمولوجيا النص بين الشعرية والمقاصد
في ديوان "الطازجون مهما حدث"

دراسة نقدية للتشكيلية التونسية/ خيرة مباركي

   يعتبر ديوان "الطازجون مهما حدث " للشاعر المصري د.حاتم الجوهري أحد أبرز الأعمال الفنية الشعرية التي أثارت اهتمام العديد من النقاد، لما ينطوي عليه من جمالية إنشائية وقدرة إبداعية مثلت تجريبا فنيا لمبدع أبى إلا أن يتميز، وينزل من عليائه العاجي ليباشر الواقع ويتصيد الآليات الكفيلة بالتعبير عنه ومحاكاته.. ليكون تتويجا لمسيرة أدبية وشعرية وضع فيها عصارة جهده حاول من خلالها إرساء نظم ومبان خاصة به من شأنها أن ترتفع بنصوص الديوان إلى مستوى الشعرية ، منطلقها الشكل الشعري وجنسه وهذا بانتماء النصوص إلى قصيدة النثر باعتبارها الكفيل بالفعل الشعري الحر والتحليق بالفكر والذهن في عوالم الخيال دون قيد ، عماده عشق اللغة  والسعي إلى الارتقاء بها في سياق تعبيري يجافي المألوف ويحلق في عوالم الإبداع قصد بث وعي ثوري بتغيير  واقع ينبعث ناتئا حادا ، يبعث على الرعب ويعمق الغربة ولكنه يصلنا بذات شاعرة مرهقة حد التفتت والتلاشي ، تحاول أن تلتقط تفاصيله التي تؤرقها وتزج بها في أحبولة القلق والتوتر ثم تندغم في الصراع وتشكل مأساويته ولكنها ذات واعية تظل طيلة رحلة العذابات تلك واعية وعيا دراميا عنيفا بوطأة الواقع وهوله ..لكنها حاضرة حضورا كليا في تفاصيل عالمها كابوسا مفزعا يكسب القصائد تفردا على مستوى الرؤى والتجلي..
تظهرها نصوص تهتك الحدود بين الأجناس الشعر والنثر ليدرج ضمن تصورات ثائرة على الواقع والفن. بهذا ينشئ عالمه بأناغيم أبجدية تنهض من  ركام الذاكرة  وفوضى الأشياء .تعج وتضج في عالم فاجع لتؤسس كيانها وخصوصية ذاتها التي تنبع من خصوصية قولها وتقدم تشكيلا جديدا للعالم والأشياء ينفصل عن الواقع ويفتح آفاقا واحتمالات للقراءة وتعدد المدلولات ..هنا قد تضج في أعماقنا أسئلة تحيرنا وتبث الروع فينا : كيف يمكن للقصيدة أن تتفاعل مع الواقع وتنهض معادلا فنيا له ؟  ماهي علاقة الكلمة بالفعل ؟ وكيف يصبح إبداع الكلمة مرادفا لإبداع الفعل ؟ وهل يفقد الخطاب الشعري وظيفته الجمالية لصالح الوظيفة المرجعية ؟ أم أنه توتر دائم ما بين الوظيفتين ؟كيف يمكن للنص الشعري أن يعيد تشكيل الواقع ؟ و بأي لغة يمكن أن يتكلم  ويفصح عن وعي الذات والعالم ؟ وكيف يمكن لرؤيته الفلسفية والوجودية أن تكون هاجسا وذاكرة داخل النص ؟  هل يمكن لقصائد الديوان أن تنقل وهج الثورة        وبريقها وأملها ؟
    تشكل هذه الأسئلة الامتحان الصعب الذي يواجه النص الشعري لاسيما إذا كان أمام وضع كالذي يعيشه الشاعر خاصة والمواطن العربي عامة في ظل سياسات مدحورة وإيديولوجيات مسعورة.ألا يمكن أن يكون ذلك الامتحان العسير لإثبات الذات ، ومواجهة عواصف الواقع ، والسعي وراء استرداد الهوية المفقودة ولملمة شظايا المرايا المهشمة على قارعة الزمن الفاجر؟ إنه امتحان قد نترجمه بعبارة هاملت "أكون أو لا أكون" وهذه الكينونة قد تتجاوز  الوجود الفعلي إلى الوجود النصي ومن هنا ينبجس وعينا بـ "إبستيمية النص" قياسا على فلسفة العلوم  لما فيه من رغبة في إقامة مشروع جمالي ارتبط بخيال الشاعر الخلاق الحاضر بغية تأسيس  الوعي الجمالي والمؤثرات التي أسهمت في تشكيل الخطاب الشعري وانتهاء بالقصيدة  ومراحل تشكلها واقتناص الآليات الكفيلة للتعبير.. بهذا نتعامل مع الشعر في  هذا الديوان كوسيلة للمعرفة والكشف والاكتشاف ولعلنا في هذا الإطار نتحدث عن "إبيستمولوجيا الشعر" قياسا على إبستمولوجيا العلوم إذا ما  انطلقنا من  كون الشعر وسيلة للمعرفة والخلق كما أشار إلى ذلك أدونيس حين قال في حديثه عن قصيدة النثر : " ليست المسألة اليوم مسألة القصيدة وزنا كانت أو نثرا بل مسألة الشعر  الذي نمارسه كوسيلة للمعرفة والخلق " من ناحية ومن ناحية ثانية ولعله الأهم وهو مسألة النسبية في الحقيقة وخضوعها إلى حتمية التطور وهي حتمية يمكن أن تخضع للشعر أيضا.. من هنا منطلقنا في هذه الدراسة مظاهر التطور و التجاوز ومحاولة الوقوف على شعرية الخطاب ..
 ما يشدنا في هذا الديوان بناؤه الذي اتخذ شكلا عنقوديا انبنى على أساس التضمين نصوص داخل نصوص . حيث النص الأكبر وهو الديوان الذي يقوم على وحدة الموضوع فلا يعدو أن يكون رؤية وجودية فلسفية للعالم تنطلق من ذات مأزومة تترشف سعير الواقع فتكشف عنه بكل أوجاعه .. وهذا ما يجعل فيه تداخلا بين البنية الشكلية والبنية النفسية فالعنوان نص صغير لنص كبير هو الديوان.. هذا الذي يمثل بدوره النص الإطار لنصوص مضمنة ومن ثمة فهو الحلقة الأولى من حلقات هذا التشكيل العنقودي يأخذ الوظيفة الاستباقية ..وقد ورد جملة اسمية مركبة غاب المبتدأ فيها وحضر الخبر .. وهذا التقدير للمبتدأ من شأنه أن يدعم ظاهرة الغموض في النصوص ليجعل منها نصوصا مخاتلة تنفتح على العديد من الاحتمالات والقراءات دون أن تخل بالموضوع الأساس ، وهو الثورة والصمود..وقد يكون المبتدأ ضمير الغائب "هم" أو المخاطب "أنتم" أو المتكلم "نحن" كل ما نعرفه أنه جمع من صيغة التصريف ارتبط بلعبة ظمائرية ومهما يكن ف "الطازجون" يرتبط بالحالة "مهما حدث" ..من ثمة تعطي البعد الاطلاقي في الصفة وهذا من شأنه أن  يبعث على الأمل المنبعث من ثقة في الصمود والقدرة على المواجهة . لذلك منذ الوهلة الأولى في العنوان نلمس نفسا حماسيا يبعثه منطوق الشاعر إذا ما رجعنا إلى معنى "الطازجون" وهو كما جاء في لسان العرب  "ابن الأثير في حديث الشعبي قال لأبي الزناد  تأتينا بهذه الأحاديث قسيئة وتأخذها منا طازجة..والقسيئة الرديئة والطازجة الخالصة المنتقاة ..قال وكأنه تعريف تازة بالفارسية " بهذا التعريف فالطازج هو  المتجدد ، الحديث ، النقي ..وهو عنوان القصيدة الثالثة من المجموعة الأولى وقد ورد تصريحا في قوله :
    رائعون ..طازجون
   خفيفون في  مرورهم كمن يقول :
  " السلام عليكم "
  وليس في انتظار الجزاء
   حتى لو ضربتهم بكل طوب الأرض
  هم على حالهم
  لا تفر ابتسامة الوجه
كما ورد تلميحا من خلال جملة السجلات اللغوية الدالة عليه ( الباسمة أرواحهم دائما ..لا تفر ابتسامة الوجه ..يأتي احتفالهم بالنصر ..) لكن ما يحيرنا هنا هل "هم الطازجون " كما في المجموعة الأولى ؟ لعلهم أفراد الشعب العربي عامة والمصري خاصة :                                                        
   شعب
   كلوح من "الصاج الخام
   لونه "عامل طلاء "
   بأكثر من سبعة آلاف لون
   سقط بعدها
  من جدول أعمال  الملائكة
   (..)
  سوف يخرج من شارع جانبي
  ويكحت كل ألوان لوح الصاج 
  بضربة واحدة     ( شعب كلوح من "الصاج" الخام ص 38)
فهل هم الثوار في بلاد تعرف رجالها تستضيفهم على  سجادة عربية وعيونهم  معلقة كبندول الساعة ؟  
  فيا مرحبا بهذا  الغريب
  بأصابعه ..شبك أصابع يدك
  فيصبحان معا مذراة فلاح
  تفصل - أينما ضربت – حبوب الأرض الطيبة
  عن خفيف قش الماشية 
 أم  "أنتم الطازجون " حين يوجه الخطاب إلى الجماعة :
    ستلتقون في معركة
    تحملون البندقية ويحملون
    لكن تذكر :
    ستظلون أنتم ..أنتم
    وهم ..هم
    الكل إلى أصله يعود  ( إنها لحظة عابرة ص 78)
  فيكون بذلك خطابا تبشيريا فيه استنهاض للهمم ودفع معنوي للصمود والمقاومة ..فالطازجون يعني الصامدون ، المجددون لعهود الثورة والانقلاب على الواقع الآسن ، ولكن في أعماقه يعلن النفير..فالواقع لا يتحمل الركود والاستسلام  بل هي  دعوة إلى التمرد  والعصيان ضد الذل والقهر والصغارة وفجور السلطة.
  أم  قد يكون "نحن الطازجون" فيكون الدكتور حاتم الجوهري من ضمن  المجموعة المتكلمة وهنا يأخذ العنوان دلالات أخرى بعضها يرتبط بالجوهري الإنسان يتمرد على الواقع ويسعى إلى التغيير فيكون بذلك صورة للإنسان بمفهومه الوجودي وهو الاستحالة الصعّادة بمعنى الصيرورة والتحول من حال الركود إلى  حال الفعل فتكون نقيض السكون  والجمود .. بهذا فالاستحالة ضرورة وجودية من أجل تأصيل الكيان الفرد والنهوض بالمجموعة فيغني لطائر الريح والواقع الهاجع تحت وطأة الطغيان والظلم..وبعضها ينشد إلى الجوهري الفنان  يتمرد على الموجود ويخوض مغامرة الإبداع والتميز في إطار رغبة في النهوض بالقول الشعري والارتقاء بالقصيدة العربية من ضيق الإبداع إلى أوساعه وينتشلها من التنظيرات السقيمة التي تفرض  عليها الحدود وتمنعها من الانطلاق ..وهو وجه آخر من وجوه ابستمولوجيا  النص ..
     أما المتن فقد  مثل في مستوى أول تشكيلا هندسيا لخمس مجموعات نثرية تماثلت في مضامينها و في انتمائها  إلى حيز زمني محدود وهي الفترة الممتدة بين ألف و تسع مائة و خمسة و تسعين و عشرة و ألفين و تحتوي كل من المجموعة  والثانية على خمس قصائد والثالثة  تتراجع إلى قصيدتين أما الرابعة والخامسة فتحتوي كل منهما على تسع قصائد وهذا ما نفسره ربما بحضور دفقة شعورية أنتجت استرسالا وكثافة للمادة الشعرية ترجم  تحررا وتطورا في قدرة أكثر على البوح والكشف وهذا المستوى الكمي يرتبط ارتباطا وثيقا بحركة دينامية على مستوى الموضوع والدلالة بهذا فقد انتظمت هذه المجموعات وفق آلية التضمين ليصل في النهاية على قصائد تنبني  بدورها على مقاطع فرعية مرقمة (قصيدة  لن تدخليني مرة أخرى ) في هذه المجموعات..
 وهذا ما يدلل على استراتيجية خاصة نهجها الشاعر تجعل من الديوان  عينا ثالثة يطل من خلالها على تجربة نفسية وجودية متطورة من خلال مراحل تتشكل عبر لوحات واقعية كالحة من العنف واليأس والذاكرة هي الجذر الرئيس الذاهب عميقا في الواقع والنابض في تضاعيف عوالم الشاعر الشعرية التي رتقها بجمالية إنشائية  أنشأها عبر أمشاج وأخلاط فنية تعالقت فيها اللعبة الضمائرية بطرافة الصورة و فيها قدرة على الإمساك بزمام  المشاهد ، مما يجعلنا  أمام تنظيم تراتبي يدرج النص الأكبر ضمن نزعة عقلية واعية ببرنامجها الشعري  في كامل مجموعات الديوان ..هو ينطلق  من عالم كالصمت في مجموعة  "الطازجون مهما حدث" وهي التي يرصد من خلالها مشاهد الواقع  ويعبر عن مرارته بأسلوب تعبيري بالغ الصفاء وكأنه يتحدى نفسه في أن يكتب بأقصى ما يمكنه  من  الكشف بشكل يومئ من قارعة الواقع ليستثمر ما لديه من مقومات اللغة والتجربة فيعبر عن معنى الموت السريري لمجتمع مات قبل أن يولد وأظلمت دنياه في عمق فجرها :
      إن كنت أنا
      سليل  قبيلة منقرضة  نثرها الإله عبر الزمن
     فعظيم الحب لمن عيونهم كانت
     محمية طبيعية دافئة أيام استشفائي        (مزين أنا بالرماح ص 11)
  لقد ضرب جذورهم الجفاف، مجتمع بلا ذاكرة، غلب عليهم البهتان تغويهم نداهة الشكوى فيزدادون بهتاننا..سيصبحون بلا جذور ، عالقون في الفراغ ينحنون لكل ريح  .. بكل عناصر الحياة يعلن الانكسار ويكتظ السياق بأطياف الحلم المغدور فيحتد  المخاض ويزداد ألمه :
     يغنون  للبحر ..وللهواء ..وللرماد
    كنبات عباد شمس
    يغير اتجاه صلاته
    أينما قابل مجلس دفء سجد
    أرواحهم تماثيل شمعية باردة
    تروج لمن  يقتنيها بعلياء                 (الثالث في مخاض أمهات  العالم ص 27-28)
   ثم يتدرج الخطاب في مجموعة "شعب كلوح  من الصاج الخام "نحو بث الوعي  وبداية تشكيل الفعل الثوري وكأنه يحاول أن يعيد تشكيل العالم حسب رؤيته ورؤياه وفي  هذا  ينطلق من صورة استعارية كبرى هي صورة أطفال إقليم التفاح ..قد يتبادر إلى الذهن أن الشاعر يحيل على إلمام بهم وطني وإنساني ولكننا نراها غير ذلك هي صورة تنبئ بوضع يرفضه ويسعى إلى تغييره فتنبجس  أولى الملامح الثورية من خلالها  وهي الرفض والتبرم من الواقع فشعبه أشبه بهؤلاء  الأطفال   اللاعبين الذين يلوحون للطائرات في  السماء ولا يهتمون إن جاءت  تبحث عن رؤوسهم أم تساعدهم ..هو شعب فاقد للأهلية والرشد لا يعي حقيقة ذاته ولا من حوله ولا فارق إن كان بالبصرة أم في غزة أم في  لبنان :
    الكل هناك تائه
    إعادة الأحلام مرة أخرى
    لعربات قطار
    الدرجة الثالثة
  ولكن المأمول "سهى بشارة " الزهرة برحيق البارود البطل الأنثى تضرب مثلا  رائعا  للبطولة والصمود  والمقاومة ، المناضلة اللبنانية التي حاولت  اغتيال أحد قادة الميليشيات اللبنانية  الموالية لإسرائيل .. تكتب التاريخ وتنفخ في أفواه المحاربين باسم السماء فتغدو رمزا للنضال والثورة .. بها يستنهض الهمم ويوقظ العبيد الذين لصقوا طوابع البريد في أفواههم فيكتظ السياق بأطياف الحلم المغدور
     سهى بشارة
     زهرة برحيق الباارود
     تتفتح  في أيام الآحاد من شهر رمضان
     طفلة عجوز
     تكتب التاريخ  بيد وتلتقط بالأخرى
     المحاربين  الذين فرغت ذخيرتهم 
     وتنفخ  في أفواههم
      باسم السماء
      فهي الرقة والقوة،  الزهرة والبارود الطفلة والعجوز ..نموذج تحمل النقيض ونقيضه بل يتحول البارود إلى شذى يتضوع في الوجود وتتحول صورة العجوز  فيها من كونها صورة  لأرذل العمر إلى رمز للنضج والتعقل ..بهذا تتحول هذه الثنائيات إلى ثنائيات  أنطولوجية  كونية تصبح هذه الأنثى حاضنة للوجود ..هي مكاشفة معرفية فيها ترشيد العقل ومساعدته لإصلاح الوضع الإنساني عبر  نزعة حجاجية بدت فيها هذه القصيدة أشبه بحجة قياس قاس فيها غفلة الجماعة عن حقيقة ما يدور حوله من لعب  سياسية بأطفال لاعبين قد تكون منطلقا لرؤية وجودية فلسفية تفرض  علاقة الإنسان بالزمن  ووعي هذا الإنسان بحقيقة  وجودة القائم في الكون ، ولذلك فهو مرادف لكيانه وكينونته ..إنه القوة الجارفة التي تستوعب أفعاله لذا ينبغي له أن يتيقظ فيرسم هذه الصورة عبر مثال "سهى  بشارة" التي تتحول  إلى  رمز للمقاومة وكأنه   :
    أن تحب كونك ما أنت عليه
   هو سر الكون
   في جملة ،
   لا يعنيك  في صراعك
   تكسب أو تخسر ..
  يكفيك عندها أن تفعل ما  تؤمن به   (أن تحب كونك ما  أنت عليه ص48)
   لعلها إرادة التحدي التي تنطلق بحفيف المعنى تبرزه لغة مخاتلة ،مخادعة  تبدو هادئة متمهلة ولكن في أعماقها تمرد وطغيان تخفي نذيرا من التمرد والثورة يعلنها تلميحا لا تصريحا بهذا  فقد طرحت مسألة  الثورة طرحا ذكيا بالتلميح والإيحاء وذلك عبر إخراج اللغة مخرجا جديدا وكأنها تجذب الأحوال النفسية اللاواعية إلى حالة الوعي دون أن تفقدها توترها  لذا  فهي دعوة معقلنة خرج بها الشاعر من بوتقة الترشيد والنصح إلى مستوى أكثر تأثيرا وإقناعا ..لتكون  رؤية فاعلة  يسلك بها الجوهري الدروب المنسية بغية مواصلة الرسالة الجمالية والروحية :
     فمتى تحب كونك ما أنت عليه 
     سترى العالم  يصطبغ صاغرا
    بألوانك الخاصة
    وتأخذ أشياؤه
    أسماء جديدة
    لمجرد أنك بالجوار
   سوف تملك أن تكون هذا العالم بيمينك ( أن تحب كونك ما أنت عليه ص48)
  ثم ينطلق الحلم بانطلاق  النداء في سفينة الأعاجيب .. يتطلع للجنة التي تتلألأ بالحياة والأفراح الصاخبة ولكنه حلم وحيد ،  مرهق في بحر هائج يجافي الموج الشاهق الذي يداري خيوط الشمس التي تحول بين الرجال و ضياء السماء ..هو يحلم ولكن في حلمه احتراز اليقين ليكون المد والجزر سليلا الرؤيا.. إنه خطاب ترغيب وترهيب يجعل من الأحلام حكما فاجرا يمتص من نهد القرون غنيمة.. ولكن برودة الموت كاليقين، تحفره الخنادق ... وشرف الإنسان المحاولة :
    يكفيك أنكم فعلتهم ما استطعتم
    مت واقفا على قدمك
   واليد تنسحب –  بروعة وهدوء –
   من فوق ساري العلم  (حدود وأسوار حلمك ص 73)  
وتندلع في الخطاب  الثورة في المجموعة الرابعة فتوقظ شهوة عشق  التمرد لمن لم يولدوا بأسماء مثل الآخرين .. إنه إعلان عن التمرد على الواقع ، فإما أن  ينكفئ  على نفسه  أو يكتب عليها الغربة والعزلة حينئذ  يكون  "أفق الاختيار" "أنشودة  لأواخر الأشياء " :
      هو  القدر
      للحالمين 
      أن يأتوا في أزمنة متباعدة بعضها عن بعض
      الواحد منهم في صراعه  
      كالأنبياء يكون  الأخير والأوحد
      في سلالة القدر
      ألا يجتمع منها اثنان قط (ص85-86)
    لعلها صورة سليلة لصورة المقاتل المحارب المزين بالرماح أعلن  عن ذاته كيانا مفارقا  يجمع صفات الإنسان النموذج يعبر عنها من خلال المقابلة بين معاني الجمال والزينة بما فيها من لين وبين صورة السلاح بما فيها من خشونة وعنف ، وبين اللين والعنف تجثو الأنا وتتحضر للحلم والتبشير بصورة الربيع القرمزي  والزهرة الحبيبة التي تنبجس من صفائح الرماح ..هو التبشير بالجنة الموعود ، بالمدينة الفاضلة  .. بنبرة حماسية تصدح في أرجاء النص وهو ما يجعلنا نقف إزاء إيقاع نغمي يلون الخطاب بألوان الحلم من خلال لغة رامزة فيها قوة  يصدح بها في خطاب مباشر تركز على  الأمر الذي أفاد  معنى النصح والإرشاد وهذا اللجوء  إلى الإنشاء يكسب النص طاقة  تعبيرية توحي بغيرة الشاعر على الوطن وقدرة تأثيرية تستهدف إثارة  الآخر  وبث  روح الثورة فيه :
    قاوم
    حتى آخر  طلق في  روحك 
    ولا تسمح لغوايتهم بدخول مدائنك
     (....)
   واطفأ أحزانك باليقين
   حلى قطر عينيك بأن تزرع فيه
   القمح والعنب وأشجار التين
   وهب ثمارهم للجائعين يغنيك دعاؤهم (آخر طلق  في روحك ص 91)
    وما يلفت  الانتباه في هذا السياق طبيعة الخطاب  الذي ينحى منحى حجاجيا يفصح عن  رغبة في الإقناع ومن ثمة يتحول الحلم إلى لحظة انعتاق من رقابة الواقع ولكنه في الآن ذاته يبطن الشعور  بالخيبة والإخفاق ..لعله حلم مصادر محاصر ما  بين ذكرى وتوجس من الآتي :
    كغناء الملائكة خفيف وبريء 
    عذب 
    كاصطفاف سرب في النجوم في حزم
    ليؤدي التحية
    لنور  الخالق     ( آخر طلق في  روحك ص 92)
   لينطلق  هذا الحلم فعليا في المجموعة الخامسة التي يتحول فيها السياق  الشعري  نحو وجهة رومنسية حالمة تجعل من هذه المجموعة فردوسه المفقود وهذا  ما يعطي سمة  الاختلاف في الخطاب الشعري في  الديوان  بين المجموعات ليكون ملتقى لتيارات عديدة فنجد الثوري والرومنسي  والواقعي كلها تتناسل من بعضها البعض في شبه وفاق لتعبر عن الذات وعذاباتها . والأكثر من ذلك طموحها لإنجاح مشروعها الثوري ليكون الحلم  مطية المنشود ..ومخاض حلم تتصارع بداخله أوشاجه بين واقع متهرم  وملامح جمال يتوارى في الأفق ليمارس الشاعر علينا لعبته يراوغنا ويخاتلنا و في ذلك مفارقة بين ما يعرضه في العنوان وما يعلنه في المتن ..نتوهم للوهلة الأولى أن الشاعر يغير وجهة الخطاب من بعده الثوري إلى بعد آخر يظهر أولا عبر الذي يوظفه وهو معجم وجداني ( من  لديهم ذكريات دافئة ، كلما أحن إليك ) ولكن المتن يناقض المعنى ويتجاوزه في العنوان يقول  في قصيدته "من لديهم ذكريات دافئة":  
      وحدك 
      تحب ظل فتاة 
      قدر الله عدم صنعها  لك
      ( ....)
      تحلم
      بأن يتصاعد بخارها   
      إلى  السماء ..ينادي عليها
      يمنحها ما لم تمنح
      تحلم بأن تعود    (97-99)
   لكن الشاعر يكسر أفق التوقع لدينا..إنه ليس لقاء ولا وصالا إنها مجرد ذكريات دافئة..واهمة لأن الليل سيظل في شتائهم للأبد بردا و سلاما..وهو الشأن في القصائد الأخرى في المجموعة ..
ولعل قصيدة "كان يمكن" أكثر النماذج التي تدل على المخاتلة من خلال بنائها لتعلن صراحة عن خيبة الأمل وقد أعلنه الإيقاع  بالترديد اللازمة " كان  يمكن " ..ولكن لم يكن .. فيسم الخطاب بنوع من التحسر والشعور بالخيبة بهذا فالشاعر قد تجاوز حتى صورة الحلم..هو حلم مترهل لا أمل فيه ولكنها إرادة الشاعر في أن يحلم ويحلم..إنه الصمود وهو الصراع بين مطلق الإرادة  وحدود الإمكان ..لقد تأكدت لديه رغبة ملحة في التجريب والتجاوز من خلال ظاهرة التضمين لتعاضدها لعبة ضمائرية مثلت جانبا آخر من شعرية  الخطاب ..وهي ظاهرة ملفتة في الديوان فقد قامت أغلب القصائد على الخطاب المباشر من خلال ضمائر متصلة ومنفصلة..المخاطب فيها ال "أنا" الفردي أو الجماعي أو الفردي الجماعي ..كما حضر خطاب المذكر وخطاب المؤنث لعل ذلك  سبيلنا إلى أن ندرك ظهور "الفردانية" والعلاقات   بين الـ"أنا المحضة " و الـ"أنا الجماعية " والشاعر في الخطاب هو الذات المرسلة التي تعبر عن خصوصيات التجربة الذاتية وهواجسها وانفعالاتها وهذا ما  يضعنا - من خلال هذه الآلية -إزاء جدل الوعي والنعي ..الوعي بأوزار الواقع ومحاولة  إيصاله إلى المخاطب والنعي بمحاولة إبراز عظمة  الخطر المحدق به..
وهذا ما يحيلنا على التجربة النضالية عبر الخطاب الشعري كشكل من أشكال  المقاومة ، إذ يرسل الشاعر قوله الشعري كصيغة تخاطبية إلى متلق محتمل أو ضمني يظهر من خلال جملة من العلامات النحوية الدالة على الخطاب المباشر، ويصبح بذلك المخاطب المتكلم شاهدا على الواقع ناقلا له ..هو إذا خطاب تأثيري مباشر بدا فيه المتكلم لا يفيد المخاطَب بشيء كان يجهله لأن ذلك معلوم عنده قبل أن يعلمه به ،  في هذه الحال لم يستفد علما بالخبر نفسه ،  وإنما استفاد أن المتكلم عالم به فهو من لوازم الفائدة ..فكأنه يحكي سيرة جماعية تتوارى في أعطافها سيرة ذاتية ، أو هي سيرورة فكر وعاطفة انطلقت عبر أقسام  الديوان من خلال ميثاق "سير ذاتي" ارتكز على مبدأ التتابع في سرد ملابسات الواقع وأحداثه والكشف عن ملامحه ، وكأنه ضرب من التداعي الحرّ للأفكار ، ولكنه محكوم  برؤية عقليّة واعية بالبرنامج السردي و مشروع الخطاب ولعل ذلك مظهر آخر من مظاهر شعرية النص عند الدكتور حاتم الجوهري : بناء محكم ينطلق من عرض الواقع ورصد ملابساته فالتبشير واستنهاض الهمم والدعوة إلى الفعل والثورة ثم الانبعاث..
وهذا يرتبط ارتباطا  وثيقا بلعبة الضمائر كما أسلفنا القول. فنجد ضمير المتكلم الذي يظهر في حركة مزدوجة مكنته من  الإفصاح عن آرائه الثورية ، وهنا يراودنا السؤال من يتكلم ؟ عمّن يتكلم ؟ ولمن يوجه الكلام ؟ يقوم المتكلم بوظيفة إفهامية وتسجيلية في مرحلة  أولى ثم استنهاض الهمم و الحلم  لينتهي بالبعث واستشراف المستقبل ..هنا قد تظهر الوظيفة الإيديولوجية ، فتنبجس لنا ملامح فكر اشتراكي يدعو إلى  العدالة الاجتماعية وفكر رومنطيقي من خلال الرغبة في التحرر من الأسر وصورة الفردوس المفقود .. ثم الفكر الوجودي وصورة الإنسان الفاعل في الكون  والفكر المثالي من خلال صورة الحلم بالمدينة الفاضلة والتحليق في عالم الجمال والخصب والفكر الصوفي في معني الخلاص :
       أن
      تسمح  لجراحها بالنوم في سكينة
      ليس عدلا أن تأسرها
      في صندوق أسفارك للأبد
      فلتدع روحها في سلام
      (....)
      والخلاص جامعا   (الخلاص جامع ص 117)
   إذا قد يكون المتكلم الشاعر ورغم ما يظهر عليه من هدوء إلا أن بداخله براكين تقذف مجانيق صاخبة تسعى للتغيير ..وقد يكون الضمير العربي هو الناطق بعمق المأساة ..إن الشاعر وهو يسلط سهامه الثورية يمارس فعل التحريض وبث الوعي للبحث عن الكمال في عالم يشعره بالفقر والعري فتتحرك في ذاته عوامل العزة الإنسانية ليكون العمل الكفيل بأن يستر السواعد العارية ويطعم الأرواح الجائعة ليذكرنا بصورة النبي المبشر في الأدب الرومنطيقي..
    بهذا فقد قامت قصائد الديوان على تصوير الواقع والتعبير عنه بأسلوب فني راق بغية استنهاض الهمم والدعوة إلى الكف عن عبادة الماضي والعكوف عليه .. لعله بذلك يسعى إلى التنفير من الفهم السكوني للتاريخ ..بذلك يلتبس روح التمرد بحرارة العاطفة ومن خلالهما يكون التوق إلى التغيير لمجتمعات عجزت عن مواجهة حاضرها  الفكري والسياسي خاصة ..   بكل ذلك يغدو الديوان بمثابة مجموعة بيانات وبلاغات يطوع فيها لغة الشعر لتحمل أثقال الفكر أو لعله يطوع الفكر حتى  يتكلم لغة الشعر لأن الشاعر لم يسع إلى بعث الحاضر بقدر ما كان يسعى إلى بعث المستقبل والتوق إلى عالم مثالي في الواقع  والشعر..
هكذا هي إذا التجربة الشعرية وديوان الجوهري أحد نماذجها وهذا ما جعلنا ننظر إليه من منطلق مخالف تماما ومن وجهة فلسفية تتركز على إبستمولوجيا الشعر لعدة أسباب ومنطلقات أبرزها أن  الابستمولوجيا دراسة علمية للمعرفة كما جاء في تصور باشلار  ولكن ننظر إليها من وجهة نظر أشمل كما جاء عند أوجست كونت من أنها تصحيح للأخطاء فالعلم من منظوره " لا يعرف إلا بتاريخ أخطائه"  وهذا إن شئنا قياسا للشعر على العلم.. وإن شئنا اعتبار الشعر ضرب من ضروب الفن وبما أن له علاقة وانشغال بالجمال فهو يتنزل ضمن المعارف اللاعلمية  ، فالشعر  تعبير عن هذا الجمال بذلك هو تجاوز للفن كحرفة أو كمهارة إلى اعتباره استيتيقا ووسيلة معرفة وما ينطبق على المعارف العلمية ينطبق على اللاعلمية وهنا تكون الثورة ويكون التجاوز وتصحيح  الأخطاء وهذه القراءة الفلسفية بحد ذاتها تراهن على التنوع والاختلاف وهي أحد المنطلقات لدراسة هذا الديوان..



التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.