قَوْس قُزَح | محمود قرني

Written By Hesham Alsabahi on الأربعاء، 18 مايو 2016 | 4:58 م

قَوْس قُزَح(1 )

 

 

                                                                                     .. لِآلام المَصْدُور جون كيتس (2(

وللملابس الداخلية

لنساء الإمبراطورية

التي لا تغرب عنها الشمس  .













 

 

 

 

1

هكذا رَفَعَ الشاعرُ كأسَه
ولعَنَ "اسحق نيوتن" (3 )عَلَى الملأ
استحسن الشعراء ذلك
وتثاءب الفلاسفةُ مِن فَرْطِ الضجر
أمَّا حَمَلَةُ المباخر
فقدْ أحسُّوا بالراحة
عندما عادتِ الأرضُ إلي مقعدها
بعد أن أكلَتِ الفئرانُ
تفاحةَ الجاذبية .
تساءل عامل الحديقة :
لماذا صار الفيزيائيون كِلَابا ؟
ولماذا صار الشعرُ شعرًا ؟
كان الشاعر يحمل أدرانه بين ضلوعه
ولا يملك إجابة













كان يلتمسُ هواءً جديدا
لصدرِه المعطوب
لكنه، في النهاية ،
 بكى وحيدًا
عَلَى حافة نهرٍ بعيد

النقاد الأرستقراطيون
اعتبروه كَلْبَ الرومانسية الأجرَب
المستشفيات لَمْ تقبَلْهُ  
باعتباره سجلا سوداويا
لأوبئة الماضي .
أما العِلْمُ فقد اعتبره رَعَوِيًا
فرَّ مِن قِسم الحفريات
فِي حديقة الحيوان .



















2

في الصيف الماضي
كَتَب الشاعر رسالةً مؤثرةً
إلي الـ "سير اسحق نيوتن"
يحدِّثه فيها عَنِ الهُرَاءِ البادي
في الملابس الداخلية لنساءِ الإمبراطورية
بعد أََنْ عَلَّقن قوسَ قزح
عَلَى فُرُوجِهِنَّ
حتى أصبحن معرضا مُتَهَتكًا
لأمراض السُلالة
كَمَا حدَّثَه عن الشركات الكبرى
التي احتكرَتْ أفخاذَ العذارى
واستأجرَتْ أجسادَهُن
المَطْلِيَّةَ بالأحمر والأصفر
غيْرَ أنّ الرجل ،
الذي تم تعيينه للتو
رئيسا لمصلحة سَكِّ العُملة ،

















خاطبه بلهجةٍ تليق بِخَازِنٍ
للأموال الإمبراطورية
يومها نسيَ الشاعرُ عقلَه على الطريق
وشكر الربَّ
على أنه
فَقَدَ حقيقتَه .






















3

عَلَى سريرٍ مُهَدَّمٍ
في إحدى الضواحي 
أغلق الشاعرُ كِتَابه
واستلْقَى إلى جِوار أُمِّهِ المَصْدُورَة
ثُم كتبَ رسالةً إلى رفيقِ المنفَى
في جبال القوقاز
كان النبيل "ألكسندر بوشكين"(4 ) 
يدفعُ ثَمَنَ قصيدةٍ
يمتدحُ فيها الحريةَ 
ويعترفُ بأنَّه تناول غدَاءَه في سوق العبيد
المنفَى كان بعيدا عن بطرسبرج
بعيدا عن الميتافيزيقا
و "النَّظَّامُ الأكبر"(5 ) لا يخشى أحدا
لَكِنّ عيونَ القيصر كانت تخترقُ لحمَه








ما أَشْعَرَهُ
بأنه يسيرُ وحيدا وعُريانا
وعندما أراد أنْ يشكو قِلّةَ الحيلةِ
قال :
" إننا الشعراء
نصلح قياصرةً
عبيدا
دودا
وآلهة " (6 )

















4


الرسالةُ  
وصلَتْ متأخرةً
فأُعِيدتْ باردةً إلي رِئتينِ تَيَبَّسَتَا
تحت ثُلوجِ لندن
كان " النَّظَّامُ الأكبرُ "
قد وَصَلَ في كاملِ حُلَّتِهِ
إلي فراش الموت
بَعْدَ أنْ صَرَعَه أبناءُ القَنَاصِلِ
وسطَ الحلَبَة
أبناءُ القناصلِ أَكَلَوا وتدربوا جيدا
أمّا الشاعر فكتبَ قصيدةً
لكنها سرعان ما تَضَرجَتْ بالدماء
وهكذا ذهبَتِ العدالةُ إلي المَشْفَى 
واختبأََتِ الحريةُ أسفل الحلبة
أما الشاعر الذي كَفَّنَته الغيوم
فقد ترك زفرَتَه الأخيرةَ
بين أقدام قاتليه
بينما يُكلِّمُ نفسَه :
نَعَمْ .. 
أمعائي فسَدَتْ
لكن ضميري
لا يزال بخير .









5

الفيزيائيون كانوا يعملون بِجِدٍ
عَلَى ملء فراغاتٍ
يعتقدون دائما
أنَّ الله تركها طعاما لِحِكمَتِهم
فَوَضعُوا صُوَرَ شعرائهم
في كَسَّارة العِظَام
وصنعوا مِنَ الأشكال المخروطية
قواعد للسير عَلَى حافة الأشياء 
ثُم أنشأوا مصانعَ لتعليبِ الفراغ
وتركوا وصيةً في سجل الزائرين
تؤكد أن الإمبراطوريات الصالحة 
هي التي تأخذُ بِيَدِ العدالة
إلي عنبر الحُمَّى
لِتَكْشُطَ عنها آثَارَ الشعراء
بالمزيد مِنَ المُطَهِرات .








هوامش ليست ضرورية :



1 ـ  قَوْسُ قُزح : هو في القصيدة غيره في التعريف العلمي فهو هنا مفتاح لمأزق وجودي بين الشعر والعلم . أما 

في التعريف فهو قوس المطر أو قوس الألوان وهو ظاهرة طبيعية فيزيائية ناتجة عن انكسار وتحلل ضوء 

الشمس خلال قطرة ماء المطر. لكن اكتشافه كان سببا في تمدد أشياء مؤثرة في حياتنا وأحد مظاهرها يتبدى في 

حوار لم يحدث بين جون كيتس واسحق نيوتن الذي اكتشف نظرية التداخل اللوني عام 1666م استكمالا 

لنظريات ابن سينا وابن الهيثم ومن قبلهم جميعا كان الإغريق.

2 ـ  جون كيتس : أحد أهم شعراء حركة الرومانسية الإنجليز ولم يعش أكثر من ستة وعشرين عاما " 1795 ـ 1821 " . كان مصابا بمرض وراثي في الصدر ماتت به أمه أيضا . هاجمه النقاد بضراوة لكن تأثيره بقى ولازال في الشعر الإنجليزي . أما الحوار الذي تضمنه النص بين كيتس ونيوتن من ناحية وبينه وبين بوشكين من ناحية أخرى فهو يمثل مخيال النص ولا يمثل حقيقة تاريخية.

3 ـ  اسحق نيوتن : أحد أشهر الفيزيائيين الإنجليز  ( 1642  ـ 1727 م ) . مكتشف الجاذبية الأرضية ، عمل ردحا من عمره رئيسا لمصلحة سك العملة في الإمبراطورية البريطانية.

4 ـ ألكسندر بوشكين : حصل علي لقب أمير شعراء روسيا . ولد عام 1799 وتوفي في  1837 م . كان سليل عائلة من النبلاء لكنه كان قريبا من الطبقات الشعبية وكتب قصائد عدة عن الحرية جعلته يخرج عن الأنعم القيصرية  وتمت مطاردته حتى مات  إثر مبارزة مع أحد النبلاء الفرنسيين المدسوسين عليه من القيصر.

5 ـ  النظَّامُ الأكبر : هو أحد الألقاب التي أطلقها الشعب الروسي علي بوشكين . ومن الحكايات المأساوية التي ترويها زوجته أنها ذهبت إلي الحائك ليخيط له ثوبا أثناء مرضه جراء إصابته في المبارزة الشهيرة ودار هذا الحوار :
الحائك : ما هوية هذا الرجل ؟
الزوجة : إنه النظَّامُ  الأكبر .
الحائك : ومن يكون النظَّام الأكبر ؟
الزوجة : إنه شاعر يستطيع أن يصنع من صوته أي شيء .
الحائك : كان من الأجدى أن يصنع من صوته هذا سروالا لنفسه !! 


6 ـ   تضمين من قصيدة للشاعر الروسي " درجافين ".




 

 

 

 

 

 

 

 


 

التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.