الرئيسية » , » البناء الجملي المتواصل عند كريم عبد الله | بقلم الدكتور انور غني الموسوي

البناء الجملي المتواصل عند كريم عبد الله | بقلم الدكتور انور غني الموسوي

Written By Hesham Alsabahi on الاثنين، 16 مايو 2016 | 9:22 ص

البناء الجملي المتواصل عند كريم عبد الله


بقلم الدكتور انور غني الموسوي

قصيدة النثر هي شعر بشكل نثر ، اي ان الشكل شكل نثر و منه ينبثق الشعر . وهذا الفهم هو جوهر قضية قصيدة النثر ، و ليس ما يعتقد من تحرر الشعر من الوزن و القافية ، ان طموح كاتب قصيدة النثر هو أن يكتب شعرا ً لكن بشكل نثر وهنا تظهر القدرة الابداعية و تتجلى التجربة .
لقد ساد مفهوم خاطئ انّ قصيدة النثر تحتاج الى تعبيرية بصرية من خلال التشطير او التوزيع او الفراغات ، حتى انّي يوما ارسلت قصيدة افقية بشكل مقطوعة نثرية الى مجلة فعمدوا الى تشطيرها و جعلها بشكل عمود ، وهذا ناتج من الوعي المكتسب الطاغي بانّ الشعر لا بدّ ان يختلف عن النثر بالشكل ، و بعد التخلي عن الوزن و القافية لم يبق الا التوزيع البصري على الورقة و الايقاعية البصرية ، لكن كاتب قصيدة النثر ، الساعي نحو النثروشعرية ، اي الشعر الكامل في النثر الكامل ، يجاهد و يكافح في أن يعطي صورة حقيقية لقصيدة النثر ، و انّها تكتب بشكل نثر و باسلوب النثر و بتقنيات النثر ، لكن منها ينبثق الشعر .
و هذا التوجه عالمي ايضا فانهم لا يطلقون اسم قصيدة نثر على كل شعر نثري ، بل هي مختصة بالمقطوعة النثرية ذات البناء الجملي المتواصل .
انّ البناء الجملي المتواصل هو ركن النثروشعرية ، و لا يمكن انتاج قصيدة نثر من دون بناء جملي متواصل يتكلم به المؤلف كما يتكلم في النثر ، من دون سكتات و لا ايقاعات و لا فراغات و لا تشطير و لا تسطير . و كريم عبد الله شاعر مبدع في النثروشعرية و متقن للبناء الجملي المتواصل و قصيدته (التاريخُ عاهرةٌ .../ شواهدُ القبورِ الكثيرةِ تفضحها )المنشورة في مجلة تجديد الادبية من تجليات هذا الاسلوب . انّ ما يطوّر الأدب ليس الموضوعات لانّها عامة و ملك الجميع ، و انّما يطوّر الأدب هو الاسلوب ، لانّه فردي و خاص و ملكا لصاحبه . و من المفيد ايراد النص اولا .
التاريخُ عاهرةٌ .../ شواهدُ القبورِ الكثيرةِ تفضحها
ويغادرُ شرقنا شاخصة في شمسهِ مباضع وبقايا أطفال منقّعة بلعابِ ذئبٍ حملَ جلجلة الزقورات يفركُ تواريخها يستنشقُ أريجَ جنانهِ المسكونةِ بالأرثِ المحروق على صليبٍ رطبٍ يحدّقُ بعينٍ مفقوءة هاماتهُ معصوبة يوشّحها ليلٌ رؤوسه كطلعِ الشياطين تلاحقهُ تنهالُ تقتاتُ حكمتهُ خرافة تتلعثمُ ما بينَ نيلٍ يبحثُ عنْ حلمٍ ملائمٍ وفرات تعرّجَ كثيراً في خرائطِ رغوتها متاهاتٌ أخرى , المفاسدُ جزيرةٌ تلفُّ ذيلها مِنَ المحيطِ المتغامض بأقصى النعاس المفعم بالفرائضِ الواجبةِ وخليج قانط تتمددُ على ناطحاتهِ حيتانٌ تسفّهُ مياههُ المتواريةِ خجلاً بينما يسقطُ الزمن عميقاً في مستوطنةِ النسيان , التاريخُ عاهرةٌ تفترشهُ على سريرِ غوايتها تحتجزُ قناديلهُ تجلو نشوةً تركها الغرباء طريّةً في سيرتها الذاتية يسرحُ في ارجائها ليلٌ أقفرهُ كثرةَ الحكامِ يُبطؤونهُ ألاّ ينقضي متنكبينَ شماعةً يعلّقونَ كثرة الشبهات الغابرة ونَول هزيل يحيكُ صباحاً مرقعاً تلعبُ المخارز في ملامحهِ أنّى تشاءُ على مهلٍ فتنكشفُ عورتهُ البلهاءَ كرائحةُ الفتنةِ تتأرجحُ شواهدُ القبور الكثيرةِ تفشحها , المحترفونَ بالجريمةِ لصوص اليومِ العانس يرشقونَ الأيامَ نكايةً بالمغدورينَ وراءَ الماضي يحتملونَ هذرهم يتناوشونَ فوقَ القانون الأخرق بينما في روحِ الحقيقيةِ زفراتٌ متهدلة وهتافات متكررة تتقافزُ متأخرة في كلَّ حينٍ .
العنوان (التاريخُ عاهرةٌ .../ شواهدُ القبورِ الكثيرةِ تفضحها ) و هو مقطوعة متواصلة البناء ، وهذه فردية اذ عادة ما يكون العنوان مختزلا بكلمة او كلمتين ، لكن كريم عبد الله عادة ما تكون عناوينه جمل متواصل البناء .
تمّ يأتي مقطع واحد ببناء متواصل بطول ثلاثة اسطر
(ويغادرُ شرقنا شاخصة في شمسهِ مباضع وبقايا أطفال منقّعة بلعابِ ذئبٍ حملَ جلجلة الزقورات يفركُ تواريخها يستنشقُ أريجَ جنانهِ المسكونةِ بالأرثِ المحروق على صليبٍ رطبٍ يحدّقُ بعينٍ مفقوءة هاماتهُ معصوبة يوشّحها ليلٌ رؤوسه كطلعِ الشياطين تلاحقهُ تنهالُ تقتاتُ حكمتهُ خرافة تتلعثمُ ما بينَ نيلٍ يبحثُ عنْ حلمٍ ملائمٍ وفرات تعرّجَ كثيراً في خرائطِ رغوتها متاهاتٌ أخرى )
انّ هذا المقطع لا يمكن ان يقرأ الا بشكل المقطوعة النثرية ، و الكلمات محركة ، و لا توقف . لكن القدرة الايحائية و الرمزية و الهمس الشعري و الاشارة الشعرية و مداعبة الفكر و الوعي العميق و التجذر في النفس كلها تخلق حالة الشعر ، و الشعر الكامل من وسط هذه المقطوعة النثرية .
تمّ يأتي مقطع نثري بطول سطرين بلا توقف
(المفاسدُ جزيرةٌ تلفُّ ذيلها مِنَ المحيطِ المتغامض بأقصى النعاس المفعم بالفرائضِ الواجبةِ وخليج قانط تتمددُ على ناطحاتهِ حيتانٌ تسفّهُ مياههُ المتواريةِ خجلاً بينما يسقطُ الزمن عميقاً في مستوطنةِ النسيان )
وهنا ايضا مقطع نثري طويل بشكل استثائي بل وغير عادي ، في بناء جملي متواصل يحقق النثروشعرية ، حيث ينبثق الشعر من قلب النثر .
ثمّ المقطع الاطول باربعة اسطر متواصلة البناء .
(التاريخُ عاهرةٌ تفترشهُ على سريرِ غوايتها تحتجزُ قناديلهُ تجلو نشوةً تركها الغرباء طريّةً في سيرتها الذاتية يسرحُ في ارجائها ليلٌ أقفرهُ كثرةَ الحكامِ يُبطؤونهُ ألاّ ينقضي متنكبينَ شماعةً يعلّقونَ كثرة الشبهات الغابرة ونَول هزيل يحيكُ صباحاً مرقعاً تلعبُ المخارز في ملامحهِ أنّى تشاءُ على مهلٍ فتنكشفُ عورتهُ البلهاءَ كرائحةُ الفتنةِ تتأرجحُ شواهدُ القبور الكثيرةِ تفشحها )
انّ هذه القدرة على تحقيق الشعر من هكذا نثر ظاهرة نادرة و ريادية ، تمثل شكل ناضجا و نموذجية للنثروشعرية ، و كتابة الشعر النثري ، و قصيدة النثر و تحقق غاياتها و اهدافها الاسلوبية .
تمّ يختتم كريم عبد الله قصيدته بمقطع رابع طويل ايضا .
(المحترفونَ بالجريمةِ لصوص اليومِ العانس يرشقونَ الأيامَ نكايةً بالمغدورينَ وراءَ الماضي يحتملونَ هذرهم يتناوشونَ فوقَ القانون الأخرق بينما في روحِ الحقيقيةِ زفراتٌ متهدلة وهتافات متكررة تتقافزُ متأخرة في كلَّ حينٍ . )
لقد ركزنا هنا على اسلوب البناء الجملي المتواصل ، مع انّ النص ثري و متعدد الدهات الابداعية ، لكن اسلوبنا الثيمي في تناول الظاهرة الأدبية و دون التشظي و المسح الكلي للنصوص هو الطريقة المثلي التي تخدم المقالة النص و الادب عموما . و لا ريب ان تلك الوحدات الكتابية التي اشرنا اليها هي اكبر من الجمل و هي جمل متادخلة ، الا انها متداخلة بطريقة متوحدة ، فهي تقع بين الفقرة و الجملة و هذا وضع كتابي متفرد . انّ تحقيق نص بحجم صفحة و اكثر باربع مقاطع ذات بناء تركيبي متواصل بلا توقف ، هو تجل واضح و ظاهر للبناء الجملي المتواصل ، بل انّ الشكل النثري هنا يتحلى باقوى صوره ، و منه ينبثق الشعر . انّ هذا الشكل من الكتابة يحقق قصيدة نثر متطورة و بنفس جديد .


التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.