الرئيسية » , , , , , » ريتشارد هوغو: في الدفاع عن صفوف الكتابة الإبداعية | (3/4) ترجمة: رنين منصور

ريتشارد هوغو: في الدفاع عن صفوف الكتابة الإبداعية | (3/4) ترجمة: رنين منصور

Written By Gsm Egypt Server on الثلاثاء، 31 مايو 2016 | 10:23 ص

ريتشارد هوغو: في الدفاع عن صفوف الكتابة الإبداعية (3/4)
ترجمة: رنين منصور
هناك أسباب أخرى يمكن أن تبرر قلة انتشار صفوف الأدب والحاجة المتزايدة إلى الكتابة الإبداعية. تكمن بعض هذه الأسباب في الطريقة التي يتفاعل فيها العقل مع الأشكال المختلفة للمعرفة. على سبيل المثال، هاتان فقرتان تعبران عن نوعين من المعرفة، الأولى أدبية والثانية بيولوجية.

في كتاب (جون درايدن) “مقالة في الشعر الدرامي”، يقول (نيندر) لـ (كرايتس) في ختام حديثه الطويل، “بالنسبة لـ (بين جونسون) الذي ذكرته كمثال وقلت أنه يكتب بالاستغناء تماما عن القافية؛ لعلك تذكر أنها أداة تعين على الخيال الخصب، بينما القافية التي يعتمدها (بين) ليست كذلك لأنه لا يريد أي نوع من الخيال، لذا لم يذكر أحد يومًا ما أن لديه خيالاً واسعًا حتى يحتفظ فيه. لم تكن مقاطع شعرية أو عبارات منقحة ذات قيمة في ذلك العصر كما هي بالنسبة لنا اليوم. لذا عادة ما تكون الأفكار التي تأتي في المرتبة الثانية هي الأفضل، حيث يتم امتصاص الأفضل جراء الحكم عليها، ويعتبر آخر ما يتم الوصول إليه من أفكار وأكثرها نضجا هو عبارة عن مقاطع شعرية فنية تنطوي فيها المعاناة ، ويمكن الاستدلال عليها جيدا لأن المقاطع الشعرية تعين الخيال الخصب بشكل كبير، وهذا هو ما تبرهن عليه الحجة التي عارضتها.”
تولد جميع أسماك الهامور أنثوية الجنس ومن ثم تتحول إلى ذكور.

يشعر الأكاديميون بالغيرة من القوى النفسية التي يمتلكها الكتّاب

   أيهما تحتوي على أكثر الاحتمالات تشويقا؟ بالنسبة للباحث؟ وبالنسبة للناقد؟ وبالنسبة للشاعر؟ وبالنسبة للممثل الكوميدي الارتجالي؟ عند قراءة كلتا الفقرتين في الأعلى، قد يصبح أحدكم شاعرًا للحظة. وقد يتحول عدد قليل منكم إلى ممثلين كوميديين ارتجاليين. وإذا كنت لا تزال باحثا أو ناقدا، قد تشعر بالندم قليلا. إذا شعرت بالمتعة عند النظر إلى الاحتمالات الصّورية والمجازية التي يتضمنها التاريخ البيولوجي العجيب لأسماك الهامور، فإنك ربما تتجه فورا للانضمام إلى أحد صفوف الكتابة الإبداعية. عندما كانت الجامعات أصغر في الحجم وأكثر محدودية، إما أن يتم تجاهلك أو أنك تُجبر على التغيير. إذا درست (درايدن) ولم تكن مستمتعا بذلك، فإما أن تتظاهر بالاستمتاع أو تنسحب. وفي الوقت الحاضر تعتمد ميزانية القسم في معظم جامعات الدولة على إحصائيات التسجيل. ليس بالضرورة أن ترتفع حدود ميزانية القسم إذا ازدادت معدلات التسجيل، ولكنها قد تفقد ميزانيتها بشكل كبير في حال انخفضت معدلات التسجيل. الإداريون المحترفون في كل مكان، وأقسام اللغة الإنجليزية ليست خارج دائرة الإحصائيات التي تزايدت من خلال الأشخاص الذين يجدون الفرق بين المعرفة والجهل بالنسبة لبعض المواد صغير جدا لدرجة لا تستدعي القلق. هذا أفضل من ألا تجد حلا سوى الاعتياد على الأشخاص الذين ينظرون إلى المعرفة على أنها أقل متعة مقارنة بالتخمين في بعض الأوقات.

   ومن النادر أن تقرّب المسافة بين الكتابة الإبداعية والأكاديمي متوسط الخبرة والذي قضى أعوامًا من العمل الجاد حتى يحصل على شهادة الدكتوراه، وذلك من خلال التعمق بشدة في الثقافة والنقد، أما فيما يتعلق بالمنصب الذي يشغله فهو يعتمد الآن على وجود الأشخاص الذين لا يبالون بخبرته. وقد يزداد الأمرسُوءًا. لا يتمكن العديد من الكتاب الإبداعيين والطلاب والمدرسين من إنقاذ الموقف. لا يتيحون الفرصة أمام الأكاديمي، والذي غالبا ما يكون لديه الكثير الذي يستطيع أن يزودهم به. هناك نوع من العداء، وهو أمر سيء في بعض الجامعات.

   لحسن الحظ لا توجد في (مونتانا) عداوةً كبيرةً بين الكتّاب الإبداعيين والأكاديميين. عادة ما تكون الملاحظة السيئة العابرة مبطّنة، وأحيانا يراد بها الدعابة. وفيما يتعلق بالأسلوب الغريب الذي يتبعه بعض الأكاديميين المستقلين في التعامل مع الطلبة الخريجين في صفوف الكتابة الإبداعية فإنه قد بدأ بالتلاشي. ولا يحدث هذا في كل مكان، إلا أننا نلتزم بأحد التقاليد المتبعة في الكتابة الإبداعية منذ سنوات عديدة. درّس (وولتر فان تيلبرغ كلارك) الكتابة الإبداعية لسنوات في (مونتانا). أوّل من درسني الكتابة الإبداعية في جامعة (واشنطن) هو (جرانت ريدفورد)، وقد كان مدرّسًا جيدًا وطريقته في التدريس عسرة. لقد قَدِم من جامعة (مونتانا). تمتّع الكتّاب الإبداعيون هنا بمكانةٍ مرموقةٍ سواء على مستوى أعضاء هيئة التدريس أو الطلبة.

   مع خطورة أن أكون على صواب تام، لقد رأيت أن المدارس التي تتأصل فيها العداوة، عادة ما تنشأ تلك العداوة من قبل الأكاديميين. ومن السهل تجاوز التفسيرات القديمة: يحلم أستاذ الأدب دائما بأن يصبح شاعرا، بينما يشعر الأكاديميون بالغيرة من القوى النفسية التي يمتلكها الكتّاب، ويشعر الأكاديميون أن الكتّاب الإبداعيين لا يعملون بجد واجتهاد. وبغض النظر عما يتعلق بتلك التفسيرات، فأنا أجدها مطلوبة. لقد توصلت للاعتقاد بأن العداوة بين الأكاديميين والكتّاب الإبداعيين تنشأ ببساطة من العقلية المحدودة لكلا الطرفين. وسيفشل كل منهما في إدراك وتقدير قيمة الطرف الآخر.يعرف ذلك برهاب الأجانب والذي لا يستحقه أولئك الأشخاص الذين يطلقون على أنفسهم لقب المثقفين.

بدأتُ التدريس في عمر الأربعين. وخلال أربعة عشر عامًا، تمكنت من التحدث إلى الكثير من الطلاب وأعضاء هيئة التدريس وتوصلت إلى بعض النتائج على مضض. يؤلمني أنني لا أقوى على تبرير اعتقادي بأن الطلبة يتجنبون صفوف الأدب، وذلك لأنني ومع بلوغ الخامسة والأربعين لا أجد نفسي في موضع قوي، كما تقودني الحرب الكلامية إما إلى فقدان أعصابي أو الملل والتراجع. إنني لا أحب المشاجرات، وآمل ألا يدخلني ما سأقوله في أحدها.


نظام الدكتوراه يدرّب الأشخاص على تدريس الأدب وكأنه نظام غامض

   طلب مني أحد الشّباب الحاملين شهادة الدكتوراه بأن أحضر إلى قاعته الدراسية حتى أناقش بعض قصائدي مع طلبته. أحببت هذا الشاب وسعدت برغبته في تدريس قصيدتي. كان صفًّا ممتازا. أدى المدرّس واجبه على أكمل وجه. بدا ذلك واضحا من خلال انتباه الطلبة وتحمّسهم للقصيدة أثناء مناقشتها ومن خلال طرح وجهات النظر بطريقة ذكية.

   سألني أحد الطلاب عن الطريقة التي اتبعتها أثناء كتابة “السيدة في خزّان الحصان الذي يركل” ، وهي إحدى القصائد التي كانوا يتدارسوها. كان جوابي واضحا جدا. كانت لدي علاقة غرامية. تركتني السيدة من أجل شخص آخر. شعرت بالانكسار والرغبة في الانتقام، إلا أنني كنت جبانا. لذا شعرت بالمعاناة في الواقع، لكنني أخذت بالثأر من خلال القصيدة؛ على الأقل في بدايتها.

   بعد مرور بضعة أيام، أخبرني المدرّس أن جوابي أدهشه كثيرا. إنه لا يعرف شعراء يعيشون بهذه الطريقة. أذهلتني دهشته فسألته عما يفترضه عن كتابة الشعراء لقصائدهم. أجابني بأنه يعتقد أن الكاتب يجلس لوحده في غرفة ويختلق الأفكار.

   لا بد أن تدرك أنه شاب ذكي. مدرس جيد. إنه حاصل على شهادة الدكتوراه في الأدب من أحد أفضل جامعاتنا. من أين أتى بمثل هذه الأفكار عن الكتّاب؟ الجواب واضح. أتى بها من حيث تلقى تعليمه.

   إحدى النتائج التي توصلت إليها على مضض هي أن نظام الدكتوراه يدرّب الأشخاص على تدريس الأدب وكأنه نظام غامض ضخم بحيث يكاد يكون تأثيره قليلا أو معدوما على الوجود البشري. ومن الواضح أن الكثير من المدرّسين الجيدين قد تخرجوا من ذلك النظام ليبرروا هذا الأمر، إلا أنني أخشى أن يجذب نظام كهذا حصته العادلة من الأشخاص الذين يسمحون للمعرفة بأن تفصل بين ذاتهم وحياتهم، حيث يسمح الحمقى بذلك بشكل صريح. وعلى سبيل الدعابة القديمة، “تصفحت دفتر ملاحظاتي فاكتشفت بأنني قد قرأت (هاملت).”

   بل إنني سمعت عن أكاديميين يصفون مدرسين معروفين بأنهم فنانون هزليون. الاهتمام في مجال الأدب والتفاعل مع هذا النوع من الاهتمام يأتي في المرتبة الثانية في أفضل الأحوال. غالبا ما يتساوى الاندماج الحقيقي بالحماقة. كما أنه ليس تطويرا حديثا. على أي حال، كان هذا الأمر أكثر سوءا عندما كنت طالبا.

   وهناك سبب آخر لقلة اهتمام الطلبة بدروس الأدب وهو ميل الأساتذة الأكاديميين نحو الشعور بالأفضلية دائما مع الطلبة. يبدو أنهم يكتسبون المعرفة حتى يشعروا بأنهم أفضل ممن لم يكتسبها. عدم الرغبة في العطاء والمشاركة هو تصرف غريب يقوم به بعض المدرسين. حالهم ليس أفضل من المدراء التنفيذيين. ربما لهذا السبب يجب عليهم أن يحصروا ضحاياهم في محيط الشباب. توجد قاعدة أساسية لأولئك الذين يريدون الشعور بالأفضلية مع الآخرين: لا تُظهر مشاعرك. القدرة على إخفاء المشاعر هي الخصلة الوحيدة. رأيت ذلك شائعًا بين المدراء التنفيذيين ذوي الكفاءة العالية لدى الشركات خلال فترة ثلاثين عاما من العمل في مجال الصناعة. وبالتأكيد هذا يفيدك في حال لا توجد مشاعر يتطلب إخفاؤها.

   هذا الميل نحو الشعور بالأفضلية مع الطلبة ليس تطويرا جديدا أيضا. كان أكثر سوءًا كذلك عندما كنت طالبا، إلا أنه أصبح عاديًا فيما بعد، ولم ينفر الطلبة من دروس الأدب. كان الطلبة أقل ثقافة ويعتقدون بأن اكتساب المزيد من المعرفة يبيح التصرف بغرور كما لو أن أحدهم يشغل مكانة اجتماعية مرموقة. يفضل الكثير من الطلبة في الوقت الحاضر عدم تعلم (ميلتون) عن الإحساس بالدونية لأنهم في الأصل لا يعرفون أعماله.

   يبدو أن هذا الأمر يجعلنا نشفق على الأكاديميين. تبا، بعضهم مثير للشفقة. في إحدى الجامعات الكبرى، قام أعضاء هيئة التدريس كبار السن بالتصويت ضد نشر سجل الخريجين لأنهم اعترضوا على وضع أسمائهم مع أسماء أعضاء هيئة التدريس الشباب. إنه لأمر عجيب ما يمكن أن يفعله أولئك الذين يطلق عليهم لقب مثقفين من أجل أن يكتسبوا أهمية. لا غرو في أن الكثير من الطلبة الشباب يرفضون تلقي تعليمهم من أولئك الأشخاص.

   وإذا أردت أن أحصر نفسي في نقدٍ واحدٍ موجه للأكاديميين، فإنني سأؤكد أنهم لا يثقون بإجاباتهم. يعتقدون بأنه في حال لا يمكن الدفاع عن رأي معين بطريقة عقلانية، فهذا يعني أنه رأي باطل. سئل أحد أساتذة الأدب الذين أعرفهم بعد خروجه من صالة السينما عن رأيه في الفيلم، فأجاب بأنه يريد العودة إلى منزله والتفكير في ذلك. إنه لا يريد التفكير فيما إذا أحب الفيلم أم لا، بل إنه يريد التفكير فيما إذا كان باستطاعته أن يدافع عن رأيه في الفيلم. وإذا توصل إلى عدم إمكانية الدفاع عن رأيه، فإنه حتما سيخفي مشاعره أو يزعم مشاعر زائفة.

 يشبه الأكاديميون حال أولئك الأشخاص، ولحسن الحظ إنهم لا يمثلون جميع الأكاديميين، حيث يأخذ طلابهم انطباعا بأنه لا يوجد في الأدب مغزى يثير الاهتمام على المستوى الشخصي. إذا كنت هجوميا فاعذروني. يوجد أكاديميين كبار وأفخر بأنني على معرفة بالبعض. كما أنني سعيد لأنني أشاركهم المهنة نفسها. إذا كان نقدي لاذعا، فلا بد أن تدرك أنني لا زلت أعتبر الأساتذة الأكاديميين عنصرًا أساسيًا في قسم اللغة الإنجليزية. مهما كان الاستياء كبيرا من الكتابة الإبداعية، فإنها لا تزال من الرفاهيات. إذا وجب الاختيار بين سحب مادة شكسبير أو مادة الكتابة المتقدمة للشعر، فإنني لن أؤيد إبقاء مادة الكتابة. إنها ليست ضرورية جدا لتعليم الطلبة.

.. يتبع. 



التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.