الرئيسية » , » حين تحوّلت سورية مطمراً للإرهاب | نجيب جورج عوض

حين تحوّلت سورية مطمراً للإرهاب | نجيب جورج عوض

Written By Hesham Alsabahi on الاثنين، 30 مايو 2016 | 6:27 ص

حين تحوّلت سورية مطمراً للإرهاب

2016-05-28 | نجيب جورج عوض | العربي الجديد


يواظب الغرب منذ اندلاع الثورة في سورية على عقد مؤتمرات عديدة عن مصير الأقليات والمسيحيين في سورية، يعبرون فيها عن خوفهم الشعبي على مصيرهم ووجودهم في أرضهم الأم. رفضت، أخيراً، دعوات عديدة لمثل تلك اللقاءات في أميركا وأوروبا، والمشاركة فيها، كمسيحي سوري ينتظر المنظمون منه أن يتحدّث عن معاناة المسيحيين وآلامهم وهواجسهم. رفضت المشاركة، انطلاقاً من قناعة وإيمانٍ عميقيْن لطالما تمسكت بهما في السنوات الخمس المنصرمة: من يحتاج الخوف عليه، وعلى وجوده في سورية، هو مصير الإنسانية، وليس مصير الطوائف، قدر البشر في المنطقة، وليس قدر الجماعات المتفرقة. بات الإنسان في سورية مهدّداً بالانقراض والفناء الشامل، بعد أن قرّر العالم تحويل سورية برمتها إلى مكبّ (أو مطمر) نفاياته الإرهابية.
نعم، أراد صناع القرار (وليس المجتمعات ولا الشعوب)، وهم من كل أطراف العالم، أن يحولوا سورية الجغرافية إلى مطمر نفايات لكل حالات الإرهاب والعنف في العالم. حقق صناع القرار هذا بأن أجهضوا الثورة في سورية، ومنعوها من الوجود، أحالوا البلد إلى ساحة معركةٍ لمحو الوجود البشري فيها تماماً، وجعلها أرض خلاء، من أجل تحويلها، في النهاية، إلى مطمر جغرافي ضخم لكل حركات الإرهاب والتطرف والعنف والقتل التي تريد التخلص منها في بلدانها.
لم يكن هذا الأمر صعباً بسبب موقع سورية الجغرافي المتوسط، والذي يسهل عملية نقل النفايات الإرهابية إليها بسهولة، أولاً من دول الجوار العربية وغير العربية، وثانياً من دول العالم القاصية والدانية. وما داعش سوى نفايات أميركا وأوروبا وروسيا ودول الاتحاد السوفيتي السابق وتركيا والعرب الإرهابية، في حين أن جبهة النصرة هي نفايات القاعدة الإرهابية من كل أطراف العالم العربي، والتي قررت، أخيراً، كما بشرنا قائدها أيمن الظواهري، الانتقال الرسمي إلى سورية وترك أفغانستان (حتى أفغانستان وجيرانها باتوا يطمرون نفاياتهم الإرهابية في سورية). وطبعاً لا يبدو أن أي طرف عالمي يعنيه أن يتساءل كيف يمكن لعشرات آلاف الإرهابيين أن يعبروا دولاً، ويصلوا إلى مطمرهم المقصود، بيسر ومن دون مشكلات، وكأن الدول التي يعبرونها بلا حدود ولا سلطات ولا أمن. وهناك داخل سورية فئاتٌ ميالة للعنف والإرهاب، وتجد في ظل تحول سورية مطمر نفايات إرهابية عالمي فضاءً لها للتنفس والعيش والظهور إلى العلن، والبحث عن فرصة تسويق نفسها.

ولم يكن صعباً على مراكز صنع القرار تنفيذ مخطط تحويل سورية إلى مطمر نفايات إرهابية
دولي، خصوصاً وأنَّ سورية ابتلت بنظام حكمٍ يمثل الإرهاب خصلة تكوينية في ماهيته. قرأ النظام، منذ البداية، رغبة صناع القرار بتحويل سورية إلى مطمر، فعمد إلى (تنظيف) الأرض السورية، وتفريغها من أي وجود بشري. فتح سجونه وحدوده أمام العناصر الإرهابية المحلية واستعملها في (تنظيف) الأرض من الشارع المدني الثائر. كما وظف أمواله ومصادره في جذب نفايات الإرهاب من كل العالم. عمل النظام هذا ليسوّق نفسه أمام أوليغاركية النفايات الإرهابية كأفضل موظف لتنفيذ المشروع المذكور. ونجح، بقدراته الإرهابية المبهرة، في تقديم نفسه "مدير نفايات" في المساحة الجغرافية المقرّر إيجاد المطمر فيها. قاد هذا صناع القرار إلى عقد اتفاق مبرمٍ معه، وتفويضه رسمياً بتولي مسؤولية حرق تلك النفايات الإرهابية في المطمر السوري. وما بقاء النظام، حتى هذه اللحظة، إلا مؤشراً على أن عقد عمله لم ينته بعد، وأن عملية الطمر الإرهابي في المطمر السوري ما زالت تسير حثيثاً.
خلاصة الحال أن دوائر صنع القرار قررت أن سورية "أرض بور بلا بشر"، وإن على رافضي من عليها الإقرار بذلك أن يدفعوا الثمن. ومنذ خمس سنوات، يجبر صناع القرار السوريون، وبكل وسائل القهر، على متابعة مسلسل تحويل بلدهم وأرضهم الأم، إلى مطمر عالمي للإرهاب، وبرعاية وإدارة محلية أسدية بامتياز. منذ خمس سنوات، والسوريون محرومون من هويتهم الإنسانية، ومسحوقون تحت مطرقة عهر أصحاب القرار السياسي، وتشييئهم الإنسان السوري، ونفيهم المبرمج إنسانيته وكرامته ووجوده.
أحلم أن يدرك البشر حول العالم، وفي المجتمعات الدولية، حقيقة ما يحصل في سورية، وأن يعوا أن الإنسانية برمتها تندثر، في تلك البقعة الغالية والعظيمة من الأرض. ما الخوف على الأقليات أو الإثنيات إلا بضاعة تسويقية بروتوكولية، يبيعها صناع القرار (أصحاب البزنس) لنا وللرأي العام في مجتمعاتهم، لكي يخفوا عوراتهم اللاأخلاقية حيال سورية. يراقب السوريون من ملاجئهم وأوكار صراعهم من أجل البقاء كيف تحولت بلدنا إلى مطمر نفاياتٍ عالمي للإرهاب. وباعتباري واحداً منهم، أراقب هذا القدر البشع بحزن سحيق، وقرف شديد، وصمت مخنوق بالمرارة والألم. أنزوي، بصمتي وألمي، مدركاً أنه لم يعد يجدي أي شيء، لا الكلام ولا الصراخ، ولا الشرح، ولا أي شيء. لا حل في الأفق للمأساة السورية، طالما أن عملية طمر النفايات الإرهابية سارية. ولكن، هل مازال على سطح هذا الكوكب التعيس من يقول لمالكي صفقة الطمر المذكورة إن السوريين بشر من لحم ودم وروح وكيان؟



التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.