الرئيسية » , , » عُدوان تعليمي | محمد طعيمة

عُدوان تعليمي | محمد طعيمة

Written By Hesham Alsabahi on الأحد، 22 مايو 2016 | 5:34 م

عُدوان تعليمي


محمد طعيمة
بينما تتهرب دول الاتحاد الأوروبي من عبء المهاجرين غير الشرعيين، فاجأت ألمانيا الجميع، الأربعاء الماضي، بوقف تنفيذ اتفاقية دبلن فيما يتعلق باللاجئين السوريين، والتي تلزم دول الوصول بتلقي طلب اللجوء، ما يعني تشجيع الفارين من دمار دمشق على السعي نحو برلين، كـ مُنقذ لهم، أياً كان موطأ نزولهم.
من يتابع مشكلة "شيخوخة" المجتمعات المتقدمة عامة، وتصريحات رسمية ألمانية عن تلقي السوريين تعليما جيدا في بلادهم، قبل تدميرها، كما وزيرة الدولة لشئون الهجرة واللاجئين والاندماج، أول يوليو الماضي. وتقارير إعلامية محلية وقومية، منها دويتشه فيليه 17 يوليو، عن "تحقيق التلاميذ السوريين نتائج مذهلة، بعد فترة قصيرة من وصولهم ألمانيا"، سيدرك أن إشادة المفوضية الأوروبية بالقرار الألماني بوصفه "خطوة تضامن أوروبية"، مع دول الوصول، ليست دقيقة، فالقرار ليس "تضامنًا" مع أحد، بل حصاد لزرع منظومة تعليم "جيدة"، مُعربة بالكامل.

وطنيًا، يجمع المحللون الإستراتيجيون على أن العامل الأول فى تجاوز نكسة 67 هو "الفرد المقاتل المتعلم"، الذى تربى فى منظومة متكاملة فُتحت أمام الجميع. فمع نضج مؤسسة التعليم التى وضعتها ثورة يوليو فى قلب مشروعها النهضوى، ضُخت دماء جديدة فى مؤسستنا العسكرية الجريحة، ليُعاد بناؤها على أسس علمية.
مبكرا أدرك جمال عبدالناصر الأهمية القصوى للتعليم.. اجتماعيا ووطنيا. نقرأ فى المصرى اليوم، 23 يوليو 2010، عن همّ سيطر عليه ليكمل شقيقه تعليمه. كانت رسوم الدراسة ثقيلة على والده موظف البوستة، وفى خطاب شخصي، بداية الأربعينيات، يناشد صديقه حسن النشار مساعدته فى نيل المجانية لشقيقه الليثى، فالـ 70% التى نجح بها.. خففت الرسوم، لكنها تظل عبئًا عليه، وبعد أن اتفق مع الأب على اقتسام النفقات.. يبدو أنه سيتحملها وحده.

****
فى نهاية الأربعينيات، رفض مجلس النواب مجانية التعليم، حجة "البدراوى باشا" وفق المضبطة: "لما ولاد الفلاحين ح يدخلوا المدارس.. مين ح يخرج ببهايمنا الصبح؟!". كان أولاد الفلاحين 70% من سكان المحروسة، أصبحوا "الجيش إللى حررها.. والشهدا فى كل مدارها"، ومنهم خرج أول شهداء العبور وفقًا للوثائق العسكرية: مهندس محمد حسين محمود مسعد، ابن قرية سنديون، قليوبية، خريج مدرسة قليوب الثانوية العسكرية، عام 1964، وزراعة الزقازيق، 1968، والشهيد الحى يسرى عمارة، آسر عساف ياجورى، خريج ثانوية "تلا"، 1966.
نهاية الأربعينيات قسَّمت أسرة عبد الغفار باشا، بالمنوفية، أسر الفلاحين لتنقل بعضهم للبحيرة، حيث أراضي استصلحتها. أمى الرضيعة، نبوية، فى حِجر جدتى "آمنة"، وبجوارها الطفلان توحيدة وأحمد.. مع بهائم العائلة الإقطاعية فى لورى واحد. روت جدتى لنا حادثة النقل وسط البهائم، وكيف ضحكت على خفير المركز، منتصف الخمسينيات، بأن: "نبوية ماتت"، لتهرب بأمى من إلزامية تعليم تُغرم قوانين يوليو من يخالفها.
لم تدخل أمى المدرسة، لكنها رحلت تاركة ستة أبناء تخرجوا من منظومة تعليم مُتفق على جودتها. ظلت، حتى رحيلها، تحذرنا: "التعليم هو اللي بيفرق البني أدم عن البهيمة". رفضت، وأبى، مع تراجعات السبعينيات والثمانينيات إخراج أى منا من المدرسة، رغم خنقة الحياة. لم نكن فى عهد عبدالناصر، كنا، فقط، نستظل بـ "بقايا سيستم" لم يكتمل تآكله. "كان" فى مدرستى الابتدائية مسرح صيفى/ سينما، غرف كيمياء وفيزياء وأحياء وموسيقى وتدبير منزلى.. وخاماتها. مكتبة وملاعب صغيرة، وحصص "حقيقية" لكليهما. وجبة غذائية ورعاية صحية وكتب وكراسات مجانية، وإعفاء من المصاريف "الرمزية" لمن يستحق، ومناهج تربى "مصريين". مدرسون وإخصائيون اجتماعيون مؤهلون، يؤمنون، كما ربتهم دولتهم وإعلامها، بأنهم يصنعون مستقبل وطنهم، وراتب حقق لهم معيشة كريمة.
منظومة تساوت فيها ماكينة خياطة أمى مع أغنى عائلة بمدينتنا، بعضهم دفع، فيما بعد، "إكرامية" لنقل ابنه من "الخاصة".. حيث الطلبة "البُلده"، إلى مدرستى الثانوية، التى أقسم أن معاملها ومُدرجاتها العلمية الثلاثة لا تعرفها كليات علمية الآن، وأن ملاعبها لا تتمتع بها كليات رياضية الآن. فى إحدى حدائقها ينتصب التمثال الوحيد الكامل لعبدالناصر فى مصر. اختفى التمثال خلف كتلة خرسانية، بعد أن اقتسمت أرض ملاعبها وحدائقها مع مدرسة إعدادية مشتركة ومحطة صرف صحى المدينة.

****
لم تكن حالة جدتى وأخوالى فردية.. فالسياق الحاكم، قبل يوليو، أهدر مستقبل الملايين. ولم تكن بطولة أمى استثنائية.. فالفضاء العام، بعد يوليو، فتح أمام المُعدمين آفاقًا أن يصبح أولادهم "بشرا منتجين"، قبل أن يرتد مع السادات ومبارك، ليغلقه ثانية. لم تع أمى من فوائد التعليم سوى تأمين مستقبل أولادها، لم يبلور وعيها أن ما تقصده هو "حراك اجتماعى". أو يدرك، كما كل التجارب النهضوية، أنه يفجر طاقات المجتمعات ويطورها، ويتيح فرصا متساوية للفرز الطبيعى بداخلها. لم تفهم أن التعليم "العام" هو معمل تمازج فئات وثقافات المجتمع، ليكمل الجيش صهرها فى بوتقته. لم تدرك أهميته كدرع للعقل ضد التخلف، أفكار كلية لم تصل لعقلها.. فهى لم تتعلم.
أفكار وعتها دولة يوليو، فمع أول مواجهة له مع الصهاينة فى الفلوجا، أدرك المقاتل عبدالناصر أن هزيمة "العدو" تبدأ من القاهرة، بإزالة ما يُجهض تحديثها، واضعاً التعليم فى قلب مشروعه التنموي. منظومة متكاملة، فجرت طاقات وطورت عقولا، أبدعت فى قتال التخلف والعدو معا.
لم يخترع عبدالناصر العجلة، سبقه التركي كمال أتاتورك، وتلاه الماليزى مهاتير محمد، والبرازيلى لولا دا سيلفا. الآن على نفس الخطى نيوزيلندا التي خصصت 21.6 % من دخلها القومي لمنظومتها التعليمية، والمكسيك 20.5%، (فوربس 18 أبريل 2015).
لنبوية، رحمها الله، 11 حفيدا.. تفرقوا بين مدارس عامة وتجريبية وخاصة، تفرقة تُشتت مستقبل الوطن. في المشهد العام: للخاص 4,13% من المدارس. وللأزهرى 16%.. تكلفنا 7،5 مليار جنيه. والبقية في التعليم العام المُنهار، وأن تميز بينهم 283 ألف تلميذ بالمدارس التجريبية. يزداد المشهد كآبة مع تقارير التنمية البشرية، فـ 27% ممن بين 18 - 29 سنة لم يكملوا التعليم الأساسى، 17% تسربوا، 10% لم يلتحقوا أصلا بالمدارس، ويعمل ثلاثة ملايين منهم بمهن شاقة. ووفق المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية يمثل الأطفال 41,46% من العاملين بورش الميكانيكا، و38,21% فى ورش الكيماويات و73,18% بورش النسيج. ويُقر وزير التربية والتعليم بأنه رصد "تسيبا كاملا" خلال جولاته الميدانية، وتتوالى تقارير تدني منظومتنا التعليمية، فمليون ومائتي ألف تلميذ يغادرون التعليم الابتدائي لا يجيدون القراءة والكتابة، ومعهم 40% من طلبة التعليم الفني. نتحدث عن بديهية القراءة والكتابة، فقط.

****
في مصر ما بعد 30 يونيو، ألزم دستورنا الحكومة بضمان جودة تعليم "هدفه بناء الشخصية المصرية، والحفاظ على الهوية الوطنية، وتأصيل المنهج العلمى فى التفكير، وتنمية المواهب وتشجيع الابتكار، وترسيخ القيم الحضارية والروحية، وإرساء مفاهيم المواطنة والتسامح وعدم التمييز"، وبإنفاق 4% من الناتج القومي على التعليم العام، تزداد تدريجياً إلى نظيرتها العالمية، و2% على الجامعي، و1% على البحث العلمي، بينما تخصص إسرائيل للتعليم العام وحده، 8،3%. اعتمدت الحكومة في أول ميزانية 4،3%، تعادل94،4مليار جنيه، أصبحت 97 مليارا بالموازنة الجديدة، لكنها تمثل 4،1%، بالمخالفة للدستور. رغم تأكيد رئيس الوزراء، 5 يوليو 2014، توجيه ما وفرته الدولة من الرفع الجزئي لدعم الوقود، إلى ميزانيتي الصحة والتعليم.
الأمر لا يقف عند التمويل، فعقب تحرر مصر من الإخوان، اتفق الجميع على أن التعليم يجب أن يكون المشروع القومي الأول، وعلى أنه جسرنا لتجاوز أثار نصف قرن من التشوهات الثقافية والاجتماعية. لكن الواقع يكشف عن غياب إرادة حقيقية لإزالة أثار العدوان على منظومتنا التعليمية. وقتها أعلنت الإمارات مشاركتها في بناء ألف مدرسة، نزلت تدريجياً إلى مائة، 22 منها بالقرى الأكثر فقرا، ثم المناطق الأعلى كثافة تعليمية، وتطوير 238 مدرسة بالمناطق الحدودية.
سبب التراجع الإماراتي نفهمه مما حدث مع مساهمات عرضها رجال أعمال أو جمعيات تابعة لهم، أبرزها من نجيب ساويرس، الذي اتفق، حسب وزير التربية والتعليم وقتها، 9 نوفمبر 2013، مع الحكومة على بناء 1000 مدرسة تجريبية حديثة، بمصاريف تزيد قليلاً عن نظيرتها العامة، ضمن قرض يُسدد على 50 عامًا، على أن تسلم الدولة شركاته أراضى المدارس لبناءها وتجهيزها. في 7 مارس الماضي، مع برنامج القاهرة 360، حمّل نجيب الدولة مسؤولية تأخر المشروع، لعدم تسليمها أي أراضي له.
بالتوازي، تلقت القاهرة عروضا دولية لتطوير تعليمها، أكرمها من فنلندا، المُصنفة الأفضل تعليماً. شمل وفق أ. ش. أ، 9 أبريل 2014، تمويل بناء مدارس كنماذج، وإجراء دراسات تفصيلية، بهدف تأسيس "نظام متكامل قومي، مجاني، يوفر لجميع الأطفال فرص تعليم متساوية حتى المرحلة الثانوية"، يظل خلاله الطلبة "شغوفين للتعلم والدراسة ولإظهار تنافسيتهم". لتمكينهم من امتلاك "أسس المعرفة والعلم، ومهارات تحقق لهم معدلات نمو اقتصادى كبيرة". فنلندا، التي لا يعرف نظامها الإمتحانات القومية، نفذت برامج تعاون مماثلة مع إيستونيا ودول جنوب شرق آسيا.
التعليم الجيد هو المنقذ اجتماعيًا وثقافيًا ووطنيًا، وحين تتفكك الدولة، مدخل للجوء لدولة كألمانيا. لا تصدق من يتحدث عن المستقبل، إذا لم يبدأ بإنقاذ منظومتنا التعليمية.
موقع حضارات - الأهرام


التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.